<< نيفين الأشقر: فقدت كل ما أملك لكنني لم أفقد حلمي
<< أريد أن تكبر خلاياي النحل من جديد
<< أريد أن أعيد بناء مصدر رزقي كما كان قبل الحرب
<< الخيمة بديل البيت.. حياة بلا خصوصية ولا أمان
<< لا تريد العودة إلى الماضي بل تبحث عن فرصة لبناء المستقبل
<< أطفال ينتظرون.. وزوج وابن يحتاجان إلى الرعاية
<< نيفين تطلب تبني مشروعها لتعيد للعائلة مصدر رزقها
في شمال غزة، وتحديدا في مخيم جباليا، كانت نيفين الأشقر تملك شيئا يشبه الحلم المكتمل، بيتا، وأسرة، ومشروعا صغيرا منحلا كان يمثل مصدر رزق العائلة الوحيد، لم تكن تملك ثروة، لكنها كانت تملك ما هو أثمن بالنسبة إلى امرأة تكافح من أجل أسرتها، عملا تحبه، ومشروعا صنعته بيديها، وحلما كانت تراه يكبر خلية بعد أخرى، ثم جاءت الحرب، ولم تترك لها من كل ذلك إلا القليل.
دمر الاحتلال منزل نيفين بالكامل، وضاع كل ما كانت تملكه الأسرة، ولم ينج من مشروعها الذي كان يضم نحو 300 خلية نحل سوى خلية واحدة، في لحظة كان يمكن أن ترى فيها هذه السيدة الفلسطينية أن كل شيء انتهى، اختارت أن تنظر إلى تلك الخلية باعتبارها بداية جديدة، أنقذتها، وحملتها معها، واعتنت بها، ورفضت أن تترك آخر ما تبقى من مشروعها يموت، ومن خلية واحدة، بدأت الحكاية من جديد.
نيفين الأشقر مع خلية النحل
اعتنت نيفين بالخلية الناجية بكل ما تملك من صبر وخبرة وإصرار، ومع الوقت تحولت الخلية الواحدة إلى أربع خلايا، قد يبدو الرقم صغيرا أمام 300 خلية كانت تملكها قبل الحرب، لكنه بالنسبة إليها ليس مجرد أربع خلايا، بل دليل على أنها لم تستسلم، إنها أربع علامات تقول إن ما دمرته الحرب يمكن، بالصبر والعمل، أن يبدأ من جديد.
تقول نيفين إنها فقدت كل ما تملك، لكنها لم تفقد حلمها، وهذا هو الفارق الذي تصنعه في حياتها اليوم، فبينما كانت الحرب تعني بالنسبة لكثيرين نهاية مصادر الدخل والمنازل والمشروعات، حاولت تلك السيدة أن تحول ما تبقى من خسارتها إلى فرصة، لم تكن تملك رأس مال كبيرا لتبدأ من جديد، ولا منزلا تعود إليه، ولا ظروفا مستقرة تساعدها على العمل. لكنها امتلكت العزيمة، وخبرة سنوات، وأربع خلايا نحل تنظر إليها باعتبارها نواة مشروع جديد، لكن الطريق ليس سهلا.
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
زوجها مصاب، وابنها مصاب، ونيفن أصبحت اليوم المعيلة لأسرتها، تحمل مسؤوليات الزوج والأطفال، وتحاول في الوقت نفسه أن تعيد بناء مصدر رزقها، وسط ظروف قاسية لا تترك مساحة كبيرة للراحة، هي لا تتحدث عن نفسها باعتبارها امرأة تحتاج إلى الشفقة، بل على العكس، رسالتها واضحة "أنا لا أحتاج شفقة، أنا أحتاج فرصة".
فرصة تستطيع من خلالها أن تكبر مشروعها، وتعيد بناء منحلها، وتحول الخلايا الأربع إلى مشروع قادر على إعالة أسرتها، كما كان مشروعها القديم يفعل قبل أن تدمر الحرب كل شيء، فبالنسبة إلى نيفين، النحل ليس مجرد مصدر لإنتاج العسل، إنه ذاكرة حياة كاملة، ففي كل خلية من خلاياها الجديدة شيء من مشروعها القديم، وشيء من البيت الذي فقدته، وشيء من السنوات التي قضتها في العمل، وشيء من الأمل الذي رفضت الحرب أن تنتزعه منها.
صرخات المصابين في غزة
ربما لهذا السبب لم تنظر إلى الخلية الوحيدة التي نجت باعتبارها مجرد خلية نحل، كانت تراها كأنها تقول لها "ابدئي من هنا"، فبدأت، لم يكن لديها 300 خلية كما في السابق، لكنها كانت تملك أربعا، ولم يكن لديها المشروع الذي كانت تعرفه، لكنها كانت تملك القدرة على المحاولة، ولم تعد الظروف كما كانت، لكنها ما زالت تملك حلما.

حجم الدمار في مختلف بلديات قطاع غزة بسبب الحرب
تعيش نيفين وأسرتها في الخيمة، لم تعد الحياة تشبه الحياة التي عرفتها نيفين قبل الحرب، البيت الذي كان يجمع أسرتها ويمنحها شيئا من الخصوصية والأمان لم يعد موجودا، وحلت مكانه قطعة من القماش لا تستطيع أن تحمي أفراد العائلة من قسوة الطقس ولا من ثقل الأيام، ففي النهار، تتحول تلك الخيمة إلى مساحة شديدة الحرارة، وفي الليل تصبح أكثر قسوة مع البرد والرطوبة، بينما تحاول الأسرة أن تجد في هذه المساحة الضيقة مكانا للنوم والجلوس وحفظ ما تبقى من مقتنياتهم.

تابع حجم الدمار في بلديات غزة
أصعب ما في الخيمة ليس ضيق المكان وحده، وإنما الإحساس الدائم بأن كل شيء مؤقت، والأسرة لا تملك بابا تغلقه خلفها، ولا غرفة يستطيع فيها كل فرد أن يجد بعض الخصوصية، تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو بسيطة قبل الحرب، مثل النوم بهدوء، وإعداد الطعام، وغسل الملابس، والعناية بالأطفال، أصبحت مهاما تحتاج إلى جهد مضاعف.
داخل الخيمة، تتقاطع هموم الأسرة كلها في مساحة واحدة، زوج مصاب يحتاج إلى الرعاية، وابن مصاب يحتاج إلى الاهتمام، وأم تحاول أن تقوم بكل هذه المسؤوليات، وفي الوقت نفسه تبحث عن طريقة لإعادة بناء مصدر رزقها، لا تملك نيفين رفاهية الانهيار، فهناك أطفال ينتظرونها، وأسرة تعتمد عليها، ومشروع صغير تحاول أن تنقذه من الضياع.

معاناة المصابين داخل غزة بسبب الحرب
أما الخصوصية، فقد أصبحت واحدة من الأشياء التي فقدتها نيفين مع بيتها، فالأسرة التي كانت تعيش داخل منزل له جدران وأبواب، أصبحت تتشارك مساحة واحدة لا تفصل بين أفرادها إلا أقمشة الخيمة، حتى لحظات المرض والتعب لا تجد فيها نيفين مكانا هادئا تستطيع أن تنفرد فيه بنفسها أو بأحد أفراد أسرتها.
ومع كل ذلك، تحاول أن تحافظ على صورة الأم القوية أمام أبنائها، تخفي خوفها قدر الإمكان، وتحاول أن تجعل الخيمة تبدو لهم مكانا يمكن احتماله، رغم أنها تعرف في داخلها أن ما يعيشونه بعيد تماما عن الحياة التي يستحقها أطفالها.
في الخيمة أيضا، يصبح فقدان الأشياء أكثر وضوحا، فقطعة أثاث صغيرة، سرير، مطبخ، خزانة ملابس، أدوات العمل، وحتى التفاصيل التي كانت تمنح البيت روحه، كلها أصبحت جزءا من الماضي. ولم يبق لنيفن سوى بعض الذكريات، وأربع خلايا نحل تحاول أن تجعل منها بداية جديدة.
أزمة الخيام
وأعلنت وزارة الأشغال بغزة، خلال بيان لها في 11 أغسطس ، أن مستلزمات الإغاثة والخيام التي يسمح الاحتلال بإدخالها إلى القطاع لا تتجاوز 5% من الاحتياج الفعلي للنازحين، موضحة أن مراكز الإيواء والخيام تعاني عجزا حادا في مياه الشرب والمياه للاستخدام اليومي والسلال الغذائية، فيما أصبحت الخيام متهالكة جراء طول استخدامها والظروف الجوية.
وأضافت الوزارة، أنها تدرس إنشاء مراكز إيواء جديدة باستخدام الفايبر المقوى مع معالجته هندسيا للوقاية من الحرارة، إلى جانب حصر احتياجات مراكز الإيواء في المواصي وشمال غزة واستبدال التالف منها، داعية إلى تحرك دولي وعربي عاجل لرفع القيود عن المعابر وإدخال المواد الإيوائية والهندسية بصورة منتظمة.
النزوح في غزة
ورغم قسوة الخيام، لا تزال تتمسك نيفين، بفكرة أن هذه المرحلة لن تكون نهاية حياتها، تنظر إلى خلايا النحل التي نجت معها، وتحاول أن ترى فيها شيئا من المستقبل، فبينما فقدت بيتها، تريد أن تبني مشروعا، اضطرتها الحرب إلى النزوح، لكنها تريد أن تستعيد إحساس الاستقرار من خلال العمل، وأثقل العدوان أسرتها بالإصابات والخسائر، إلا أنها تحاول أن تكون هي السند الذي يبقي العائلة واقفة.
في الخيمة، لا تملك نيفين كثيرا من الأشياء، لكنها ما زالت تملك ما هو أصعب على الحرب أن تنتزعه، قدرتها على المحاولة، كل يوم جديد بالنسبة إليها ليس مجرد يوم آخر في النزوح، بل خطوة أخرى في طريق طويل تحاول فيه أن تعيد بناء بيتها وحياة أسرتها ومشروعها، خليةً بعد خلية.
أزمة الذهاب إلى المشروع يوميا داخل القطاع
أزمة أخرى تواجه نيفين وهو صعوبة الانتقال من خيمتها لمشروعها بشكل مستمر بسبب قلة الواصلات داخل القطاع، وهو ما تطرق له تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الذي حذر خلال تقرير له في 9 أغسطس، من أن إسرائيل تواصل فرض حصارها غير القانوني على غزة، وتتعمد من خلاله شل منظومة النقل والشحن، بتدمير الشاحنات ومخازن شركات النقل، واستهداف السائقين واعتقالهم، ومنع إدخال الشاحنات البديلة وقطع الغيار والمواد التشغيلية اللازمة، بما يخنق وصول الغذاء والدواء والمساعدات من المعابر إلى السكان ويهدد بإعادة غزة إلى المجاعة.
واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب
وأوضح التقرير، أن إسرائيل تنفذ سياسة متكاملة لتفكيك سلسلة الإمداد من لحظة دخول السلع والمساعدات عبر المعابر حتى وصولها إلى السكان، حيث لا يعني عبور الشاحنات إلى داخل القطاع، حين يسمح لها بذلك ، وصول حمولاتها إلى مستحقيها في ظل تدمير منظومة النقل والتخزين والتوزيع أو تعطيلها.
وأوضح رئيس جمعية النقل الخاص في غزة، "ناهض شحيبر"، أن القطاع كان يمتلك قبل بدء الإبادة الجماعية الإسرائيلية أسطولا يضم نحو 1200 شاحنة تغطي احتياجات السكان من الأغذية والأدوية والوقود والأعلاف ومواد البناء وغيرها من السلع الأساسية، إلا أنه لم ينج من القصف والتدمير الإسرائيلي سوى نحو 400 شاحنة، تعطلت من بينها نحو 100 شاحنة بسبب منع إدخال قطع الغيار والإطارات والزيوت والبطاريات، ما يعني أن عدد الشاحنات القابلة للعمل لا يتجاوز حاليا نحو 300 شاحنة، أي 25% فقط من حجم الأسطول السابق.
وأشار المرصد، إلى أن المنع الإسرائيلي التعسفي والكامل لإدخال المواد اللازمة للصيانة وضع ما تبقى من الأسطول أمام خطر التوقف، واضطر العاملون إلى تفكيك الشاحنات المعطلة واستخدام أجزائها لإبقاء شاحنات أخرى قيد التشغيل، فيما ارتفعت تكلفة تبديل الزيت للشاحنة الواحدة من نحو 450 شيكل، أي ما يقارب 150 دولارا، قبل الحرب إلى نحو 100,000 شيكل، أي ما يقارب 33,000 دولار، حاليا، وسط ندرة شديدة في المواد التشغيلية، إذ وصل سعر الكيلوجرام الواحد من الزيت، نحو 1,100 دولار.
وقال إن هذا المنع يعطل الوسيلة الأساسية لنقل الغذاء والدواء والوقود لكافة السكان في القطاع الذي دمرت إسرائيل معظم بنيته التحتية وسبل إنتاجه المحلي، وأصبح سكانه يعتمدون بصورة شبه كاملة على المساعدات والإمدادات الواردة من الخارج، مؤكدا أن تدمير مقار ومستودعات شركات النقل، البالغ عددها نحو 150 شركة، إلى جانب انعدام المخازن الآمنة ومستودعات التبريد، تسبب في تفكيك البنية اللوجستية اللازمة لحفظ المواد وتوزيعها، كما يؤدي تأخير نقل الشحنة الواحدة مدة تتراوح بين 24 و72 ساعة، وبطء التفتيش، وتعطل الشاحنات، إلى تلف كميات من الأغذية المجمدة والأدوية والمواد الأساسية وإتلافها قبل وصولها إلى مستحقيها.
رحلة شاقة
كل صباح، تذهب نيفين إلى خلاياها وهي تعرف أن ما تقوم به ليس سهلا، تحتاج الخلايا إلى الرعاية والاهتمام والبيئة المناسبة، ويحتاج المشروع إلى إمكانات ودعم حتى يستطيع النمو، وبين إصابة زوجها وابنها ومسؤوليات الأسرة، تحاول أن تجد لنفسها وقتا للعمل، لأن العمل بالنسبة إليها لم يعد مجرد مصدر دخل، بل أصبح وسيلة للبقاء.
نيفين الأشقر تتابع مشروعها
تريد أن تكبر خلاياها من جديد، وأن ترى مشروعها يتسع، ويصبح قادرا على توفير دخل لعائلتها، وتمنح أبناءها شيئا من الاستقرار الذي فقدوه، وربما أكثر ما يميز حكايتها أنها لا تتحدث عن العودة إلى الماضي بقدر ما تتحدث عن بناء المستقبل، فهي تعرف أن استعادة الـ300 خلية التي كانت تملكها لن تكون سهلة، كذلك تعرف أن البيت الذي دمره الاحتلال لا يمكن إعادة بنائه بمجرد الرغبة. وتعرف أن ما فقدته الأسرة خلال الحرب لا يمكن تعويضه بسهولة، لكنها لا تريد أن تبقى أسيرة لما فقدته، كما تريد أن تبدأ بما بقي.
نيفين الأشقر
وحدات سكنية دمرها الاحتلال
وبحسب إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بغزة في 2 يوليو الماضي، فهناك 227703 منزل متضرر، بإجمالى 510 وحدة سكنية، وهناك 335 مبنى ووحدة دمرتها إسرائيل بشكل كلي، مقابل 75 ألف وحدة تضررت بشكل جزئي إلا أنها غير صالحة للسكن، و100 ألف وحدة سكنية مدمرة بشكل جزئي وصالحة للسكن.
جرائم الاحتلال داخل غزة
أربع خلايا، هذا كل ما تملكه اليوم من مشروعها، لكنه بالنسبة إليها كاف لتقول إنها ما زالت قادرة على الاستمرار، ففي قصة نيفين، تبدو الخلايا الأربع أكثر من مجرد أرقام، إنها صورة لامرأة فلسطينية تحاول أن تعيد ترتيب حياتها من بين الركام، لا تنتظر أن يأتي أحد ليعيد لها ما فقدته، وإنما تطلب مساعدة تمكنها من أن تكمل الطريق بنفسها.
تقول إن الدعم الذي تحتاج إليه ليس صدقة، وإنما دعم مادي وتبن لمشروعها، يمنحها القدرة على توسيع المنحل وإعادة بناء مصدر رزقها، فهي تريد أن تعمل، وتكسب قوت أسرتها من تعب يديها، وتعيل زوجها وابنها المصابين، وتحمي أبناءها من الحاجة قدر الإمكان.
وتريد، قبل كل شيء، أن تثبت لنفسها ولأطفالها أن خسارة كل شيء لا تعني بالضرورة خسارة القدرة على البدء من جديد، فمن مخيم جباليا الذي شهد على بيتها قبل أن يدمر، تحمل نيفين معها رسالة امرأة لا تريد أن تختصر قصتها في صورة ضحية، فهي أم وزوجة ومعيلة وصاحبة مشروع، وامرأة غزاوية تحاول أن تصنع من خلية واحدة بداية جديدة.
عدد الشهداء والمصابين خلال الحرب الإسرائيلية على غزة
وربما يكون أجمل ما في قصتها أن الحرب استطاعت أن تدمر 299 خلية من خلاياها، وتهدم بيتها، وتصيب زوجها وابنها، وتقلب حياتها رأسا على عقب، لكنها لم تستطع أن تدمر الخلية الأهم خلية الأمل داخلها، فمن خلية واحدة نجت، صنعت نيفين أربعا، ومن بين كل ما خسرته، اختارت أن تتمسك بحلمها، واليوم، لا تقف أمام العالم لتطلب الشفقة، بل لتقول ببساطة "أعطوني فرصة واحدة فقط لأكمل الطريق"، فرصة تكبر فيها خلاياها، ويكبر معها مشروعها، ويعود العسل إلى حياتها، ويصبح ما بدأته بخلية واحدة مصدر رزق لعائلتها من جديد.
قصة امرأة خسرت الكثير، لكنها قررت ألا تخسر نفسها، امرأة تحاول أن تعيد بناء حياتها خلية بعد خلية، خطوة بعد خطوة، وحلما بعد حلم، ففي غزة، حيث تبدو إعادة بناء كل شيء مهمة شاقة، اختارت نيفين أن تبدأ من أصغر ما تبقى لها، من خلية نحل واحدة.