في مشهد يعكس حجم المفارقة التي يعيشها تنظيم الإخوان الإرهابي في الخارج، تحولت مغادرة الوطن إلى منصة جديدة لممارسة السياسة، وأصبح الهروب من الداخل بوابة للظهور عبر الشاشات والمنصات الرقمية، وكأن البعد عن الشارع يمنح صاحبه حق الحديث باسمه، وكأن الإقامة في عواصم بعيدة يمكن أن تصنع من الهارب صاحب قرار أو تمنحه صفة السياسي الذي يملك وصفات جاهزة لمستقبل دولة بحجم مصر.
المعادلة التي تفرض نفسها أمام هذا الخطاب تبدو شديدة الوضوح، شخص غادر المشهد الداخلي، ثم أعاد تقديم نفسه من الخارج باعتباره صاحب رؤية سياسية، يستند إلى شاشة ومنصة ومتابعين، ويخوض معارك سياسية من غرف بعيدة عن الواقع الذي يتحدث عنه.
السياسة من خلف الشاشة.. حين يصبح البعد عن الوطن ميزة في قاموس الإخوان
لم يعد النشاط الإخواني في الخارج مقتصرا على القنوات الفضائية التقليدية، وإنما امتد بصورة أكبر إلى المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تمنح الخطاب سرعة في الانتشار وقدرة على إعادة تدوير الرسائل والوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور. وقد انتقل نشاط الجماعة الإرهابية إلى الفضاء الرقمي، مع استمرار استخدام المنصات الخارجية للحفاظ على حضور سياسي وإعلامي.
وهنا تظهر واحدة من أبرز مفارقات المشهد، هاربون يعيشون خارج مصر، لكنهم يتعاملون مع الشأن المصري وكأن المسافة الجغرافية لا تعني شيئا، فيصدرون الأحكام، ويرسمون السيناريوهات، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب مشروع سياسي، بينما كل أدواتهم تبدأ وتنتهي عند شاشة وكاميرا وحساب إلكتروني.
السياسة في مفهومها الحقيقي ليست مجرد حديث أمام الكاميرا، ولا سباقا على ساعات البث، ولا مجموعة منشورات يعاد تدويرها عبر الحسابات والمنصات. السياسة مسؤولية وممارسة واحتكاك مباشر بالمجتمع وقدرة على تحمل نتائج المواقف، بينما يتحول الخطاب من الخارج إلى مساحة آمنة لإطلاق الاتهامات دون تحمل تبعاتها.
من العمل السياسي إلى سياسة الريموت كنترول
المشهد الإخواني في الخارج يقدم نسخة مختلفة من النشاط السياسي، يمكن وصفها بأنها "سياسة الريموت كنترول"، حيث يجلس صاحب الخطاب في الخارج، بينما يريد التأثير في الداخل عبر شاشة أو منصة رقمية، فقط كل ما عليه أن يخرج ليعلن عن "هبدة" جديدة وأى كلام في الهواء ليرتدي ثوب السياسي.
ومع تراجع قدرة الجماعة الإرهابية على الحشد المباشر، أصبحت المنصات الإعلامية والفضاء الرقمي أحد البدائل للحفاظ على الحضور والتأثير، وهكذا تحولت الشاشة من وسيلة لنقل الرسالة إلى بديل وهمي عن الشارع، وأصبح الميكروفون بديلا عن العمل السياسي الحقيقي، وأصبح عدد المشاهدات في بعض الأحيان وكأنه معيار للوزن السياسي وعدد "اللايكات" و"الشير" من اللجان الإلكترونية التابعة لهم تخيل للبعض أن كلامهم له أهمية وهو في حقيقة الأمر "هبدة من أجل أكل العيش".
معارضة بلا شارع.. وخطاب يبحث عن جمهور
المفارقة الأكبر أن بعض هذه المنصات تحاول تقديم نشاطها باعتباره ممارسة سياسية أو معارضة، في الوقت الذي تعتمد فيه بصورة أساسية على المحتوى الإعلامي والرقمي القادم من خارج البلاد.
صراعات الخارج تكشف هشاشة المشروع
والمفارقة أن الجماعة الإرهابية التي تقدم نفسها في بعض منصاتها باعتبارها صاحبة مشروع سياسي متماسك، تكشف منصاتها نفسها عن صراعات وانقسامات داخلية وانتقال الخلافات بين قيادات وعناصر الإخوان في الخارج من الغرف المغلقة إلى المنصات الإعلامية، مع ظهور اتهامات متبادلة وانقسامات بين جبهات مختلفة، وهو ما يعكس جانبا من أزمة التنظيم الإرهابي خارج مصر.
فكيف يمكن لمنظومة تعاني من صراعات على القيادة والتمثيل والقرار أن تقدم نفسها في الوقت نفسه باعتبارها صاحبة مشروع لإدارة دولة؟ وهنا تتهاوى الصورة التي تحاول المنصات الإخوانية تسويقها، لأن الحديث عن السياسة لا ينفصل عن القدرة على إدارة الخلاف، وتحمل المسؤولية، واحترام المؤسسات، وتقديم رؤية قابلة للنقاش، وليس مجرد إطلاق الاتهامات من خلف الشاشة.
الخيانة لا تصبح سياسة بمجرد تغيير الاسم
الأخطر في المشهد أن محاولة إعادة تسمية النشاط لا تغير طبيعته بالضرورة، فالهارب الذي يظهر عبر منصة إعلامية ليس بالضرورة سياسيا لمجرد أنه يتحدث في الشأن العام، والناشط الذي يطلق حملة رقمية لا يصبح ممثلا للمجتمع بمجرد ارتفاع عدد المشاركات، والمنصة التي تقدم خطابا سياسيا لا تمنح تلقائيا شرعية لمن يظهر عبرها.
السياسة ليست بثا مباشرا، والوطن ليس شاشة يمكن تشغيلها من الخارج، والشعب ليس جمهورا افتراضيا يمكن مخاطبته من استوديو بعيد، ومن خان وطنه وارتمى في أحضان أصحاب الأجندات المعادية لمحاربة الدولة من الخارج مقابل حياة مرفهة لا يحق له الحديث عن الدولة ولا إدارتها ولا يتحدث بلسان شعب أصيل يقف أمام المخططات وأطاح بالجماعة الإرهابية من الحكم بعد عام واحد بلا عودة، شعب يعلم قيمة الوطن وليس جماعة إرهابية لا تعلم معنى الوطن وكل ما تعلمه خدمة أسيادها ومموليها من أجل مزيد من الأموال، شعب يلتف حول القيادة والمؤسسات الوطنية وهو على يقين أن لولا حكمة الإدارة الحالية وقوتها ما كانت الدولة المصرية هي الوحيدة المستقرة حتى وقتنا هذا في ظل الأحداث الإقليمية والحدود المشتعلة من كافة الاتجاهات، شعب قرر أن يعيش في نعيم الأمان على أرض وطنه يبنيها ويطورها ويحميها من أي شخص أو جماعة تحاول العبث باستقرارها، فكيف يفكر هؤلاء بأن يبحثوا عن مدخل للعودة إلى المشهد والشعب أطاح بهم ولم يستطع تقبلهم وفضح أمرهم خلال 365 يوم فقط؟، فكان الخروج من المشهد بأمر الشعب أما العودة فتظل في أوهام الحسابات والصفحات الإلكترونية في حياتهم الافتراضية التي لا تمت للواقع بصلة.