يضم متحف آثار الغردقة أكثر من 1400 قطعة أثرية متنوعة، تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة، بداية من العصور المصرية القديمة، مرورا بالعصر الفرعوني المتأخر والعصور الرومانية والقبطية والإسلامية، وصولا إلى العصر الحديث، حيث تعرض هذه المقتنيات وفقا لنظام العرض المتحفي الموضوعي، من خلال وضع القطع داخل فتارين مخصصة، بما يتناسب مع الفترة الزمنية التي تنتمي إليها كل قطعة.
وتعد القطع الأثرية الفرعونية من أبرز المقتنيات التي يضمها المتحف، لما تتميز به من دقة كبيرة في النقوش والتفاصيل الفنية، والتي تعكس مدى براعة الفنان المصري القديم وقدرته على تجسيد المعبودات والشخصيات والرموز الدينية بدقة شديدة، وهو ما يظهر بوضوح في عدد من القطع المعروضة أمام زوار المتحف.
ومن بين القطع المميزة التي تستوقف الزائر داخل متحف آثار الغردقة، ناووس “سبتي”، الذي يمثل نموذجا مهما لفن النحت المصري القديم، كما يكشف جانبا من المعتقدات الدينية التي ارتبطت بالمعابد وطرق حفظ تماثيل المعبودات خلال العصور المصرية القديمة.
الناووس.. الجزء المقدس الذي يحمي تمثال المعبود
كشفت لوحة معلومات القطعة الأثرية المدونه عليها داخل المتحف إن الناووس ظهر في مصر القديمة باعتباره الجزء المقدس داخل المعبد، وكان يستخدم لحماية تمثال المعبود، وكان يمثل هيكلا تحفظ بداخله التماثيل، وعرف أيضا باسم “مقصورة العبادة”.
كذلك أن المصريين القدماء برعوا في صناعة النواويس، وقدموا نماذج متعددة منها، كما ظهرت أشكال مختلفة عرفت باسم تماثيل الناووس، وكانت تصور في كثير من الأحيان صاحب التمثال في أوضاع مختلفة، سواء جاثيا أو واقفا أو جالسا في وضع القرفصاء، وذلك في إطار الرمزية المرتبطة بالحماية والطقوس الدينية.
ويكشف هذا النوع من القطع عن أهمية المعبد في الحياة الدينية لدى المصريين القدماء، حيث لم يكن مجرد مبنى لممارسة الطقوس، وإنما كان يضم أجزاء مقدسة لكل منها وظيفة محددة، وكان الناووس من أهم هذه الأجزاء، باعتباره المكان الذي يحتفظ فيه بتمثال المعبود ويحظى بالحماية داخل المعبد.
قطعة من عهد الملك أمنحتب الثالث
عثر على ناووس “سبتي” في معابد الكرنك بمدينة الأقصر، ويعود تاريخه إلى الدولة الحديثة، وتحديدا الأسرة الثامنة عشرة، في عهد الملك أمنحتب الثالث، تاسع ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وأن القطعة صنعت من حجر الكوارتز، وهو ما يعكس حرص المصري القديم على اختيار الخامات المناسبة لصناعة القطع المرتبطة بالمعبودات والطقوس الدينية، فضلا عن المهارة الكبيرة التي ظهرت في معالجة الحجر ونقشه وإظهار التفاصيل الدقيقة على سطحه.
وظهر أن الفنان المصري القديم أبدع في تنفيذ التفاصيل والنقوش الموجودة على الناووس، بما يعكس مستوى متقدما من الدقة الفنية التي وصلت إليها صناعة التماثيل والقطع الدينية خلال الدولة الحديثة.
سبتي يحمل ناووسا صغيرا للمعبود حورس
وتجسد قطعة الناووس رجلا راكعا، فاقد الجزء العلوي من جسده، ويدعى “سبتي”، ويحتضن بين ذراعيه ناووسا صغيرا للمعبود حورس، الذي يظهر في هيئة الصقر، وتظهر في الناووس الصغير ملامح المعبود حورس في صورة الصقر، حيث حرص الفنان المصري القديم على نحت الطائر بدقة شديدة، مع التركيز على مجموعة من التفاصيل التي تعكس القوة والهيبة، ومن بينها الأعين الواسعة والنظرة الحادة الثاقبة، إلى جانب إبراز شكل المخالب بصورة واضحة.
وتحمل هذه التفاصيل دلالات فنية ودينية مهمة، إذ حرص الفنان على إظهار المعبود حورس في صورة قوية ومهيبة، بما يتناسب مع مكانته الدينية، وبما يعكس أيضا أهمية المعبود داخل الطقوس التي كانت تؤدى في المعابد المصرية القديمة.
ألقاب أمنحتب الثالث على واجهة الناووس
وكشف أحد الأثاريين إلى أن “سبتي” كان موظفا في عهد الملك أمنحتب الثالث، وهو أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وتظهر على واجهة الناووس من الجانبين بعض ألقاب الملك، ومن بينها “نب ماعت رع” و”آمون حتب حاكم واست”، وهو ما يضيف أهمية تاريخية للقطعة، ويساعد في التعرف على الفترة التي تنتمي إليها والظروف التاريخية المرتبطة بها.
وتجمع القطعة بين القيمة الفنية والتاريخية والدينية، فهي من ناحية توثق براعة الفنان المصري القديم في النحت وإظهار التفاصيل الدقيقة، ومن ناحية أخرى تقدم صورة عن المعتقدات والطقوس الدينية التي كانت مرتبطة بالمعبودات والمعابد، فضلا عن ارتباطها بشخصية “سبتي” وألقاب الملك أمنحتب الثالث.
متحف آثار الغردقة يضم كنوزا من عصور مختلفة
ويقام متحف آثار الغردقة على مساحة تصل إلى 10 آلاف متر مربع، خصص منها نحو 3 آلاف متر مربع لصالة العرض المتحفي، التي تضم مجموعة متنوعة من القطع الأثرية التي تنتمي إلى الحضارات والعصور المختلفة التي مرت بها مصر.
وتشمل مقتنيات المتحف آثارا فرعونية ورومانية وقبطية وإسلامية، إلى جانب مجموعة من القطع التي تعود إلى العصر الحديث، ما يمنح الزائر فرصة للتعرف على مراحل متعددة من تاريخ الحضارة المصرية من خلال عرض مجموعة متنوعة من المقتنيات داخل صالات المتحف.
ومن أبرز القطع المعروضة بالمتحف مجموعة الملك توت عنخ آمون، وتمثال الملكة ميريت آمون، ولوحة الأميرة فاطمة إسماعيل، بالإضافة إلى 24 قطعة من حطام السفينة الغارقة بالقرب من جزيرة سعدانة بالغردقة، إلى جانب صندوق التوراة وعدد من القطع الملكية التي تعود إلى أسرة محمد علي.

الناووس يحتضن المعبود

من القطع النادرة بمتحف الغردقة

ناووس سبتي بمتحف الغردقة