لم تكن الضربات الأمريكية التي استهدفت البنية التحتية والقدرات البحرية التابعة للحرس الثوري تهدف إلى تحقيق حسم عسكري خاطف، بقدر ما جاءت كاستراتيجية مدروسة لإدارة الصراع عبر الإنهاك التدريجي والاستنزاف المتدرج، حيث تسعى واشنطن من خلال هذه الضربات إلى تقويض قدرة طهران على فرض سيطرتها بالنيران على مضيق هرمز الذي يمثل مركز الثقل الجيوسياسي الفعلي في هذه المواجهة، وفي المقابل، ترفض إيران الانصياع لقواعد الاشتباك التقليدية؛ وتعمد إلى توسيع رقعة التهديد لفتح مسارح عمليات متعددة، ملوحة باستهداف القطع البحرية الأمريكية تأكيداً منها على أن أي تصعيد مباشر ستتحمله المنطقة بأسرها.
وهذا ما تؤكده التطورات الأخيرة في ظل حرب التصريحات بين ترامب وإيران، والتي شهدت الساعات الأخيرة تحولاً لافتاً يعزز سيناريو الاستنزاف المتبادل عقب إعلان الرئيس اترامب رفضه لمبادرة الأيام السبعة التي طرحتها طهران لإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق.
وبالتالى، فإن كل المعطيات تؤكد أن هناك تصلبا إيرانيا، يقابله مراوغة أمريكية، لذلك فإن التأرجح بين التصعيد الاقتصادي ومقصلة الانتخابات النصفية يتحرك هذا المشهد المعقد في مسار متعرج يتراوح بين جولات عسكرية متقطعة وتهدئة مؤقتة تتخللها قنوات تفاوضية عبر الوسطاء .
لكن، لا يعكس هذا التأرجح اقتراباً من التسوية، بل يعبر عن رغبة كل طرف في إقناع خصمه بأن كلفة الاستمرار في الخيار العسكري تتجاوز بكثير أي عائد سياسي مرتقب.
لذلك، فإن قرار الإدارة الأمريكية بعدم الانخراط في حرب إقليمية شاملة والاكتفاء بضربات موجهة لا يمكن اعتباره تراجعاً، بل هو استجابة حذرة لـ المحددات الاقتصادية والسياسية للداخل الأمريكي؛ فالوصول إلى تسوية سياسية تقدم فيها واشنطن تنازلات جوهرية لطهران في الوقت الحالي سيمثل هزيمة سياسية قاسية لترامب..
وفي ظل التهديد المستمر لسلاسل توريد الطاقة وارتفاع أسعار الوقود الذي يغذي التضخم العالمي، فإن أي تراجع استراتيجي إلى جانب التداعيات الاقتصادية الحتمي سيترجم فوراً إلى خسائر سياسية فادحة للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وبناءً على ذلك كله، تظل الاستراتيجية الأمريكية متمسكة بالاستنزاف المحسوب وبانتظار تبلور شروط تفاوضية تفرض إذعاناً إيرانياً كاملاً دون دفع كلفة الحرب الشاملة.