التحقيقات تضع اسمه فى قلب محاولات إعادة بناء الهيكل التنظيمى واستقطاب عناصر جديدة
لم تكن قصة يحيى حامد مجرد صعود سريع لشاب إخوانى من العمل داخل الجماعة إلى مقعد وزير الاستثمار فى حكومة محمد مرسى، ثم اختفاء من المشهد بعد سقوط حكم الإخوان.. فالرجل الذى بدأ حياته مندوب مبيعات بإحدى شركات الاتصالات، وجد طريقه سريعًا إلى الدائرة الأكثر قربًا من قيادات الجماعة، حتى أصبح أحد رجال خيرت الشاطر، ثم عضوًا بلجنة الشؤون الخارجية، ومتحدثًا باسم حملة مرسى الرئاسية، ومستشارًا فى مؤسسة الرئاسة، وصولًا إلى وزارة الاستثمار.
لكن سقوط حكم الجماعة لم ينهِ القصة، وإنما نقلها إلى فصل آخر.. فصل تتحرك فيه الأسماء الإخوانية من الخارج، وتتحول أدوات التأثير من مؤسسات الدولة إلى الخلايا التنظيمية والمنصات الإعلامية والشبكات التى تعمل خارج الحدود.
وهنا يظهر يحيى حامد مجددًا، ليس باعتباره وزيرًا سابقًا فقط، وإنما كاسم تكرر فى ملفات قضائية وتحقيقات مرتبطة بنشاط جماعة الإخوان بعد خروجها من السلطة.
من رجل الشاطر إلى كرسى الوزارة
الصعود السريع لحامد داخل دوائر الإخوان لم يكن عابرًا؛ فقبل أن يصبح وزيرًا، كان جزءًا من الدائرة السياسية المحيطة بالجماعة، وارتبط اسمه بخيرت الشاطر، أحد أبرز قيادات التنظيم، كما شارك فى لجنة الشؤون الخارجية، قبل أن يتولى مهمة المتحدث الرسمى لحملة محمد مرسى فى الانتخابات الرئاسية.
ومع وصول مرسى إلى الحكم، انتقل حامد إلى مؤسسة الرئاسة مستشارًا، ثم أصبح وزيرًا للاستثمار فى مايو 2013.
وهكذا انتقل الرجل فى فترة زمنية قصيرة من العمل التنظيمى والسياسى إلى موقع تنفيذى داخل الدولة، ليصبح واحدًا من الوجوه التى حملت مشروع الجماعة إلى داخل مؤسسات الحكم.
لكن هذا الصعود كان قصير العمر، فبعد 30 يونيو تغير المشهد بالكامل، وغادر حامد مصر، لينتقل من العمل داخل مؤسسات الدولة إلى النشاط من الخارج.
سقوط الحكم.. وسقوط القناع التنفيذى
هنا تبدأ المرحلة الأهم فى مسيرة حامد، فالرجل الذى كان يجلس على مقعد وزير الاستثمار لم يعد مسؤولًا عن إدارة ملف حكومى، وإنما تحول إلى صوت سياسى وإعلامى من الخارج، وظهر على منصات إعلامية تتبنى خطابًا معاديًا للدولة المصرية، لكن الأخطر من الظهور الإعلامى كان ما ورد فى التحقيقات المتعلقة بنشاط التنظيم نفسه.
ففى قضية «خلية الهيكل التنظيمى الجديد لجماعة الإخوان»، كشفت التحقيقات التى أجرتها نيابة شرق القاهرة عن أقوال متهمين تضمنت تلقيهم تعليمات مباشرة من يحيى حامد الموجود خارج البلاد، بهدف تكوين خلية جديدة تعمل على نشر أفكار الجماعة واستقطاب أعضاء جدد وإحياء نشاطها التنظيمى داخل القاهرة والمحافظات.
وهنا تتغير طبيعة الحكاية بالكامل؛ لأن الأمر، وفق ما ورد فى التحقيقات، لم يعد مجرد معارضة سياسية من الخارج، وإنما اتهامات تتعلق بمحاولة إعادة بناء هيكل تنظيمى لجماعة فقدت وجودها فى مؤسسات الدولة.
الخلية الإلكترونية.. السلاح الذى سبق المنصات
اللافت فى ملف حامد أن نشاطه لم يرتبط فقط بالهياكل التنظيمية التقليدية، وإنما ورد اسمه أيضًا فى سياق الحديث عن النشاط الإلكترونى للجماعة.
وتشير التحقيقات المنشورة إلى اتهامه بتأسيس خلية إلكترونية إخوانية استخدمت فى ترويج الشائعات ومهاجمة الدولة المصرية، بما يعكس مبكرًا إدراك التنظيم لأهمية الانتقال من التنظيم التقليدى إلى ساحات الإنترنت.
وهنا يمكن فهم جانب من المشهد الذى تطور لاحقًا: قنوات ومنصات وحسابات وصفحات ولجان إلكترونية تعمل على إعادة إنتاج الخطاب نفسه، لكن بأدوات أكثر انتشارًا وقدرة على الوصول إلى الجمهور.
لم يعد التنظيم بحاجة إلى مقر ظاهر أو اجتماع معلن؛ يكفى جهاز إعلامى، وشبكة حسابات، وممولون، وواجهات تتحرك فى الخارج.
التمويل.. عندما يصبح الخارج غرفة عمليات
فى فبراير 2017، أمرت نيابة شرق القاهرة باستدعاء يحيى حامد لسماع أقواله فى قضية تمويل جماعة الإخوان، وهى القضية التى كانت تضم عددًا كبيرًا من المتهمين المدرجين آنذاك على قوائم الإرهاب.
ولم يكن هذا الملف منفصلًا عن بقية مسار الرجل؛ ففى القضايا المرتبطة بالنشاط التنظيمى بعد 2013، تكررت فكرة الإدارة من الخارج، سواء عبر التمويل أو الاستقطاب أو التواصل مع عناصر داخل البلاد.
ومع انتقال قيادات الجماعة إلى الخارج، أصبح التمويل أحد أهم مفاتيح استمرار الشبكة؛ فالأموال تعنى منصات، والمنصات تعنى محتوى، والمحتوى يعنى قدرة على التأثير، والتأثير يتحول بدوره إلى وسيلة لاستقطاب عناصر جديدة.
وهكذا تتحول المعركة من تنظيم يعيش داخل الحدود إلى شبكة تستطيع التحرك عبر أكثر من دولة ومنصة.
يحيى حامد.. من الوزارة إلى «تدوير الرواية»
المفارقة الأبرز فى قصة يحيى حامد أن الرجل الذى تولى وزارة الاستثمار فى حكومة الإخوان أصبح بعد خروجه من مصر واحدًا من الأصوات التى تقدم رواية سياسية عن الدولة المصرية من الخارج.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف سياسى؛ فالرجل لم يكن مراقبًا بعيدًا عن تجربة الحكم، بل كان جزءًا منها، وشغل موقعًا تنفيذيًا رفيعًا فى آخر شهور حكم الجماعة.
ولهذا فإن ظهوره اللاحق لتقديم رواية عن مصر لا يمكن فصله عن موقعه السابق داخل الجماعة، ولا عن الملفات التى ورد فيها اسمه بعد خروجه من البلاد.
لقد انتقل من المشاركة فى صناعة القرار إلى محاولة التأثير فى صورة القرار والدولة من الخارج؛ ومن التعامل مع المستثمرين باعتباره وزيرًا إلى مخاطبة جمهور دولى باعتباره معارضًا إخوانيًا سابقًا داخل الحكومة.
مقال فى الخارج.. والاقتصاد يتحول إلى ساحة مواجهة
لم يكتف حامد بالظهور الإعلامى، وإنما استخدم الكتابة فى المنصات الأجنبية لطرح رؤيته بشأن مصر.
وفى 2019، نشر مقالًا فى مجلة «Foreign Policy» هاجم فيه المسار الاقتصادى المصرى، وهو ما أعاد فتح الجدل حول توظيف القيادات الإخوانية الموجودة بالخارج للمنابر الدولية فى تقديم رواية سلبية عن الدولة المصرية.
وهنا تبرز إحدى أدوات الجماعة بعد فقدان السلطة: تدويل الخلاف الداخلى، وتحويل الملفات المصرية إلى مادة للنقاش أمام دوائر سياسية وإعلامية غربية، بدلًا من بقائها مجرد خلاف سياسى داخل المجتمع المصرى.
ولذلك لم يعد الإعلام بالنسبة إلى هذه الشبكات مجرد وسيلة لنشر البيانات، وإنما أصبح جزءًا من معركة أوسع على الصورة والرواية والتأثير.
الوجه الآخر ليحيى حامد
الرجل الذى دخل الدولة من بوابة الجماعة، وصعد سريعًا إلى وزارة الاستثمار، لم يخرج من المشهد مع خروجه من الوزارة؛ بل استمر اسمه فى الظهور داخل ملفات مرتبطة بنشاط الإخوان بعد 30 يونيو.
والأهم أن التحقيقات التى تناولت قضية «الهيكل التنظيمى الجديد» وضعت اسمه أمام اتهامات تتعلق بإعادة بناء التنظيم واستقطاب عناصر جديدة، بينما أعاد ملف التمويل فتح سؤال أكبر حول شبكات الجماعة التى تعمل من الخارج.
وهكذا فإن يحيى حامد يقدم نموذجًا واضحًا لتحول أدوات جماعة الإخوان بعد فقدان الحكم: لم تعد المعركة مقصورة على الميدان أو الانتخابات أو مؤسسات الدولة، وإنما انتقلت إلى الخارج، حيث الإعلام والمنصات الإلكترونية والتمويل والشبكات التنظيمية.
وبينما تغيرت مواقع الرجال، بقي الهدف واحدًا فى كثير من الملفات التى تكشفها التحقيقات: الحفاظ على التنظيم، إعادة تحريك شبكاته، واستعادة القدرة على التأثير بعد أن فقدت الجماعة موقعها داخل الدولة.
وتظل قضية حامد تحديدًا واحدة من الملفات التى تكشف أن الخروج من الحكم لم يكن بالضرورة نهاية النشاط التنظيمى، وإنما بداية لمرحلة جديدة من العمل عبر الحدود، بأدوات أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا.