لم يكن الصدام بين جماعة الإخوان الإرهابية ومؤسسات الدولة المصرية وليد لحظة سياسية عابرة، ولم يبدأ مع سقوط الجماعة من الحكم في 2013، وإنما تعود جذوره إلى عقود مبكرة من تاريخ التنظيم، حين تبلورت داخل بنيته فكرة موازية لمفهوم الدولة ومؤسساتها، تقوم على بناء تنظيم مغلق شديد الانضباط، له قيادته وتسلسله التنظيمي وأدواته الخاصة، وصولاً إلى تأسيس «النظام الخاص» الذي مثّل نقطة تحول في علاقة الجماعة بالدولة والمجتمع.
وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات تاريخ الإخوان وضوحاً، فبينما ظهرت الجماعة في المجال العام باعتبارها حركة دعوية واجتماعية وسياسية، كانت إلى جوار هذا النشاط بنية سرية مسلحة، وهو ما وثقته دراسات أكاديمية تناولت تاريخ «النظام الخاص» وتطوره داخل الجماعة، معتبرة أن إنشاء هذا الجهاز في أربعينيات القرن الماضي غيّر طبيعة التنظيم ورسخ داخله عقلية العمل السري والصدامي.
من الدعوة إلى التنظيم الموازي.. اللحظة التي تغير فيها معنى الخصومة
تأسست جماعة الإخوان الارهابية في الإسماعيلية عام 1928 على يد حسن البنا، وبدأ نشاطها في إطار دعوي واجتماعي سرعان ما اتسع ليشمل المجال السياسي، لكن تطور الجماعة لم يقتصر على النشاط العلني، إذ ظهر داخلها «النظام الخاص»، وهو جهاز سري ارتبط بالتدريب العسكري والعمل المسلح، وأصبح لاحقاً أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ التنظيم.
وبحسب دراسة أكاديمية متخصصة في تاريخ «النظام الخاص»، فإن الجهاز لم يكن مجرد تفصيل تنظيمي هامشي، بل أدى تأسيسه إلى تكوين كوادر ذات عقلية تنظيمية سرية، وهو ما انعكس على علاقة الجماعة بمؤسسات الدولة والقوى السياسية المنافسة.
وهنا بدأ التحول الأخطر، إذ لم تعد الخصومة مع الحكومة أو السلطة السياسية مجرد تنافس على النفوذ، وإنما أصبح لدى التنظيم جناح قادر على استخدام أدوات مختلفة عن أدوات العمل السياسي التقليدي.
الخازندار.. القضاء يدخل دائرة الاستهداف
في 22 مارس 1948، اغتيل المستشار أحمد الخازندار، الذي كان ينظر في قضايا متهم فيها أعضاء مرتبطون بالتنظيم الخاص، وتوثق الدراسات التاريخية أن عملية الاغتيال شكلت واحدة من أبرز محطات العنف السياسي المرتبطة بالتنظيم السري في تلك المرحلة، لتصبح مؤسسة القضاء نفسها طرفاً مستهدفاً في الصراع.
ولم تكن أهمية الحادث في سقوط قاضٍ فقط، وإنما في الرسالة التي حملها: الحكم القضائي الذي يصدر باسم الدولة يمكن أن يتحول، في منطق التنظيم السري، إلى سبب لاستهداف صاحبه.
وهنا يظهر الفارق بين المعارضة السياسية ومواجهة الدولة؛ فالمعارض يواجه القرار السياسي بأدوات السياسة، بينما يصبح القاضي أو رجل الأمن أو المسؤول التنفيذي هدفاً عندما يتحول الخلاف مع المؤسسة التي يمثلها إلى خصومة مع وجودها ذاته.
النقراشي.. عندما تحول قرار الدولة إلى مواجهة مفتوحة
في 8 ديسمبر 1948 قررت حكومة محمود فهمي النقراشي حل جماعة الإخوان وإغلاق مقارها والتحفظ على ممتلكاتها، في ظل اتهامات مرتبطة بالنشاط السري والعنف السياسي، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، اغتيل النقراشي داخل وزارة الداخلية على يد عبد المجيد أحمد حسن، الذي كان عضواً في التنظيم الخاص، وفق المصادر التاريخية والدراسات التي تناولت الواقعة.
كانت الواقعة أكثر من عملية اغتيال سياسي؛ فقد جرت داخل واحدة من مؤسسات الدولة، واستهدفت رئيس الحكومة نفسه، لتكشف إلى أي مدى أصبح الصراع بين التنظيم والدولة قابلاً للتحول إلى عنف مباشر.
وتكشف وقائع تلك المرحلة أيضاً عن استمرار استهداف مؤسسات العدالة، إذ شهد يناير 1949 محاولة تفجير داخل إحدى المحاكم بهدف تدمير أدلة مرتبطة بملفات التنظيم السري، بحسب الدراسة الأكاديمية التي وثقت نشاط «النظام الخاص».
وبذلك لم يعد الحديث عن خلاف مع حكومة بعينها كافياً لتفسير المشهد؛ فالقضاء والداخلية والحكومة أصبحوا جميعاً في مرمى المواجهة.
1954.. الدولة تدخل المعركة من بوابة محاولة اغتيال عبدالناصر
بعد ثورة يوليو 1952، دخلت العلاقة بين الإخوان والسلطة الجديدة مرحلة مختلفة، فبعد فترة من التعاون والتقاطع السياسي، تصاعد الخلاف بين الطرفين، وانتهى في أكتوبر 1954 إلى محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر في المنشية بالإسكندرية، وهي محاولة ارتبطت وفق الدراسات التاريخية بأعضاء من الجناح شبه العسكري السري للجماعة.
وكانت تلك الواقعة نقطة فاصلة؛ لأنها نقلت الصدام من مواجهة مع حكومة أو قرار إداري إلى محاولة استهداف رأس السلطة السياسية نفسها.
ومنذ تلك اللحظة، دخل الإخوان مرحلة طويلة من الصدام مع الدولة، تخللتها الاعتقالات والمحاكمات والقمع من جانب السلطة، وفي المقابل أعادت الجماعة إنتاج خطابها التنظيمي وأدواتها السرية بدرجات مختلفة.
من «الدولة» إلى «المؤسسة».. الخصومة تتوزع على أكثر من جبهة
مع مرور العقود، لم يعد الصراع محصوراً في السلطة التنفيذية. فقد ظهر في أدبيات المواجهة المتبادلة ملف القضاء، والأجهزة الأمنية، والمؤسسة العسكرية، والإعلام، والبرلمان، وكل مؤسسة تمتلك قدرة على تطبيق القانون أو تنظيم المجال العام.
وتشير دراسة أكاديمية منشورة عبر جامعة كامبريدج إلى أن تجربة «النظام الخاص» خلقت داخل الجماعة كوادر تشكلت في بيئة تنظيمية شديدة السرية، وأن هذه الخلفية ظلت حاضرة في مراحل لاحقة من تاريخ التنظيم، حتى مع التحولات التي طرأت على نشاطه السياسي.
وهنا يمكن فهم أحد مفاتيح الظاهرة، الخلاف لم يكن دائماً حول شخص المسؤول، وإنما حول المؤسسة التي يمثلها؛ فالقاضي يمثل منظومة العدالة، والضابط يمثل جهاز الدولة، والجيش يمثل مؤسسة الدفاع عن الدولة، والحكومة تمثل السلطة التنفيذية.
2013.. عودة الصدام إلى واجهة المشهد
مع وصول محمد مرسي إلى الرئاسة عام 2012، دخل الإخوان للمرة الأولى إلى قمة السلطة التنفيذية بصورة مباشرة، لكن التجربة لم تنه الصراع التاريخي مع مؤسسات الدولة.
وعلى العكس، شهد عام 2012 وما تلاه أزمات حادة مع القضاء، كان من أبرزها الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، والذي منح قرارات الرئيس حصانة من الرقابة القضائية، وهو ما أثار اعتراضات سياسية وحقوقية واسعة، كما شهدت الفترة نفسها صدامات حول دور المحكمة الدستورية ومؤسسات الدولة المختلفة.
وهنا ظهرت مفارقة جديدة، التنظيم الذي ظل لعقود في مواجهة الدولة أصبح هو السلطة، لكنه لم ينجح في تحويل العلاقة مع مؤسسات الدولة إلى علاقة مستقرة قائمة على الفصل بين التنظيم الحزبي ومؤسسات الجمهورية.
بعد 30 يونيو.. من الصراع السياسي إلى استهداف رموز الدولة
بعد الإطاحة بحكم مرسي في يوليو 2013، دخلت مصر مرحلة عنف وإرهاب واسعة، وتعرضت قوات الجيش والشرطة والمنشآت الأمنية لهجمات متصاعدة، خاصة في شمال سيناء، بينما ظهرت تنظيمات مسلحة أعلنت أو نُسبت إليها صلات بأعضاء أو كوادر سابقين في جماعة الإخوان، وفق ما أوردته مصادر رسمية ودراسات وتقارير دولية بدرجات مختلفة من التوثيق.
وفي هذه المرحلة تحديداً، عاد استهداف مؤسسات الدولة إلى الواجهة بصورة أكثر دموية؛ من أقسام الشرطة والمنشآت العسكرية إلى القضاة وأعضاء النيابة.
وكان اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام، في 29 يونيو 2015، من أبرز العمليات التي استهدفت رأس مؤسسة النيابة العامة. وأكدت الأحكام القضائية المصرية في القضية مسؤولية متهمين عن العملية.
كما قامت الجماعة بسلسلة من العمليات التي استهدفت منشآت أمنية وقضائية، بينها تفجير استهدف محيط دار القضاء العالي في مارس 2015، في سياق موجة الإرهاب التي ضربت البلاد آنذاك.
لماذا القضاء تحديداً؟
اختيار القضاء كهدف لم يكن عشوائياً في مراحل الصراع، فالقضاء هو المؤسسة التي تفصل في القضايا، وتصدر الأحكام، وتحدد المسؤوليات القانونية، ولذلك فإن استهداف القاضي أو عضو النيابة لا يضرب شخصاً بعينه فقط، وإنما يوجه رسالة إلى المؤسسة التي يمثلها.
وهذا المعنى ظهر بوضوح في حادث اغتيال الخازندار في الأربعينيات، ثم عاد بصورة مختلفة في استهداف القضاة وأعضاء النيابة بعد 2013، وصولاً إلى اغتيال النائب العام هشام بركات.
الجيش والشرطة.. مؤسستا الدولة في قلب المواجهة
لم يكن الصدام مع الجيش والشرطة أقل وضوحاً، فمنذ مرحلة ما قبل ثورة يوليو وحتى العقود التالية، ظلت علاقة التنظيم بمؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية واحدة من أكثر الملفات حساسية.
وبعد 2013، اتخذ الاستهداف شكلاً أكثر مباشرة، حيث سجلت المصادر الرسمية المصرية عمليات استهدفت أقسام الشرطة والمنشآت الأمنية والتمركزات العسكرية، إلى جانب أبراج ومحولات الكهرباء وبعض المنشآت الحيوية.
لكن من المهم التمييز هنا بين جماعة الإخوان كتنظيم سياسي تاريخي وبين كل جماعة مسلحة ظهرت في مصر بعد 2013؛ فإسناد كل حادث إرهابي إلى الإخوان يحتاج إلى دليل خاص بكل واقعة، وهو ما يفسر اختلاف الروايات بين المصادر الحكومية وبعض المنظمات الحقوقية والدراسات المستقلة.
«عقيدة الكراهية».. كيف تتحول الخصومة إلى تصور شامل؟
عند قراءة هذا التاريخ على امتداد عقود، فإن مصطلح «عقيدة الكراهية» يمكن استخدامه صحفياً لوصف نمط من الخصومة السياسية والتنظيمية يرى في مؤسسات الدولة، عندما تقف في مواجهة المشروع التنظيمي، عائقاً ينبغي تحييده أو مواجهته، بدلاً من اعتبارها مؤسسات وطنية مستقلة يمكن التنافس معها داخل قواعد الدولة والقانون.
المشكلة هنا ليست في مجرد اختلاف الإخوان مع حكومة أو رئيس، فالاختلاف السياسي طبيعي في أي مجتمع، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها وجود المؤسسة ذاتها موضع خصومة، فيتحول القاضي من صاحب حكم مختلف إلى خصم، والشرطة من جهاز قانوني إلى هدف، والجيش من مؤسسة وطنية إلى طرف في معركة، والدولة من إطار جامع إلى منافس على الشرعية.
وهذه النقطة تحديداً تفسر استمرار حضور «النظام الخاص» في قراءة تاريخ الجماعة، لأن تأسيس بنية سرية مسلحة داخل تنظيم يعمل في المجال العام خلق منذ وقت مبكر ازدواجية بين التنظيم العلني والتنظيم السري، وبين العمل السياسي وأدوات القوة.
من اغتيال الخازندار إلى بركات.. التاريخ يكشف نمطاً لا حادث منفرد
الفارق الزمني بين اغتيال الخازندار عام 1948 واغتيال هشام بركات عام 2015 يقارب سبعة عقود، لكن الرابط بين الواقعتين في القراءة التاريخية هو استهداف رجل يمثل مؤسسة العدالة بسبب دوره المؤسسي.
وبين الواقعتين وقعت محطات أخرى شديدة الدلالة: اغتيال النقراشي، محاولة اغتيال عبدالناصر، ثم موجات الصدام التي أعقبت عودة الإخوان إلى المجال السياسي في العقود اللاحقة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد 2013.
لذلك فإن اختزال علاقة الإخوان بالدولة في خلافات السنوات الأخيرة يبتسر تاريخاً طويلاً من التوتر والصدام. وفي الوقت نفسه، فإن اختزال كل هذا التاريخ في تفسير واحد يتجاهل التحولات الداخلية التي مرت بها الجماعة واختلاف مراحلها وقياداتها واستراتيجياتها.
الخلاصة.. عندما يصبح التنظيم بديلاً عن الدولة
جوهر الأزمة التاريخية لا يكمن فقط في أن الإخوان اختلفوا مع حكومات متعاقبة، وإنما في طبيعة العلاقة التي نشأت بين التنظيم ومفهوم الدولة نفسها، فالدولة الحديثة تقوم على مؤسسات مستقلة، وقواعد قانونية، وتسلسل واضح للسلطة، واحتكار مؤسساتها الرسمية لاستخدام القوة وفق القانون، أما التنظيم المغلق فيقوم على الولاء الداخلي، والتدرج التنظيمي، والسرية، والطاعة، وعندما تتقدم قواعد التنظيم على قواعد الدولة، يتحول الخلاف السياسي تدريجياً إلى صراع على من يملك القرار ومن يحدد الشرعية.
ومن هنا يمكن قراءة محطات تاريخية متباعدة ــ من «النظام الخاص» واغتيال الخازندار والنقراشي، إلى محاولة اغتيال عبدالناصر، ثم استهداف رموز القضاء والأمن في السنوات التالية ــ باعتبارها حلقات في تاريخ طويل من العلاقة المتوترة بين تنظيم يسعى إلى امتلاك المجال العام ومؤسسات هي صاحبة الاختصاص الحصري في إدارة هذا المجال للحفاظ على طبيعة الدولة الوطنية.