البدوى محمد

الريف المصري مستودع القيم.. نظرة على العلاقة بين الجغرافيا والإنسان

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 12:00 ص


هل تصنع الجغرافيا الإنسان؟ أم أن الإنسان هو الذي يصنع المكان ويمنحه معناه؟ سؤال قديم لا توجد له إجابة حاسمة، لكن بعض الأماكن تغرينا بأن نتأمل العلاقة بينهما، ومحافظة كفر الشيخ واحدة من هذه الأماكن؛ إذ يصعب أن نشاهد عددا من أعلامها دون أن نتساءل عما إذا كان للمكان نصيب من تكوينهم، أو إن كان بعض أبنائه قد حملوا معهم شيئا من روحه حين خرجوا إلى الفضاء الكبير.

الجغرافيا تصنع جوانب متعددة من شخصية الإنسان بصورة حتمية؛ ومع ذلك فالإنسان ابن موهبته وتربيته وتجربته الخاصة واختياراته الشخصية، المكان يمنح الإنسان مناخا نفسيا وثقافيا واجتماعيا يترك أثرا كبيرا في تجربته ورؤيته للحياة، وكفر الشيخ بأرضها الزراعية الخصبة، ومياهها الهادئة، وامتداد ريفها عبر أفق لا ينتهي، واستقرار الإنسان فيها مع الأرض ومواسم الزراعة والحصاد، تبدو بيئة شديدة الصلة بفكرة التفاعل بين الجغرافيا والإنسان.

ولعل ذلك يظهر بوضوح في نخبتها الأدبية والفنية؛ ففي الدراما، يأتي أسامة أنور عكاشة الذي لم يجعل المجتمع المصري مجرد خلفية لحكاياته، بل جعله بطلا كاملا؛ الأسرة والوطن والطبقة الوسطى والتحولات الاجتماعية وصراع القيم، وإلى جواره محمد جلال عبد القوي، الذي جعل العلاقات الإنسانية والقيمة والاختيارات الأخلاقية مادة أساسية في دراماه، ومعهم إسماعيل عبد الحافظ الذي حمل المجتمع المصري وريفه وتحولاته إلى الشاشة بعين قريبة من الإنسان.

وفي الأدب، يقف خيري شلبي، الذي دخل إلى الريف من بابه الإنساني، فأعطى البسطاء والهامشيين حقهم في الحضور، وحوّل الحكاية الشعبية إلى ذاكرة للمكان والناس، ويأتي فاروق جويدة من عالم الشعر، حيث الحب والحرية والكرامة والوطن والجمال طريقا إلى القيمة، ثم عبد الوهاب مطاوع، الذي اختار منطقة أكثر سكينة والرحمة؛ فكانت كتاباته انتصارا للضمير والتسامح وفهم الإنسان في ضعفه وحيرته وألمه.

وفي المسرح والتمثيل نجد كرم مطاوع ومحمد الدفراوي ومصطفى متولي، وفي الموسيقى والغناء محمد الموجي ومحمد رشدي؛ مواهب مختلفة، لكنها تلتقي في الاقتراب من الوجدان المصري وصوته وذاكرته وبيئته الزراعية التي صنع طميها روحا فريدة تجمع كل أبنائها في شتى المجالات.

وتبدو مدينة بيلا نموذجا بالغ الدلالة؛ فمنها خرج أبو العينين شعيشع، أحد أعلام التلاوة المصرية، وعبد السلام أمين، الذي جمع بين الشعر والأغنية والدراما والروح الدينية والوطنية، إلى جانب الملحن محمد الموجي والفنان مصطفى متولي، وكأن مدينة واحدة تختزن في ذاكرتها طبقات متعددة من جمال الملامح المصرية.

ثم يأتي أحمد نعينع من مطوبس، ليضيف إلى الصورة عمقا روحيا داخل دولة التلاوة المصرية، بينما يضيف أحمد زويل، الذي وُلد في دمنهور ونشأ وتعلم في دسوق، وأن برهن على أن الإنسان يستطيع أن يحمل ذاكرة المكان إلى أوسع آفاق العلم، هنا تتعدد المواهب والمجالات، لكن يبدو أن خيطا واضحا يجمع كثيرا عن علاقة الأرض بالإنسان والذاكرة والجمال والقيمة.

ربما لا نستطيع أن نقول إن الطمي أنجب الأدباء، أو إن هدوء شمال الدلتا ورحابة مساحتها الخضراء صنع الفنانين؛ لكن يمكننا أن نتأمل كيف تمنح الأرض أبناءها إيقاعا خاصا في النظر إلى الحياة؛ فالأرض التي يزرعها الفلاح وتنتظر موسمها، والماء الذي يمنحها الحياة، والاستقرار الذي يجعل المكان ذاكرة لا مجرد عنوان، قد تخلق علاقة أكثر عمقا بالزمن والإنسان والحكاية.

لهذا لا تبدو كفر الشيخ، في هذا التأمل، مجرد محافظة أنجبت مشاهير؛ وإنما مستودعا للقيم الريفية الأصيلة؛ أرضا أخصبها النيل، وشكلتها الزراعة والاستقرار، وربما تركت في بعض أبنائها ميلا إلى الإنسان قبل النفوذ، وإلى الجمال قبل الشهرة، وإلى الحضور قبل القطيعة مع الماضي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة