- عشت أصعب نزوح داخل مستشفى العودة.. وكنت بين أطفال يعانون سوء التغذية وأنا أحاول أن أتماسك أمامهم
- رأيت المجاعة في أجساد الأطفال.. كان يؤلمني أن أعرف ما يحتاجه الطفل ولا أجد ما يمكن أن أقدمه له
- فقدت خالتي وعمتي وعددا من أبناء عمومتي.. وأُسر أبناء عمي ولم يكن الفقد بالنسبة إلينا مجرد خبر
- مررت بفترات لم أجد فيها غذاء كافي ومتنوع.. وكنت أرى آثار نقص الغذاء على المرضى من حولي كل يوم
- كنا نعمل تحت القصف ونحن نعرف أن الخطر قد يصل إلينا في أي لحظة لكن المرضى كانوا ينتظروننا
- الحرب جعلت الطبيب والمريض داخل دائرة الخطر نفسها.. ومن أكثر ما يؤلم أن من ينقذ حياة الآخرين أصبح بحاجة إلى الأمان
في غزة، لم تكن الحرب بالنسبة إلى الأطقم الطبية مجرد ساعات طويلة داخل المستشفيات، ولا مجرد أصوات قصف تُسمع من خلف الجدران، فقد عاش الأطباء والممرضون والمسعفون العدوان بكل تفاصيله، كنازحين فقدوا بيوتهم، وأبناء عائلات يخافون على أحبائهم، وأشخاص يواجهون الجوع والخوف والفقد، ثم يعودون إلى المستشفيات ليحملوا عن المرضى بعضا من أوجاعهم.
كان عليهم أن يؤدوا واجبهم الطبي في الوقت الذي كانوا فيه هم أنفسهم بحاجة إلى من يطمئنهم ويعتني بهم، يخرج الطبيب من مكان نزوحه إلى المستشفى، لا ليبحث عن الأمان لنفسه، وإنما ليبحث عن وسيلة لإنقاذ طفل أو مريض، ويقف أمام أم مذعورة ليمنحها الطمأنينة، بينما قد يكون هو في اللحظة نفسها قد فقد قريبا أو ترك خلفه منزلا لم يعد قائما.
ضمن سلسلة "الأطقم الطبية بغزة.. وجع في القلب ورسالة لا تنكسر"، نقترب من الجانب الإنساني لهذه التجربة، من حكايات أولئك الذين لم تضع الحرب أوزارها على أبواب المستشفيات، بل دخلت معهم إليها، ورافقتهم في غرف المرضى وأقسام الطوارئ وممرات المستشفيات.
في هذا الحوار، تستعيد الدكتورة رنا فايز زعيتر، رئيسة قسم التغذية العلاجية في مستشفى العودة بالنصيرات سابقا خلال الحرب، تفاصيل تجربة عاشتها بين النزوح والعمل الطبي، انتقلت من غزة إلى دير البلح، ثم إلى رفح، ثم إلى النصيرات، وفي كل محطة كانت تبحث عن الأمان، قبل أن تجد نفسها تعيش داخل المستشفى ذاته، وسط أطفال يعانون من سوء التغذية الحاد، ونساء حوامل ومرضعات، ومرضى يحتاجون إلى رعاية في ظروف استثنائية.
تروي كيف كان عليها أن تواجه خوفها الشخصي، وتتعامل مع فقدان أفراد من عائلتها، وتصمد أمام الجوع والإرهاق ونقص الغذاء والمياه، ثم تدخل إلى المستشفى لتكون هي مصدر القوة لمن يحتاجون إليها، وبينما كانت ترى آثار سوء التغذية على أجساد الأطفال من حولها، كانت تدرك، بصفتها أخصائية تغذية، أن نقص الغذاء في الحرب لا يعني الجوع فقط، بل قد يعني تراجع قدرة الجسد على مقاومة المرض والتعافي منه.
في شهادتها، تتحدث عن طبيب يعمل وهو خائف، وإنسان يؤجل حزنه حتى ينتهي من إنقاذ مريض، ومستشفى أصبح في الوقت نفسه مكانا للعمل ومأوى للنزوح، وأطقم طبية اضطرت إلى العمل بإمكانات محدودة، وهي تعرف أن الخطر الذي يحيط بالمريض قد يطاولها هي أيضا.
إنها شهادة من داخل المنظومة الطبية في غزة، لكنها في جوهرها شهادة إنسانية عن أشخاص حاولوا الحفاظ على حياة الآخرين، بينما كانوا يكافحون للحفاظ على حياتهم وأسرهم وقدرتهم على الاستمرار، هنا في هذا الحوار، تتحدث الدكتورة رنا زعيتر عن النزوح والخوف والجوع والفقد، والأطفال الذين تحول وزنهم إلى مؤشر يومي على حجم الأزمة، ومهنة لم تعد بالنسبة إليها مجرد تشخيص وعلاج، بل أصبحت مسؤولية إنسانية للحفاظ على حياة الإنسان وكرامته في أصعب الظروف، وإلى نص الحوار ..

الطبيبة الفلسطينية رنا زعيتر
كيف عشتِ تجربة النزوح خلال الحرب؟
كانت تجربة قاسية للغاية، وهي استنزاف للروح قبل الجسد نزحت من غزة إلى دير البلح، ثم إلى رفح، ثم إلى النصيرات، في كل مرة كنا نترك مكاننا بحثا عن الأمان، دون أن نعرف إلى أين سنذهب أو ماذا ينتظرنا.
ما هو أصعب نزوح لكِ خلال الحرب؟
أصعب مرحلة كانت نزوحنا الأخير، عندما أصبحت أعيش داخل مستشفى العودة نفسه في النصيرات، في قسم التغذية، وسط الأطفال المصابين بالمضاعفات الخطيرة لسوء التغذية الحاد والحالات التي تحتاج إلى رعاية.
كيف كانت حياتكِ خلال تلك الفترة؟
لم تكن هناك حياة طبيعية، كان هناك خوف مستمر، نقص في الطعام والمياه، قلة نوم، وقصف في كل مكان، والأصعب أني كنتِ أعيش هذه الظروف وفي الوقت نفسه مطالبة بأن أبقى قوية أمام المرضى خصوصا الأطفال والأمهات الحوامل والمرضعات.

رئيس قسم التغذية بمستشفى العودة الدكتورة رنا زعيتر
هل مررتِ شخصيا بفترات من الجوع أو نقص الغذاء؟
نعم، مررت بفترات كان فيها الحصول على الطعام الكافي والمتنوع صعبا جدا، وبصفتي أخصائية تغذية، كنت أعرف تماما ماذا يعني نقص الغذاء للجسم، وكنت أرى ذلك يوميا على المرضى والأطفال من حولي، لذلك كان الأمر مؤلما على المستوى الشخصي والمهني في الوقت نفسه، وكانت أكبر معاناة هي رؤيه الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد مع المضاعفات الخطيرة التي يعانون منها خلال المجاعة.
كيف وازنتِ بين النزوح والعمل الطبي؟
لم يكن هناك مجال كبير للتفكير في نفسي، كنت أذهب إلى المستشفى لأن المرضى بحاجة إلي، حتى عندما كنت خائفة أو مرهقة، كان علي أن أكون دكتورة ورئيسه قسم سوء التغذية وأتخذ قرارات وأساعد المرضى، تعلمت خلال الحرب أن الشجاعة لا تعني ألا نخاف، وإنما أن نستمر رغم الخوف.
هل فقدتِ أفرادا من عائلتكِ؟
نعم، وهذه من أصعب التجارب التي مررت بها، حيث استشهدت خالتي، ثم عمتي ، واستشهد عدد من أبناء عمومتي، كما تم أسر أولاد عمي، هذه ليست مجرد أخبار نسمعها، فهؤلاء أشخاص نحبهم ونعيش معهم ذكريات وحياة كاملة، لذلك كان الفقد مؤلما جدا، والحرب تركت أثرا عميقا في نفسي وفي عائلتي.
هل وصلتِ إلى لحظة شعرتِ فيها أنكِ لم تعودي قادرة على الاحتمال؟
بالتأكيد. كانت هناك لحظات شعرت فيها أن الإنسان لم يعد يحتمل المزيد، لكن في المستشفى كان دائما هناك مريض ينتظر، وطفل يحتاج إلى مساعدة، وأسرة تبحث عن الأمل، فكنت أؤجل ألمي الشخصي وأكمل عملي، ثم أتعامل مع مشاعري عندما أكون وحدي.
بعد كل ما عشتيه.. ماذا يعني لكِ أن تكونين ضمن المنظومة الطبية وفي واحدة من أكبر مستشفيات القطاع في غزة في أصعب فترة يواجهها القطاع؟
أصبح الطب بالنسبة لي أكبر من مجرد تشخيص وعلاج، أصبح معناه أن تحاول الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته في أصعب الظروف، اليوم أشعر أن وجود الكادر الطبي في غزة هو مسؤولية إنسانية كبيرة، لأننا نعالج المرضى بينما نعيش الظروف نفسها التي يعيشونها.

الدكتورة الفلسطينية رنا زعيتر
كيف تصفين عملكِ في مستشفى العودة خلال الحرب؟
كان العمل مختلفا تماما عن أي شيء عرفته من قبل، كرئيسة لقسم التغذية العلاجية، لم نعد نتعامل فقط مع الحميات الغذائية، وإنما مع نقص حقيقي في الغذاء ومستلزمات التغذية، ومع أطفال ومرضى يعانون من سوء التغذية إلى جانب أمراضهم وإصاباتهم.
كيف كان الطاقم الطبي يعمل وسط القصف والخطر؟
كنا نعمل ونحن نعرف أن الخطر موجود في أي لحظة، لكن أمامنا مرضى يحتاجون إلينا، كنا خائفين ومتعبين، لكن المسؤولية كانت تدفعنا للاستمرار.
ما أصعب شيء عايشتيه طبيا وإنسانيا خلال الحرب؟
من أصعب الأشياء أن تعرف ما يحتاجه المريض، لكنك لا تملك دائما القدرة على توفيره، في الظروف الطبيعية نبحث عن العلاج المناسب، أما في الحرب فقد تعرف العلاج ولا تجد الدواء أو الغذاء أو الفحص المطلوب.

الدكتورة رنا زعيتر
هل كان هناك وقت للراحة؟
الراحة كانت محدودة للغاية، والضغط كان مستمرا، وعدد الحالات كبير، والخطر الأمني حاضرا، كان علينا أن نستمر حتى عندما نكون نحن بحاجة إلى الراحة والدعم.
كيف كنتم تتخذون القرارات مع نقص الإمكانيات؟
كنا نعتمد على الأولويات الطبية ونحاول استخدام المتاح بأفضل طريقة ممكنة، ونبحث عن البدائل عندما لا يتوفر الشيء المطلوب، فالحرب جعلتنا نعمل بإمكانيات محدودة جدا، لكننا حاولنا ألا يتوقف العلاج.
هل اضطررتم لأداء أدوار خارج تخصصكم؟
نعم، في الأزمات الكبيرة يتعاون الجميع، وكل شخص كان يحاول أن يقدم ما يستطيع ضمن حدود خبرته، لأن الحاجة كانت أكبر من عدد الكوادر المتوفرة.

الطبيبة رنا زعيتر
كيف كان شعوركم وأنتم تعملون في مكان معرض للخطر؟
كنا نشعر بالخوف، بالتأكيد، لكننا كنا نعمل ونحن خائفون، وهذه نقطة مهمة جدا، الأطباء ليسوا أشخاصا بلا مشاعر، نحن بشر أيضا، ولدينا عائلات نخاف عليها وأشخاص فقدناهم، لكن أمام المريض نحاول أن نتماسك.
ماذا كان يحدث عندما يقترب القصف؟
يتغير كل شيء، المرضى يخافون، الأطفال يبكون، والأهل يقلقون، والطاقم يحاول في الوقت نفسه الاستمرار في العمل، وأحيانا كنت أطمئن مريضا وأنا نفسي بحاجة إلى من يطمئنني.
هل شعرتِ أن حياة الطبيب أصبحت مهددة مثل حياة المريض؟
نعم، في الحرب أصبح الطبيب والمريض داخل دائرة الخطر نفسها، وهذا من أكثر الأمور قسوة، أن الشخص الذي يفترض أن يحمي حياة المريض أصبح هو نفسه بحاجة إلى الأمان.

رنا فايز زعيتر
كيف أثرت الحرب والحصار ونقص الغذاء على صحة السكان؟
الحرب جعلت المشكلة الغذائية مشكلة وصول إلى الغذاء، وليس فقط اختيار غذاء صحي، وعندما يقل تنوع الطعام ويصبح الحصول على البروتين والخضار والفواكه ومصادر الفيتامينات والمعادن صعبا، تظهر آثار ذلك سريعا، خصوصًا على الأطفال والمرضى.
.jpg)
.jpg)
من الأكثر تأثرا من المجاعة؟
الأطفال هم الأكثر هشاشة، خاصة في مراحل النمو، وكذلك النساء الحوامل والمرضعات وكبار السن والمرضى الذين لديهم أمراض مزمنة أو إصابات.
ما الحالات التي كنتم تستقبلونها؟
كنا نرى الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد مع المضاعفات والأمراض التي أصابهم خلال الحرب والمجاعة، يواجهون فقدانا للوزن وضعفا عاما وحالات سوء تغذية، إضافة إلى مرضى لديهم جروح أو التهابات أو أمراض مزمنة وتحتاج أجسامهم إلى احتياجات غذائية أعلى، كذلك الحوامل والمرضعات اللاتي يعانون من سوء التغذية.
ماذا يعني نقص الحليب والأغذية العلاجية للأطفال؟
الأغذية العلاجية والحليب العلاجي في بعض الحالات جزء من العلاج وليس رفاهية، وعندما لا يتوفر الغذاء المناسب لطفل يعاني من سوء التغذية، فإن ذلك قد يؤثر في نموه ومناعته وقدرته على التعافي.
هل لاحظتم تغيرا في أوزان الأطفال ونموهم؟
نعم، وكأخصائية تغذية كان هذا مؤلما جدا بالنسبة لي، فالوزن بالنسبة لنا ليس مجرد رقم، عندما يتراجع وزن طفل أو يتوقف نموه، فهذا مؤشر على أن الأزمة بدأت تؤثر في مستقبله الصحي.
ماذا يحدث للمريض المصاب عندما يعاني أيضا من نقص الغذاء؟
الإصابة والمرض يرفعان احتياجات الجسم من الطاقة والبروتين، وإذا لم يحصل المريض عليها يبدأ الجسم باستهلاك مخزونه، لاسيما العضلات، وهذا قد يضعف المناعة ويؤخر التئام الجروح ويصعب التعافي.
.jpg)
.jpg)
ما أثر نقص الأدوية والمستلزمات الطبية؟
الطبيب مهما كانت خبرته يحتاج إلى دواء، وفحص، ومعدات، وكهرباء، ومياه، وعندما تنقص هذه الأشياء تصبح قدرة الطبيب على إنقاذ المريض محدودة، رغم كل ما يملكه من علم وخبرة.
هل أثرت الكهرباء والمياه والوقود على المستشفى؟
بالتأكيد، هذه ليست خدمات منفصلة عن الطب، والكهرباء والوقود والمياه ضرورية للتشغيل والتعقيم والتبريد والنظافة والتغذية والكثير من الخدمات الطبية.
كيف أثر النزوح على المرضى؟
النزوح المتكرر كان صعبا جدا خصوصا على الأطفال والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج مستمر، والمريض الذي يحتاج دواء أو حمية أو متابعة منتظمة قد يفقد القدرة على الوصول إليها بمجرد انتقاله من مكان إلى آخر.
إذا كان بإمكانكِ إيصال رسالة واحدة للعالم.. ماذا تقولين؟
أقول للعالم، أطباء غزة ليسوا أرقاما، ومرضى غزة ليسوا أرقاما، نحن بشر نخاف ونتعب ونفقد أحباءنا، ثم نذهب إلى المستشفى ونحاول إنقاذ حياة إنسان آخر، وكل مريض له اسم وعائلة وقصة، وكل طفل يعاني من سوء التغذية هو مستقبل إنسان يجب أن نحميه.
ماذا تحتاج مستشفيات غزة اليوم بشكل عاجل؟
تحتاج إلى الأمان أولا، وحماية المرضى والطواقم الطبية والمستشفيات، ثم توفير الأدوية والمستلزمات والمياه والكهرباء والوقود والغذاء والأغذية العلاجية، وفي مجال التغذية تحديدا، نحتاج إلى دعم مستمر للأطفال المصابين بسوء التغذية، والحوامل والمرضعات، والمرضى الذين يحتاجون إلى تغذية علاجية.
وبعد كل ما عشتيه.. ماذا تقولين اليوم؟
الحرب غيرتني كثيرا، عشت النزوح والخوف والفقد، وعشت في الوقت نفسه بين أطفال ومرضى يعانون من سوء التغذية، لذلك عندما أعمل اليوم في التغذية العلاجية في عيادتي، لا أتعامل مع التغذية كموضوع نظري فقط، أنا أعرف أن الغذاء قد يكون جزءا من العلاج، وقد يكون بالنسبة لشخص يعيش أزمة فرقا بين الضعف والقدرة على الاستمرار، وأكثر شيء أتمنى أن يبقى معنا بعد كل هذا الألم هو قدرتنا على إنقاذ الحياة، وعلى إعطاء الناس الأمل والكرامة.