لم يعد استهداف الدولة المصرية عبر منصات موجودة خارج البلاد يقتصر على خطاب سياسي مباشر، وإنما أصبح يعتمد على صناعة محتوى متكاملة تحتاج إلى أموال وموارد وأشخاص وأدوات تقنية، وهو ما جعل ملف التمويل حاضرًا بصورة مستمرة عند الحديث عن القنوات والمواقع والحسابات التي يديرها أو يدعمها أنصار جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج.
وتعمل هذه المنظومة من خلال مجموعة واسعة من الأدوات، تبدأ من القنوات الفضائية التي تحتاج إلى مقرات واستوديوهات ومعدات بث، وتمتد إلى المواقع الإلكترونية التي تحتاج إلى فرق تحرير وإدارة تقنية، ثم صفحات التواصل الاجتماعي التي تحتاج إلى إنتاج مستمر ومتابعة على مدار الساعة، فضلًا عن مقاطع الفيديو والبث المباشر والإعلانات الرقمية.
ومع اتساع حضور الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي، تغير شكل الإنفاق نفسه، فلم تعد القناة الفضائية وحدها هي المستفيد من التمويل، وإنما ظهرت عشرات الأدوات التي يمكن تشغيلها بتكلفة أقل وتحقيق انتشار أكبر، فأصبح من الممكن إنشاء صفحة أو حساب متخصص في ملف واحد، ثم إنتاج محتوى يومي حول هذا الملف، قبل إعادة توزيع المحتوى على شبكة أخرى من الصفحات.
منصات الإرهابية وتكثيف نشاطها الهجومى على مؤسسات الدولة
وتعتمد هذه الآلية على كثافة النشر، إذ لا تنتظر المنصة حدثًا كبيرًا حتى تتحرك، وإنما تعمل طوال الوقت على إنتاج الأخبار والتعليقات والمقاطع، ثم تكثف النشاط عند ظهور أي أزمة داخلية، وكلما زادت كمية المحتوى المنشور، زادت فرص ظهور الرسائل نفسها أمام المستخدمين.
وتحدثت تقديرات إعلامية وبحثية متداولة خلال السنوات الماضية عن أموال كبيرة تم إنفاقها على منصات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، مع اختلاف واضح بين الأرقام والتقديرات بحسب طبيعة المصادر وطريقة الحساب، وبعض التقديرات تحدثت عن مئات الملايين من الدولارات، بينما ذهبت تقديرات أخرى إلى أرقام تتجاوز ذلك بكثير عند احتساب مختلف المنصات والكيانات والخدمات الإعلامية المرتبطة بها.
ولا يعني اختلاف الأرقام عدم وجود إنفاق، وإنما يعني أن تحديد الرقم النهائي يحتاج إلى بيانات مالية موثقة، خاصة أن تمويل أي منظومة إعلامية يمكن أن يمر عبر أكثر من نشاط وشركة ووسيلة، وقد يشمل الإنتاج والإعلانات والتقنيات والأجور والخدمات اللوجستية.
صناعة الشائعة.. الخبر يبدأ من الخارج وينتهي على هاتف المواطن
وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الحلقة الأكثر تأثيرًا في نقل المحتوى من المنصات الخارجية إلى الجمهور داخل مصر. فالمستخدم لا يحتاج إلى متابعة قناة بعينها حتى تصل إليه الرسالة، إذ يمكن أن تظهر أمامه من خلال حساب أو صفحة أو فيديو قصير أو منشور يعيد نشر مادة موجودة في مكان آخر، وتبدأ العملية في كثير من الأحيان بعنوان شديد الإثارة، ثم يتم بناء المحتوى حوله بصورة تجعل العنوان هو الجزء الأكثر انتشارًا، بينما يبقى النص الكامل بعيدًا عن اهتمام معظم المتلقين، وقد يشارك المستخدم المنشور اعتمادًا على العنوان فقط، وهو ما يسمح بانتشار معلومة لم يقرأ تفاصيلها أو يتحقق من مصدرها.
وتعتمد بعض الحملات كذلك على تكرار الرسالة ذاتها، لأن التكرار يمنحها مظهرًا من مظاهر الانتشار ويجعلها مألوفة لدى الجمهور، فكلما شاهد المستخدم الادعاء نفسه عدة مرات ومن حسابات مختلفة، قد يتعامل معه باعتباره أمرًا معروفًا حتى إذا لم يقدم أي حساب دليلًا على صحته، وتزداد هذه الآلية قوة عندما يتم ربط الشائعة بموضوع يهم المواطن بصورة مباشرة. فإذا تعلق الأمر بأسعار السلع، يتم التركيز على أكثر الصور السلبية، وإذا تعلق بالخدمات، يتم اختيار الحالات الأكثر إثارة، وإذا تعلق بالاقتصاد، يتم تقديم المؤشرات الجزئية بعيدًا عن الصورة الكاملة.
كما يتم أحيانًا استخدام تصريحات قديمة وإعادة تقديمها على أنها حديثة، أو نشر مقاطع تم تصويرها في مناسبات مختلفة دون الإشارة إلى تاريخها. وتساعد هذه الطريقة على خلق حالة من الالتباس لدى المتلقي، خصوصًا عندما يكون الحدث الأصلي بعيدًا عن ذاكرته، وفي بعض الحالات، تتداخل الأخبار مع التعليقات السياسية بصورة تجعل الفصل بينهما صعبًا، حيث يبدأ المنشور بمعلومة، ثم ينتقل إلى تفسير، ثم ينتهي باستنتاج سياسي، دون أن يتم توضيح أين تنتهي المعلومة وأين يبدأ الرأي، ومع إعادة نشر المادة، يختفي هذا الفارق بصورة أكبر، ويصل المحتوى إلى المستخدم باعتباره خبرًا مكتملًا.
ومع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات تعديل الصور والفيديو، ظهرت تحديات جديدة أمام الجمهور، فأصبح من الممكن إنتاج صور ومقاطع تبدو واقعية للوهلة الأولى، أو تعديل مادة حقيقية لإعطائها معنى مختلفًا، وهو ما يجعل التحقق من المصدر الأصلي والتاريخ والسياق ضرورة أساسية قبل تداول أي مادة.
منظومة التحريض تتوسع.. من الرسالة الواحدة إلى شبكة متكاملة
ولا تعمل منصات التشويه بصورة منفصلة، وإنما يمكن أن تتكامل فيما بينها في إنتاج الرسالة وتوزيعها، فقد يبدأ المحتوى من قناة أو موقع، ثم ينتقل إلى حسابات متعددة، ثم يعاد إنتاجه في صورة فيديو قصير، وبعد ذلك يظهر في صفحات ومجموعات مغلقة، قبل أن يعود مرة أخرى إلى المنصات الكبرى باعتباره مادة منتشرة على نطاق واسع، وتمنح هذه الدورة المستمرة للمحتوى قدرة على البقاء لفترات طويلة، حتى بعد انتهاء الحدث الذي ارتبط به. فقد يتم إعادة نشر مقطع قديم بعد أشهر أو سنوات، عندما تظهر أزمة جديدة، مع تغيير العنوان فقط، ليبدو المقطع وكأنه مرتبط بالحدث الجديد.
وتعتمد المنظومة كذلك على متابعة ردود فعل الجمهور، لأن التفاعل مع المحتوى يكشف الموضوعات الأكثر قدرة على جذب الانتباه. وبناءً على ذلك، يمكن إعادة إنتاج الرسائل التي تحقق تفاعلًا أكبر، وتغيير صياغتها وعنوانها لتوسيع دائرة الانتشار، ويؤدي ذلك إلى تحويل المحتوى السياسي إلى عملية مستمرة لا تتوقف عند نشر خبر واحد، وإنما تعتمد على اختبار الرسالة، ثم إعادة صياغتها، ثم نشرها مرة أخرى عبر أدوات مختلفة. وكلما حققت المادة انتشارًا أكبر، زادت فرص إعادة إنتاجها.
ويمثل الوعي الإعلامي يمثل خط الدفاع الأول أمام هذه المنصات، فقبل مشاركة أي منشور، يمكن للمستخدم البحث عن مصدره، ومراجعة تاريخ الصورة أو الفيديو، ومقارنة الخبر بأكثر من مصدر، والتمييز بين الخبر والرأي والتعليق، وعدم التعامل مع العنوان المثير باعتباره دليلًا على صحة المحتوى، وضخ الأموال في أي منظومة إعلامية لا يمنحها وحده القدرة على فرض روايتها، لأن انتشار المحتوى يتوقف أيضًا على ثقة الجمهور به، وكلما أصبح المواطن أكثر قدرة على التحقق، تراجعت فرص نجاح حملات التضليل، مهما تعددت القنوات والمواقع والحسابات التي تعيد نشر الرسالة نفسها.
ومن هنا، فإن التعامل مع نشاط أنصار جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج يحتاج إلى قراءة المنظومة كاملة، من مصادر التمويل إلى أدوات الإنتاج، ومن القنوات إلى الحسابات، ومن صناعة المحتوى إلى آليات توزيعه، لأن الشائعة لا تتحول إلى حملة واسعة بسبب منشور واحد، وإنما نتيجة شبكة متكاملة من الإنتاج وإعادة النشر والترويج والاستهداف.