أبطال مصر فى مواجهة عرَّابى الإرهاب.. الشهادة التى خلدت أحمد منسي ومحمد مبروك ورامي حسنين وأحمد الشبراوي ومحمد لطفي ووائل طاحون وساطع النعماني في مواجهة عشماوي وفريج و علاء السماحي

الخميس، 17 سبتمبر 2026 02:00 م
أبطال مصر فى مواجهة عرَّابى الإرهاب.. الشهادة التى خلدت أحمد منسي ومحمد مبروك ورامي حسنين وأحمد الشبراوي ومحمد لطفي ووائل طاحون وساطع النعماني في مواجهة عشماوي وفريج و علاء السماحي شهداء الوطن

كتبت إسراء بدر

في مصر لا تتشابه النهايات لأن الاختيارات من البداية لم تكن واحدة، ففي الوقت الذي وقف فيه رجال القوات المسلحة والشرطة في مقدمة الصفوف، يحملون أرواحهم على أكفهم ويعرفون أن كل مهمة قد تكون الأخيرة، كان آخرون يختارون الطريق المعاكس، فينحازون إلى التنظيمات الإرهابية ويحولون السلاح من وسيلة لحماية الوطن إلى أداة لتهديد الدولة وقتل أبنائها. وبين هؤلاء وهؤلاء، كتبت سنوات الحرب على الإرهاب واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصري وضوحا، شهداء دفعوا حياتهم ثمنا لبقاء الدولة، وإرهابيون دفعوا ثمن اختيارهم حين اصطدموا بالقانون والدولة والمجتمع.

لم تكن المواجهة المصرية مع الإرهاب معركة واحدة أو جبهة واحدة، وإنما حرب ممتدة خاضها رجال في سيناء، ورجال آخرون في شوارع المدن، وضباط واجهوا الخلايا بالمعلومات والتحريات، وخبراء مفرقعات اقتربوا من الموت لإبعاد خطره عن المواطنين، وقادة أمنيون دخلوا إلى أوكار الإرهاب وهم يعرفون أن الرصاصة قد تسبقهم إلى الداخل. وفي المقابل، ظهرت أسماء صنعت لنفسها مكانا داخل خرائط الإرهاب، من هشام عشماوي إلى توفيق فريج ويحيى موسى وعلاء السماحي، وكل منهم ارتبط في مساره بالتنظيمات الإرهابية ومخططات استهداف الدولة.

هنا تصبح المقارنة أكبر من مجرد أسماء، أو بالأصح لا يوجد وجه مقارنة بين بطل وإرهابي، إنها مواجهة بين عقيدة الوطن وعقيدة التنظيم، بين رجل يعرف أن مهمته حماية الدولة، وآخر يرى في الدولة خصما ويعتبر إسقاطها هدفا.

أحمد منسي.. رجل اختار أن يبقى حيث يوجد رجاله
 

يأتي العقيد أحمد صابر منسي في مقدمة أسماء الأبطال الذين ارتبطت صورتهم في الذاكرة المصرية بالمواجهة مع الإرهاب، ليس فقط لأنه استشهد في واحدة من أعنف معارك سيناء، وإنما لأن طريقة استشهاده اختزلت معنى القيادة في لحظة فارقة. فقائد الكتيبة 103 صاعقة كان موجودا مع رجاله في كمين البرث يوم 7 يوليو 2017، عندما تعرض الموقع لهجوم إرهابي واسع، ومع اشتداد المعركة ظل في موقعه يقود عناصره حتى استشهد إلى جانب عدد من أبطال الكتيبة، لتتحول الواقعة من هجوم إرهابي إلى واحدة من أشهر صفحات البطولة المصرية في مواجهة التنظيمات المسلحة.

لم يصنع الشهيد البطل أحمد منسي بطولته في اللحظة الأخيرة من حياته، وإنما صنعتها سنوات من الخدمة والمواجهة، ثم جاءت البرث لتضع كل ما سبق أمام اختبار واحد لا يحتمل التراجع، فالقائد الذي كان يمكن أن يبحث عن النجاة بعيدا عن موقع الخطر اختار أن يبقى بين رجاله، ولذلك لم تنته قصته باستشهاده، بل بدأت من هناك في الذاكرة المصرية رمزا للثبات والتضحية.

وفي الجهة الأخرى، يقف هشام عشماوي باعتباره أحد أكثر النماذج وضوحا للمسار المعاكس، ضابط سابق انتهى به الطريق إلى التنظيمات الإرهابية، وارتبط اسمه بقضايا وعمليات إرهابية، قبل أن يتم القبض عليه وتسليمه إلى مصر، ثم تصدر بحقه أحكام بالإعدام في قضايا إرهابية، وينفذ الحكم بحقه في 4 مارس 2020. وبين أحمد منسي وهشام عشماوي تبدو المفارقة كاملة، الأول ظل في موقعه حتى استشهد دفاعا عن وطنه، والثاني ترك طريق المؤسسة وانتهى إلى الإعدام بعد إدانته قضائيا في قضايا الإرهاب.

رامي حسنين.. راية الصاعقة التي لم تسقط

وقبل أحمد منسي، كان العقيد رامي حسنين واحدا من أبرز قادة الكتيبة 103 صاعقة في مواجهة الإرهاب بشمال سيناء، وظل في أرض المواجهة حتى استشهد في أكتوبر 2016 إثر استهداف مركبته بعبوة ناسفة. رحل رامي، لكن الراية لم تسقط، وجاء من بعده أحمد منسي ليواصل المهمة، في مشهد يلخص طبيعة المعركة التي خاضها رجال القوات المسلحة في سيناء فالإرهاب كان يراهن على إسقاط القيادات وإرباك الصفوف، بينما كانت الدولة تدفع بقيادات جديدة إلى مواقع الخطر وتواصل عملياتها.

ولذلك لا يمكن قراءة قصة الشهيد البطل رامي حسنين باعتبارها واقعة استشهاد منفصلة، وإنما باعتبارها حلقة من سلسلة طويلة دفع خلالها رجال القوات المسلحة حياتهم في مواجهة التنظيمات المسلحة التي اتخذت من سيناء مسرحا لعملياتها. وفي الجهة المقابلة كانت تنظيمات مثل أنصار بيت المقدس، ثم ولاية سيناء بعد مبايعة داعش، تعتمد على العبوات الناسفة والكمائن والهجمات المباغتة لاستهداف رجال الجيش والشرطة.

أحمد الشبراوي.. البرث حكاية الأبطال

معركة كمين البرث جسدت بطولات مجموعة من خير أجناد الأرض، فقد كان النقيب أحمد الشبراوي واحدا من أبطال الكتيبة 103 صاعقة الذين استشهدوا في المواجهة نفسها، إلى جانب عدد من رجال القوات المسلحة الذين واجهوا الهجوم الإرهابي حتى النهاية..

هكذا تتحول البرث من قصة شهيد إلى شهادة على جيل كامل من المقاتلين الذين واجهوا الإرهاب في سيناء، في الوقت الذي كانت فيه التنظيمات الإرهابية تراهن على بث الرعب وإسقاط المواقع واستنزاف الدولة، قبل أن تتحول تلك التنظيمات نفسها إلى هدف لعمليات أمنية وعسكرية متواصلة.

محمد مبروك.. الإرهاب الذي وصل إلى باب المنزل

أما المقدم الشهيد محمد مبروك، فقصته تكشف وجها آخر للحرب، فالمواجهة هذه المرة لم تكن داخل كمين في سيناء، وإنما في العمل الأمني الذي يلاحق الخلايا ويفكك شبكاتها قبل أن تتحول مخططاتها إلى جرائم. كان مبروك من ضباط الأمن الوطني، وعمل في ملفات شديدة الحساسية مرتبطة بملاحقة العناصر الإرهابية ونشاط جماعة الإخوان والجماعات التكفيرية، وهو الدور الذي جعله هدفا مباشرا للعناصر التي كانت ترى في رجال الأمن عقبة أمام مشروعها.

وفي 17 نوفمبر 2013، وصل الخطر إلى باب منزله بمدينة نصر، بعدما رصدت عناصر مسلحة تحركاته وانتظرت خروجه قبل أن تطلق عليه الرصاص في عملية اغتيال كشفت التحقيقات وأوراق قضية أنصار بيت المقدس لاحقا تفاصيل عن التخطيط لها وتنفيذها. وارتبط اسم توفيق فريج، أحد مؤسسي التنظيم، بالتنظيم الإرهابي الذي خاض مواجهة مسلحة مع الدولة واستهدف رجال القوات المسلحة والشرطة، لتصبح جريمة اغتيال مبروك واحدة من الوقائع التي كشفت كيف تحولت ملاحقة الإرهاب إلى معركة حياة أو موت بالنسبة لرجال الأمن أنفسهم.

كان مبروك يطارد الإرهاب بالمعلومات والتحريات والمتابعة، فطارده الإرهاب بالرصاص، لكنه مات في صف الدولة، بينما ظل خصومه في صف التنظيم والجريمة.

محمد لطفي.. رجل يقترب من الموت لينقذ الآخرين

وفي ملف المفرقعات، تظهر بطولة من نوع آخر مع المقدم الشهيد محمد لطفي، أحد رجال الشرطة الذين تعاملوا مع العبوات الناسفة في وقت كان الإرهاب يعتمد فيه على تفخيخ الطرق والأماكن واستهداف المواطنين وقوات الأمن. طبيعة هذه المهمة وحدها تضع رجل المفرقعات أمام الموت وجها لوجه، لأنه لا يستطيع معرفة ما إذا كانت العبوة التي يقترب منها ستنفجر في اللحظة التالية، ومع ذلك كان عليه أن يتقدم بينما يتراجع الجميع.

استشهد محمد لطفي أثناء محاولته التعامل مع إحدى العبوات، لتصبح قصته واحدة من أكثر صور المفارقة وضوحا في الحرب على الإرهاب، إرهابي يزرع العبوة ليحصد الأرواح، ورجل شرطة بطل يقترب منها وهو يعرف أنها قد تحصد روحه، فقط حتى لا تصل إلى الآخرين. وفي هذه المسافة تحديدا يظهر الفرق بين مشروع يصنع الموت ومشروع يحاول منعه.

وائل طاحون.. رجل أمن أصبح هدفا لأنه يطارد الإرهاب

العميد الشهيد وائل طاحون كان من رجال الشرطة الذين واجهوا الجماعات الإرهابية وتعاملوا مع عناصرها، وفي عام 2015 تعرض لعملية اغتيال أثناء توجهه إلى عمله، في جريمة تؤكد أن الإرهاب لم يكن يبحث فقط عن مواجهة رجال الدولة في ساحات الاشتباك، وإنما كان يحاول الوصول إليهم في حياتهم اليومية، واغتيالهم خارج مواقع العمل حتى يضرب المؤسسة من خلال أفرادها.

لكن استهداف طاحون لم يغير طبيعة المهمة التي كان يؤديها رجال الشرطة، بل تحول إلى جزء من سجل طويل دفع فيه ضباط وأفراد حياتهم ثمنا لمواجهة التنظيمات الإرهابية وملاحقة عناصرها.

ساطع النعماني.. سنوات من الألم لم تمح أثر المواجهة

ويأتي الشهيد العميد ساطع النعماني بصورة مختلفة في هذا السجل، بعدما أصيب خلال أحداث عنف في بين السرايات عام 2013، وظل يحمل آثار إصابته ويتلقى العلاج لسنوات، قبل أن يتوفى عام 2018. لم تكن قصته مجرد واقعة إصابة، وإنما نموذج لرجل عاش سنوات بعد المواجهة بجسد يحمل آثارها، بينما ظل اسمه مرتبطا بالصمود في مواجهة العنف.

وفي كل هذه القصص التي تروي نماذج من تضحيات أبطالنا من أجل الوطن وحماية الشعب المصري تظهر الحقيقة نفسها، الإرهاب لا يختار ضحاياه بناء على مكان واحد أو طريقة واحدة، فهو يستهدف الجندي في موقعه، والضابط أمام منزله، وخبير المفرقعات أمام العبوة، وقائد الأمن داخل منطقة ساخنة، لكن اختلاف المكان لم يغير شيئا من جوهر المواجهة.

نبيل فراج.. عندما دخل رجال الدولة إلى أوكار الإرهاب

اللواء الشهيد نبيل فراج يمثل وجها آخر من وجوه المواجهة، فقد شارك في العملية الأمنية التي استهدفت إعادة فرض سيطرة الدولة على كرداسة ومواجهة العناصر المسلحة الموجودة بها، واستشهد خلال العملية.

كانت تلك العمليات رسالة واضحة بأن الدولة لا تكتفي بالدفاع عن مؤسساتها، وإنما تتحرك إلى الأماكن التي تحاول العناصر الإرهابية تحويلها إلى مناطق نفوذ مسلح، وتعيد فرض القانون عليها. وفي هذه المواجهات دفع رجال الشرطة ثمنا باهظا، لكن النتيجة كانت استعادة الدولة لمواقع حاول الإرهاب اختطافها.

عرابو الإرهاب.. أسماء كثيرة ومشروع واحد

في المقابل، لا تقف أمام هذه القائمة أسماء متشابهة في التفاصيل، لكنها تلتقي عند مشروع واحد هو استخدام التنظيم والعنف والسلاح في مواجهة الدولة.

هشام عشماوي أصبح أحد أبرز المطلوبين في قضايا الإرهاب بعد انتقاله من خلفيته العسكرية إلى التنظيمات الإرهابية، وانتهى إلى الإعدام بعد إدانته قضائيا.

وتوفيق فريج ارتبط بتأسيس تنظيم أنصار بيت المقدس، الذي أصبح أحد أخطر التنظيمات المسلحة التي واجهت الدولة المصرية.

أما يحيى موسى وعلاء السماحي، فارتبط اسماهما بحركة "حسم" الإرهابية، الذي تبنى العمل المسلح واستهدف رجال الدولة، في مسار يعكس انتقال الفكر المتطرف من مجرد خطاب إلى تنظيم وخلايا وعمليات واغتيالات.

ورغم اختلاف الأسماء والتنظيمات، فإن النتيجة واحدة، التنظيم أولا، والسلاح وسيلة، والدولة هدف، فهؤلاء تركوا سيرة.. وهؤلاء تركوا ملفات قضايا، الأبطال سقطت أجسادهم وبقيت سيرتهم.. والإرهابيون سقطت مشاريعهم وبقيت جرائمهم في ملفات القضايا.

الشهادة والخيانة.. الاختيار الذي يصنع النهاية
 

هنا تتضح الفكرة التي تختصر سنوات كاملة من الحرب على الإرهاب، لم يكن الفرق بين الشهيد والإرهابي في أن أحدهما حمل السلاح والآخر حمله، وإنما في أن الأول حمله دفاعا عن الدولة، بينما حمله الآخر في محاولة لهدمها.

أحمد منسي لم يترك موقعه عندما أصبح الخطر أكبر من احتماله، ومحمد مبروك لم يتوقف عن ملاحقة الإرهاب رغم معرفته بأنه أصبح هدفا، ورامي حسنين بقي في سيناء، ومحمد لطفي اقترب من العبوات، وساطع النعماني عاش سنوات يحمل إصابته، وغيرهم من رجال القوات المسلحة والشرطة دفعوا الثمن الأكبر لأنهم اختاروا الوقوف في الصف الأول.

وفي المقابل، اختار الإرهابيون طريقا مختلفا، تنظيمات مغلقة، أفكار متطرفة، سلاح موجه إلى أبناء الوطن، ثم مطاردات وسقوط ومحاكمات وأحكام.

هؤلاء اختاروا أن يموتوا من أجل مصر، وهؤلاء اختاروا أن يقتلوا من أجل تنظيماتهم.. فمات الشهداء وبقيت أسماؤهم، وسقط الإرهابيون وسقطت معهم أوهامهم، هذه هي المعركة التي لا تختصرها رصاصة ولا كمين ولا عملية اغتيال إنها معركة بين من آمن أن الوطن هو النهاية، ومن توهم أن التنظيم يمكن أن يكون بديلا عن الوطن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة