سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 15 سبتمبر 1956 ..محمود يونس ورفاقه ينجحون فى إفشال مؤامرة انسحاب المرشدين والموظفين الأجانب من القناة لتعطيل الملاحة وجماهير محتشدة تهتف لأبطال الحدث

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 15 سبتمبر 1956 ..محمود يونس ورفاقه ينجحون فى إفشال مؤامرة انسحاب المرشدين والموظفين الأجانب من القناة لتعطيل الملاحة وجماهير محتشدة تهتف لأبطال الحدث  محمود يونس

كان الوقت صباح الأربعاء، 12 سبتمبر 1956، حين طلب بول ريمون، مدير الملاحة الفرنسى فى قناة السويس، وأكبر الموظفين الأجانب فيها، مقابلة المهندس محمود يونس قائد عملية تأميم شركة قناة السويس يوم 26 يوليو 1956، وجرت المقابلة وكان «يونس» يعرف موضوعها مقدما، وهو تنفيذ مؤامرة انسحاب المرشدين والموظفين الفنيين الأجانب العاملين بالقناة لإيقاع مصر فى مأزق عجز إدارتها بعد تأميمها، مما يفتح الباب أمام التدخل الدولى لتدويل القناة، ونسف قرار التأميم، حسبما يذكر المهندس عبدالحميد أبوبكر مساعد محمود يونس فى عملية التأميم فى مذكراته «قناة السويس والأيام التى هزت الدنيا».

بدأ «ريمون» حديثه لـ«يونس» قائلا: «إن الموظفين والعمال الأجانب ليسوا راضين عن معاملة الإدارة الجديدة «المصرية» لهم، ولذلك قرروا الانسحاب ابتداء من منتصف ليلة 14/15 سبتمبر 1956»، رد «يونس»: «مستر ريمون.. أنا أعرف تماما الأسباب التى أملت عليكم اتخاذ هذا القرار، وأعرف أكثر يا مستر ريمون أنك ترجو من أعماق نفسك لو بقيت فى العمل سنوات وسنوات، لكن إزاء الرغبة التى أبديتها نيابة عن زملائك، لا يسعنى إلا أن أتمنى لك حياة سعيدة».
انتهى الحوار، واتجه «ريمون» نحو باب الغرفة، فلحقه «يونس» بكلمة وداع تحمل معنى، يذكرها «أبوبكر»، قائلا: «مستر ريمون..إننا على استعداد لأن نساعدكم فى تذليل كل الصعاب التى يمكن أن تواجه رحيلكم، مثل إجراءات الجوازات أوالضرائب»، وابتسم «ريمون» شاكرا وخرج.

كانت ثقة «يونس» تخفى خطة سرية للغاية لمواجهة المؤامرة، ويعرفها أربعة رجال فقط من فريق التأميم وهم، محمود يونس وعبدالحميد أبوبكر وعزت عادل ومشهور أحمد مشهور، وتمت مناقشتها تفصيليا مع جمال عبدالناصر، ويوضحها «أبوبكر» قائلا: إنها قامت على خمسة إجراءات هى تغيير نظام عبور القوافل من أربعة إلى قافلتين، وتغيير نظام المرشدين وكان من بينهم 11 مرشدا يونانيا رفضوا الخضوع للضغوط وقرروا الاستمرار فى العمل بالإضافة إلى آخرين فنيين، ويعلق «أبوبكر» على موقفهم، قائلا: «كان هذا القرار مهما جدا بالنسبة لنا، وهو قرار وموقف عظيم لا يمكن أن تنساه لهم مصر».

كان ثالث إجراء هو «رفع الحمولات المقررة للمرشدين»، أما الرابع فكان «توفير كل وسائل الراحة للمرشدين، بحيث يركزون جهدهم وقوتهم البدنية لعملية الإرشاد فقط»، أما الإجراء الخامس فكان، اختيار المصريين الذين سوف يحلون محل الموظفين الأجانب، خاصة فى مكاتب حركة الملاحة ومحطات الإرشاد، وقباطنة القاطرات، ويؤكد «أبوبكر»: «وضعنا جميع التفاصيل اللازمة، ولم نترك أى احتمال للظروف، حددنا لكل فرد مسؤولياته وسلطاته، وتم سد كل الثغرات، ولم يبق أمامنا إلا انتظار ساعة الصفر للتنفيذ».

حانت ساعة الصفر عند منتصف ليلة 14/15 سبتمبر 1956، ويتذكرها «أبوبكر» الذى وصل مع محمود يونس وعزت عادل إلى بورسعيد قبلها بدقائق، قائلا: «عند منتصف الليل تماما، بدأ انسحاب الأجانب من مواقع العمل، وكان علينا أن نسير القناة بحوالى 28% من مرشديها وموظفيها، وبحوالى 15% من مرشديها»، يضيف: «ترك المرشدون الأجانب السفن، وعلى وجوههم ابتسامة السخرية والتحدى، كنت تسمع عبارات الإشفاق على المتهورين المجازفين، الذين بلغت بهم الجرأة حد التفكير فى تشغيل المرفق من دون أربابه».

لم يخل الأمر من مفاجآت مع بداية تنفيذ خطة المواجهة بعبور 39 سفينة، 13 من بورسعيد و26 من السويس، ويذكر «أبوبكر» هذه المفاجآت قائلا: «فوجئنا بثلاث سفن تطلب الدخول، وكانت تمر خارج ميناء بورسعيد، وخط سيرها لا يتضمن عبور القناة، لكن تلقت تعليمات بتغيير المسار ودخول القناة لإرباك الملاحة، وقررنا إدخالهم لتفويت فرصة التشهير عالميا بعجزنا فى حالة الرفض، وكانت مفاجأة أخرى، وجود ضباب فى المنطقة ومداها 2 كيلو متر، لكن المرشدين أكدوا أنه يمكنهم إرشاد السفن فى هذه المسافة».

يذكر «أبوبكر»، أنه فى تمام الساعة الثانية والنصف صباح 15 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1956، بدأت أول سفينة تدخل القناة، ويصف المشهد قائلا: «كنا من فوق البرج نشاهد جماهير الشعب تحتشد على القناة وعلى طول اللسان الممتد فى الماء، ونشاهد المرشدين والموظفين الأجانب وعائلاتهم على سطح النادى الفرنسى المطل على القناة وبوغاز بورسعيد منتظرين أن نفشل ليتدخلوا من جديد لإدارة القناة، وكنا نشاهد عشرات الصحفيين من جميع بقاع العالم منتظرين دخول قافلة السفن، وفجأة سمعنا دويا هائلا لجماهير تصرخ وتهتف من قلوبها بالفرح، كانت روحا وطنية عظيمة، كل فرد يعتبر نجاح العملية نجاحا يخصه، وكان يخيل إلى أنهم يريدون النزول إلى القناة ليساعدوا على دفع السفن بإيديهم، وبدأت السفن تدخل القناة، كان المرشدون والموظفون الأجانب فى حالة ذهول وحسرة وألم، فقد ضاعت منهم كل هذه الكنوز إلى الأبد».

يضيف «أبوبكر»: «بعد أن دخلت السفن القناة، غادرنا يونس وعادل وأنا حوالى الساعة الرابعة صباحا بورسعيد إلى الإسماعيلية، وعلى طول القناة بعد بورسعيد كان المشهد مثيرا، ما زالت الجماهير متراصة تهتف وتحيى المرشدين».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة