رفعت جبر

من سد فجوة الاستيراد إلى السيادة الدوائية.. مصر تبني قلعة للتكنولوجيا والدواء

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 12:00 ص


تخوض الدولة المصرية في المرحلة الراهنة حراكًا استراتيجيًا متكاملًا يتجاوز مفهوم "سد الفجوة الاستيرادية" إلى بناء "سيادة دوائية وتكنولوجية كاملة". وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، لم يعد هذا التوجه يعتمد على استيراد المنتجات أو الاقتصار على التجميع المحلي، بل ارتكز على تحالف استراتيجي ثلاثي الأبعاد: منظومة أكاديمية وبحثية مُبتكرة تتقدمها الجامعات والمراكز القومية، وشراكات ممتدة مع القوى التكنولوجية الصاعدة في الشرق — لا سيما الصين وروسيا — فضلًا عن صروح صناعية قومية كبرى في مقدمتها "مدينة الدواء المصرية (جيبتو فارما)".

ولكي نفهم حجم هذا التحول، يكفي أن ننظر إلى الأرقام الكاشفة؛ ففي حين يُقارب حجم سوق الدواء العالمي نحو 1.9 تريليون دولار، يرتفع حجم السوق المصري بمعدلات قياسية ليبلغ نحو 422 مليار جنيه (ما يعادل 8.5 مليار دولار)، متصدراً المرتبة الـ 26 عالميًا. وقد انعكس هذا النمو في تحقيق معدلات اكتفاء ذاتي من الأدوية الأساسية والمستهلكة محلياً تراوحت بين 80% و91%، بالتوازي مع قفزة في الصادرات الدوائية بلغت 1.3 مليار دولار، في طريقها لتحقيق الهدف الاستراتيجي البالغ 3 مليارات دولار، منها 1.34 مليار دولار موجهة بصفة خاصة للأسواق الأفريقية.

 

الجامعات والمراكز البحثية: العقل المدبر وابتكارات اللقاحات

إن أي نهضة صناعية لا يمكن أن تُبنى بعيدًا عن المعامل الأكاديمية؛ ومن هذا المنطلق، تحولت الجامعات المصرية والمراكز البحثية من الأدوار التقليدية إلى القيام بدور المحرك الأساسي لنقل وتوطين التكنولوجيا. وتتجلى هذه الديناميكية الميدانية في محاور رائدة:
1. رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث الفيروسية المتقدمة:
شهدت المنظومة الأكاديمية طفرة نوعية عبر المخرجات البحثية لرسائل الماجستير والدكتوراه في قسم التقنية الحيوية بكلية العلوم جامعة القاهرة، بالتعاون المباشر مع مركز التميز العلمي لفيروسات الإنفلونزا بالمركز القومي للبحوث، وقطاعات الأبحاث والتطوير (R&D) بكبرى شركات الأدوية؛ حيث أسفرت هذه الشراكات عن نشر أبحاث مرجعية نالت اهتمامًا وتوثيقًا دوليًا على قواعد البيانات العالمية (PMC / PubMed)، ومن أبرزها الدراسة المتقدمة المعنونة: "التوصيف الجيني والإمراضية لفيروس إنفلونزا الطيور شديد الإمراضية A (H5N1) المعزول في مصر"، إضافة إلى أبحاث النانو-تكنولوجيا الدوائية وتطوير البروتينات العلاجية. تناولت هذه الأبحاث تحليل السلالات الفيروسية وتأثيراتها الإمراضية، وتطوير منصات للتنبؤ والتطعيم الوقائي، فضلًا عن تحسين فاعلية المستحضرات الدوائية الحيوية، مما يُوفر ظهيرًا معرفيًا وتطبيقيًا يدعم استقلالية مصر في إنتاج الفاكسينات، واللقاحات، والأدوية الحيوية، ويحد من التبعية للخارج.

 

2. الربط المباشر بالصناعة والتطوير الإكلينيكي:


تُترجم الجامعات والمراكز البحثية هذه المخرجات العلمية ميدانيًا عبر مكاتب نقل وتوفيق التكنولوجيا (TICO) لتسجيل البراءات وتسويقها، إلى جانب التحالفات البحثية القومية بين كليات الصيدلة والعلوم ومصانع الأدوية لإجراء دراسات التكافؤ الحيوي (Bioequivalence Studies) والتجارب الإكلينيكية المتقدمة اللازمة لإقرار المستحضرات البيولوجية.
 

3. الابتكار التشخيصي والعلاجي للقطاع الخاص (نموذج "فاركو"):


يمتد هذا التكامل البحثي ليملأ الفجوة بين الجامعة والقطاع الخاص الوطني الرائد؛ حيث تقود مؤسسات مثل "مجموعة فاركو للأدوية" أبحاثًا متطورة بالتكامل مع الكوادر الأكاديمية لـ تطوير كاشف تشخيصي مبتكر لفيروس الإيبولا، إلى جانب استكمال أبحاث تطوير العلاجات الحيوية المتطورة ومستحضرات الأورام والسكري بالتعاون مع مؤسسات إفريقية ودولية، ما يبرهن على قدرة المنظومة البحثية والصناعية المصرية على ابتكار أدوات تشخيصية وعلاجية تدعم الأمن الصحي القاري.

 

الشراكات الشرقية: نقل المعرفة والتقنيات الحيوية

وفي المقابل، جاءت الشراكات مع الشرق لتغذي هذا المسار الأكاديمي والصناعي؛ فقد تجاوزت الاستثمارات الصينية التراكمية في مصر 10 مليارات دولار عبر أكثر من 3300 شركة، وهو ما ترجمته قطاعات الصحة في نقل تقنيات تصنيع اللقاحات الحيوية بين شركات عملاقة مثل "سينوفاك" ومؤسسة "فاكسيرا" الوطنية، امتدادًا للبرامج والأبحاث الطبية المشتركة مع كبرى الجامعات الصينية لتدريب الباحثين المصريين على تقنيات الهندسة الوراثية والعلاج الجيني.
وعلى الجانب الروسي، يبرز التعاون في توطين الأدوية المعقدة واللقاحات الحيوية بطاقات إنتاجية تُقدر بعشرات الملايين من الجرعات سنويًا، يرافقها مباحثات موسعة لتوطين تقنيات علاج الأورام والتوسع في التخصصات الدوائية المتقدمة.

 

"جيبتو فارما" والقرارات السيادية: البنية التحتية لحماية الأمن القومي

وتكتمل الصورة بالذراع التصنيعي الأحدث للدولة: "مدينة الدواء المصرية (جيبتو فارما)" بالخانكة، والتي تُشكل التطبيق العملي لمخرجات الأبحاث والدراسات الوطنية. فهذه القلعة الصناعية الممتدة على مساحات شاسعة وتضم 15 خط إنتاج مخصصة للأدوية المزمنة والحيوية بطاقة تصل إلى 200 مليون عبوة سنويًا، لا تهدف فقط لتوفير أدوية السكر والضغط والقلب والمضادات الحيوية وحمايتها من تقلبات الأسواق، بل تُدار بأتمتة رقمية كاملة لمنع التدخل البشري وتطبيق أعلى معايير الجودة العالمية (GMP)، مع استهداف تصدير نحو 30% من إنتاجها للأسواق الإقليمية والدولية.


وعلى المستوى السيادي، توّجت الرؤية الرئاسية هذه الخطوات بقرارات حاسمة، لعل أبرزها إطلاق المشروع القومي لتوطين أكبر 50 خامة دوائية استيرادية، تُشكل 78% من فاتورة استيراد المواد الخام، يرافقها التوسع في توطين أدوية الأورام والمستحضرات البيولوجية الحديثة، والمشروع القومي لتجميع وتصنيع مشتقات البلازما لتأمين بروتينات الدم والأدوية الحيوية منقذة للحياة محليًا.


ويقترن ذلك بحوكمة دقيقة بقيادة "هيئة الدواء المصرية" و"هيئة الشراء الموحد"، والتي تكللت بحصول هيئة الدواء على الاعتماد الدولي من منظمة الصحة العالمية وانضمام معاملها للشبكة الأوروبية لرقابة الأدوية، ما يضمن مطابقة الدواء المحلي لأعلى معايير الجودة العالمية وتسهيل نفاذه للأسواق الدولية. وتأتي هذه الخطوات امتدادًا لمبادرات غير مسبوقة لعلاج الأمراض النادرة كضمور العضلات الشوكي، والإنجاز التاريخي بالقضاء على فيروس (سي)، وتوسيع مجمعات تصنيع اللقاحات لـ "فاكسيرا"، وتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل ومبادرات "100 مليون صحة".

 

خاتمة واستشراف مستقبلي

إن القراءة المتأنية لمشهد الدواء والتكنولوجيا في مصر تدل على أننا لسنَا أمام مجرد توسع كمي في الإنتاج، بل أمام إعادة هيكلة جذرية للمنظومة برمتها؛ فالتكامل الوثيق بين قسم التقنية الحيوية بجامعة القاهرة والمركز القومي للبحوث والأبحاث الفيروسية المنشورة علميًا، والقدرات الابتكارية للقطاع الخاص في تطوير الكواشف والعلاجات الحديثة، جنبًا إلى جنب مع القدرات الإنتاجية لـ "جيبتو فارما" والشراكات الشرقية المتقدمة، يضع مصر بثبات على طريق التحول إلى المركز الإقليمي الأول لتصنيع وتصدير الدواء والتكنولوجيا الصحية لنحو مليار نسمة في الشرق الأوسط وأفريقيا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة