تتحرك أوروبا نحو إعادة صياغة منظومتها الأمنية والدفاعية فى ظل تصاعد المخاطر على أراضيها والحرب الروسية فى أوكرانيا ، وتزايد الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والتوغل بالطائرات المسيرة، بالتزامن مع نقاش أوروبى حول مستقبل الاعتماد على الولايات المتحدة فى حماية القارة.
وفى خطاب حالة الاتحاد الأوروبى أمام البرلمان الأوروبى فى ستراسبورج ، أعلنت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين أنها ستقترح بالتعاون مع مسئولة السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبى ، استيراتيجية أمن أوروبية جديدة ، معتبرة أن طبيعة التهديدات تغيرات بصورة أسرع من قدرة المؤسسات الأوروبية على الاستجابة لها.
وقالت فون دير لاين إن أوروبا تواجه بصورة متزايدة هجمات إلكترونية وأعمال تخريب وحرائق متعمدة وتوغلات بطائرات مسيّرة، وهي أنشطة تصفها المؤسسات الأوروبية بأنها جزء من بيئة التهديدات الهجينة. وكان الاتحاد الأوروبي قد اتهم في يوليو الماضي جهات مرتبطة بروسيا بتنفيذ أنشطة سيبرانية استهدفت دولًا ومؤسسات أوروبية وبنى تحتية حيوية.
بروتوكول أمني أوروبي جديد
ومن أبرز المقترحات التي طرحتها فون دير لاين إنشاء آلية أوروبية شبيهة بفكرة المادة الرابعة في حلف شمال الأطلسي، بحيث يمكن تفعيل بروتوكول أمني طارئ عندما تتعرض دولة عضو لحادث أمني لا يصل إلى مستوى الهجوم العسكري المباشر، لكنه يمثل تهديدًا واضحًا لأمنها القومي.
وبموجب التصور المطروح، تجتمع الدول الأعضاء عند تفعيل البروتوكول لتنسيق رد أوروبي مشترك، بهدف احتواء تداعيات الحادث ومنع تصعيده. وشددت فون دير لاين في الوقت نفسه على أن هذه الآلية ستكون مكملة للعمل مع حلف الناتو وليست بديلًا عنه.
كما طرحت رئيسة المفوضية فكرة إنشاء مجلس أوروبي للأمن يضم دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب شركاء من خارجه، بينهم بريطانيا والنرويج وأوكرانيا وكندا، في محاولة لتوسيع إطار التعاون الأمني الأوروبي في مواجهة المخاطر العابرة للحدود.
روسيا والهجمات الهجينة في صدارة المخاوف
ويأتي التحرك الأوروبي في وقت تضع فيه بروكسل روسيا في مقدمة التحديات الأمنية التي تواجه القارة. وأشارت فون دير لاين إلى حوادث مرتبطة بالطائرات المسيّرة والأنشطة التي تقول المفوضية إنها تستهدف الأراضي الأوروبية، مؤكدة أن الحرب الروسية في أوكرانيا باتت مرتبطة بصورة مباشرة بالنقاش حول أمن الاتحاد.
وتشمل المخاطر التي حددتها المؤسسات الأوروبية الهجمات الإلكترونية، والتخريب، والتدخل في البنية التحتية الحيوية، والتشويش على أنظمة الملاحة، إضافة إلى محاولات التأثير المعلوماتي. وكانت المفوضية قد أشارت في وقت سابق إلى تعرض مناطق أوروبا الشرقية المحاذية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا لمجموعة واسعة من هذه التهديدات.
وفي هذا السياق، أعلنت فون دير لاين عن أداة أوروبية جديدة لدعم القدرات الاستراتيجية، تشمل مجالات مثل الدفاع الجوي والصاروخي، والنقل الاستراتيجي، والتزود بالوقود جوًا، والفضاء والأمن السيبراني، مع التأكيد على أن الأداة ستكون متوافقة بالكامل مع حلف الناتو.
ماذا عن المظلة الأمريكية؟
ولا يعني هذا التحرك الأوروبي إعلان التخلي عن الولايات المتحدة أو حلف الناتو، إذ أكدت فون دير لاين استمرار التعاون مع الحلف. لكن النقاش داخل أوروبا أصبح أكثر تركيزًا على تعزيز القدرات الذاتية للقارة في ظل التساؤلات حول مدى استدامة الاعتماد على واشنطن في الملفات الأمنية والدفاعية.
ويرى مركز الأبحاث الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن أوروبا تواجه نقاشًا متزايدًا حول مستقبل العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، وأن تقليص الاعتماد على واشنطن يتطلب زيادة كبيرة في الموارد والقدرات والتخطيط الاستراتيجي على مدى سنوات.
كما يرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الضغوط المرتبطة بسياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعت الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في خياراتها الاستراتيجية، خصوصًا في ظل المخاوف بشأن موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية.
الأمن والتجارة في مواجهة واحدة
وتتزامن التحركات الأمنية مع توترات اقتصادية عبر الأطلسي، بعدما أصبحت الرسوم الجمركية والسياسات التجارية الأمريكية جزءًا من الحسابات الأوروبية الأوسع بشأن الاستقلال الاستراتيجي وتنويع الشراكات.
وفي خطابها، دفعت فون دير لاين باتجاه تعميق العلاقات مع كندا، واقترحت فتح الباب أمامها لتصبح أول دولة تحصل على صفة عضو منتسب في الاتحاد الأوروبي مع تعاون أوسع في الدفاع والصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية والأمن الاقتصادي
وتعكس هذه الخطوة توجهًا أوروبيًا نحو توسيع شبكة الشراكات بدل الاعتماد على علاقة واحدة، خصوصًا في مجالات الأمن والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وبذلك، تدخل أوروبا مرحلة تحاول فيها الجمع بين استمرار التحالف مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، وبين بناء قدرات أوروبية أكبر للتعامل مع الأزمات التي قد تقع داخل القارة أو تستهدف بنيتها التحتية الرقمية والمادية. ويبقى نجاح هذه الرؤية مرتبطًا بقدرة الدول الأعضاء على تحويل المقترحات السياسية إلى قدرات دفاعية وأمنية مشتركة وتمويل مستدام.