جمال عبد الناصر يكتب: راحت السكرة وجت الفكرة

الجمعة، 25 سبتمبر 2026 09:00 ص
جمال عبد الناصر يكتب: راحت السكرة وجت الفكرة الناقد الفني جمال عبد الناصر وسلسلة كنوز المسرح المصري

كتب : جمال عبد الناصر

المسرح المصري ليس مجرد أرشيف للعروض الشهيرة، ولا ستارة تُسدَل على أسماء صنّاعه الذين خلدتهم الذاكرة؛ بل هو نهر متدفق من الحكايا، ومتنسم تاريخي مزدحم بكنوزٍ ما زالت غارقةً في عتمة الكواليس، تنتظر يداً حانية تزيح عنها غبار الزمن، فخلف كل قامة شاهقة أضاءت المسرح، عشرات الأرواح المجهولة التي نسجت معها خيوط الضوء، ووراء كل خشبة عمرت بالصفق، مسارح غائبة تركت أثرها الذائب في روح العصر، إنّه ذلك الكائن الحيُّ الذي كان ينبض مع الشارعِ حزناً وفرحاً، يسخر من المفارقة، ويصوغ من عرق البسطاء ونغمِ الموسيقى فرجة خالدة، حوّلت تفاصيل الحياة اليومية إلى طقس من الفن والجمال.

ومن هنا تأتي أهمية البحث في كنوز المسرح المصري؛ فالمهمة ليست مجرد استدعاء عنوان قديم أو اسم فنان من صفحات الصحف الصفراء، وإنما محاولة لإعادة اكتشاف طبقات من الذاكرة الفنية، وإزالة التراب عن تجارب ربما لم تحصل على نصيبها من الدراسة والتوثيق، حتى تعرفها الأجيال الحالية، ويكتشفها محبو المسرح والفن، ويعرفوا أن ما نراه اليوم لم يبدأ من فراغ، وإنما سبقه تاريخ طويل من التجريب والمغامرة والضحك والغناء والاستعراض.
وفي هذا السياق تأتي مسرحية راحت السكرة وجت الفكرة، واحدة من تلك الأعمال التي تستحق أن نتوقف أمامها، لا باعتبارها مجرد عنوان طريف، وإنما بوصفها وثيقة فنية تنتمي إلى مرحلة مبكرة من تاريخ المسرح الكوميدي الغنائي والاستعراضي في مصر.
 

من كنوز المسرح المصري.. حين يصحو المسرح من غفوته

في منتصف شهر فبراير عام 1917، كان جمهور كازينو دي باري على موعد مع عرض كوميدي غنائي استعراضي من فصل واحد حمل عنوانًا لافتًا هو "راحت السكرة وجت الفكرة"، قدمتها فرقة مصطفى أمين، التي عُرفت أيضا باسم فرقة الأوبريت الشرقي، وأخرجها الفنان علي الكسار، الذي قام كذلك ببطولتها، بمشاركة مصطفى أمين، وجلبي فودة، ولينا إيديال، إلى جانب مجموعة من الممثلين والممثلات الأجانب.

وكان علي الكسار في تلك الفترة قد رسخ حضوره من خلال شخصيته الشهيرة عثمان عبد الباسط أو البربري المصري، تلك الشخصية التي استطاع من خلالها أن يصنع عالما كوميديًا خاصًا، قائما على المفارقة، وسوء الفهم، والتناقض بين ما يظنه البطل عن نفسه وما تضعه الحياة أمامه من مواقف، ومن هنا تبدو عبارة (راحت السكرة وجت الفكرة) أكثر من مجرد عنوان ساخر؛ فهي مثل شعبي يحمل داخله فكرة درامية شديدة الثراء: إنسان يعيش لحظة من الغفلة أو الطيش، ثم تأتي لحظة الإفاقة، فيجد نفسه أمام نتائج ما فعله.

والسكرة هنا ليست بالضرورة سكرة الخمر وحدها؛ فقد تكون سكرة المال، أو السلطة، أو العشق، أو الغرور، أو الاستهتار بالمسئولية، أما «الفكرة» فهي لحظة استعادة الوعي، حين يعود الإنسان إلى أرض الواقع، ويرى الأشياء كما هي، لا كما كان يتخيلها، وهذه الفكرة، ببساطتها الشعبية، تحمل في داخلها بذرة كوميديا الموقف؛ فالضحك يولد من المسافة بين لحظة الغفلة ولحظة اكتشاف الحقيقة.

قدم علي الكسار هذه الفكرة من خلال شخصية عثمان عبد الباسط، مستثمرًا ما تتيحه الشخصية من مفارقات ومواقف كوميدية، فالكسار لم يكن يعتمد فقط على الحوار المكتوب، وإنما كان الارتجال الكوميدي أحد العناصر المهمة في أدائه، وهو ما منح عروضه مساحة من الحيوية والتفاعل المباشر مع الجمهور، وفي «راحت السكرة وجت الفكرة» كان هذا المناخ الكوميدي يتكامل مع الأزجال التلحينية التي كان يرددها الكسار وفرقته على خشبة كازينو دي باري، فيتداخل الحوار مع الغناء، وتتحول الخشبة إلى مساحة يتشارك فيها الفنان والجمهور صناعة اللحظة المسرحية.

وهنا تكمن قيمة هذه التجربة؛ فالمسرح في تلك المرحلة لم يكن بالضرورة عرضًا مغلقًا بين أربعة جدران، وإنما كان احتفالًا حيًا، تتغير فيه درجة التفاعل من ليلة إلى أخرى، ويصبح الجمهور جزءًا من إيقاع العرض، ولذلك فإن الحديث عن مسرحية مثل «راحت السكرة وجت الفكرة» لا ينبغي أن ينحصر في موضوعها فقط، وإنما يمتد إلى طبيعة الفرجة المسرحية نفسها في تلك السنوات: كوميديا، وأزجال، واستعراض، وارتجال، وتفاعل جماهيري، وشخصيات أصبحت فيما بعد علامات في تاريخ المسرح المصري.

المثير في عنوان المسرحية أن المثل الشعبي نفسه يصلح مفتاحًا لقراءة التجربة، فالمسرح المصري في بدايات القرن العشرين كان يعيش حالة بحث عن أشكال جديدة للتواصل مع الجمهور، وكانت الكوميديا واحدة من أكثر الوسائل قدرة على الوصول إلى الناس، خصوصًا حين تمتزج بالغناء والزجل والاستعراض، ومن خلال «عثمان عبد الباسط» استطاع الكسار أن يجعل الشخصية الكوميدية في مواجهة دائمة مع الواقع، يخطئ، ويتورط، ويعيش اللحظة، ثم تأتي لحظة المواجهة.. إنها معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها مسرحية بامتياز: سُكرة.. ثم غفلة.. ثم مأزق.. ثم فكرة، وما بين هذه المراحل تتولد الكوميديا.

ولعل هذا ما يجعل العنوان نفسه صالحًا لأن يعيش خارج زمنه؛ فكم من إنسان لا تأتيه «الفكرة» إلا بعد أن تنتهي «السكرة»؟ وكم من موقف لا نفهمه إلا بعد أن ندفع ثمنه؟ هنا يتحول المثل الشعبي إلى مادة درامية، ويتحول الموقف اليومي إلى فرجة، ويتحول الضحك إلى وسيلة للتأمل في سلوك الإنسان.

 

لينا إيديال.. اسم آخر يستحق أن نستعيده

جمال عبد الناصر يكتب  راحت السكرة وجت الفكرة
جمال عبد الناصر يكتب راحت السكرة وجت الفكرة

وعندما نتوقف أمام أسماء المشاركين في هذا العمل، يلفت الانتباه اسم لينا إيديال (Lina Ideal)، وهي واحدة من الأسماء التي ارتبطت ببدايات جوق الأوبريت الشرقي " فرقة الأوبريت الشرقي"عام 1917، وشاركت علي الكسار ومصطفى أمين في عدد من الأعمال خلال تلك المرحلة، وهنا تحديدًا تصبح مهمة التوثيق أكثر إلحاحًا؛ لأن تاريخ المسرح لا تصنعه أسماء النجوم وحدهم، وإنما تصنعه أيضًا أسماء كثيرة ربما تراجعت في الذاكرة، رغم أنها كانت حاضرة بقوة فوق الخشبة.

ومن أبرز الأعمال التي شاركت فيها لينا إيديال مع علي الكسار استعراض المناظر، وهو عمل فني استعراضي ضخم من فصلين عُرض عام 1917، وقدم فيه علي الكسار مقطوعاته المضحكة، وشاركت لينا إيديال في التمثيل، كما شاركت في " البربري في مونت كارلو"  عام 1917، وهي من أوائل المسرحيات التي ألفها بيرم التونسي للفرقة، وقام ببطولتها علي الكسار إلى جانب لينا إيديال ومصطفى أمين وجلبي فودة.

وهكذا لا يصبح اسم لينا إيديال مجرد اسم عابر في قائمة طاقم عمل قديم، وإنما يصبح جزءًا من صورة أكبر لمرحلة كان المسرح المصري فيها يبني تقاليده ويختبر أشكاله ويصنع نجومه.

ربما يكون أجمل ما في البحث في تاريخ المسرح المصري أننا كلما ظننا أننا وصلنا إلى نهايته، اكتشفنا أن هناك بابًا آخر لم يُفتح بعد، مسرحية هنا، اسم هناك، فرقة اختفت، مسرح تغير اسمه، ممثل لم تعد صوره متداولة، أو أوبريت لم يبق منه سوى عنوان في إعلان قديم، ولكن هذه الشذرات الصغيرة، حين نجمعها، تصنع في النهاية صورة كبيرة لمسرح كان حيًا، مشاغبًا، جريئًا، قريبًا من الناس، وممتلئًا بالحكايات.

و«راحت السكرة وجت الفكرة» واحدة من هذه الحكايات، وعنوان يبدو للوهلة الأولى ساخرًا وخفيفًا، لكنه يحمل في داخله فلسفة شعبية كاملة عن الإنسان حين يفقد وعيه للحظة، ثم يستعيده، فيكتشف الحقيقة.

أما نحن، ونحن نفتش اليوم في دفاتر المسرح المصري، فنحن أيضًا نحاول أن نستعيد «الفكرة» بعد سنوات طويلة من «السكرة»؛ نزيح الغبار عن الأسماء، ونستعيد العروض، ونقرأ ما بين السطور، لكي نعيد إلى الذاكرة بعضًا من كنوزها التي كادت أن تختفي.

فالمسرح المصري لم يكن يومًا مجرد ما نتذكره.. بل هو أيضًا كل ما نسيناه، وهذه هي الحكاية التي تستحق أن تُروى، وهذه هي مهمة ما اكتبه من كنوز المسرح المصري.

الفنانة لينا ايديال
الفنانة لينا ايديا في مسرحية راحت السكرة وجت الفكرة 

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة