"الوطن والوعى الجمعى" كيف يمثل استقرار الدولة المصرية تهديدًا وجوديًا لجماعة الإخوان الإرهابية؟.. مؤسسات قوية ومواطن أكثر وعيًا يسقطان رهانات التنظيم على الفوضى.. ويكشفان صدامه المستمر مع مفهوم الدولة الوطنية

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 02:00 م
"الوطن والوعى الجمعى" كيف يمثل استقرار الدولة المصرية تهديدًا وجوديًا لجماعة الإخوان الإرهابية؟.. مؤسسات قوية ومواطن أكثر وعيًا يسقطان رهانات التنظيم على الفوضى.. ويكشفان صدامه المستمر مع مفهوم الدولة الوطنية جماعة الإخوان الإرهابية

كتب: عزوز الديب

لم تكن جماعة الإخوان الإرهابية في صدامها الممتد مع الدولة مجرد تنظيم يسعى إلى الوصول للسلطة ثم الاحتفاظ بها، وإنما ارتبط مشروعها منذ البداية برؤية تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وتضع التنظيم وأفكاره ومرجعيته فوق مفهوم الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا يصبح استقرار الدولة، بما يعنيه من مؤسسات قوية ووعي وطني متماسك ومواطن يدرك طبيعة مصالح بلاده، تحديًا وجوديًا أمام التنظيم، لأنه يغلق المساحات التي طالما حاول النفاذ منها إلى المجتمع.

فالجماعات التي تقوم على فكرة التنظيم المغلق تحتاج بطبيعتها إلى بيئة مضطربة، ومساحات رمادية بين الدولة والمجتمع، وأزمات تسمح بإعادة إنتاج خطاب المظلومية واستدعاء الخوف والشك، بينما يمثل استقرار مؤسسات الدولة وانحسار الأزمات وتماسك المجتمع عائقًا أمام هذه الأدوات، بعدما يصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين محاولات توظيف الأزمات لضرب الدولة من الداخل.

الدولة المستقرة تسحب البساط من خطاب الجماعة

على مدار سنوات، اعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية على تقديم نفسها باعتبارها طرفًا يمتلك تفسيرًا خاصًا للدين والسياسة والمجتمع، وسعت إلى بناء شبكة اجتماعية وتنظيمية تجعل الولاء للتنظيم جزءًا من هوية أعضائه وأنصاره، غير أن الدولة القوية تعيد ترتيب هذه العلاقة، إذ يصبح الانتماء الوطني والمؤسسات الدستورية والقانونية هو الإطار الجامع للمواطنين، وليس الولاء لتنظيم مغلق أو لمرجعية تتجاوز مؤسسات الدولة.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة الاستقرار بالنسبة إلى التنظيم، فالدولة المستقرة لا تترك فراغًا سياسيًا أو اجتماعيًا يسهل على الجماعة ملأه، كما أن تحسن قدرة مؤسساتها على تقديم الخدمات وحماية الأمن وإدارة الأزمات يقلل من فرص استغلال المشكلات اليومية في صناعة خطاب يقوم على التشكيك والتحريض واستدعاء الغضب.

الوعي الجمعي.. الحائط الأصعب أمام التنظيم

لم تعد المواجهة مع الجماعة مرتبطة فقط بالإجراءات الأمنية أو القانونية، وإنما أصبحت في جانب مهم منها معركة وعي، فكلما امتلك المواطن القدرة على قراءة الأحداث في سياقها، وفهم الفرق بين النقد السياسي ومحاولات هدم الثقة في الدولة، أصبح من الصعب تمرير الرسائل التي تعتمد على الشائعات أو اجتزاء الوقائع أو إعادة تدوير المظلومية.

والوعي هنا لا يعني الاتفاق على كل سياسات الحكومة أو غياب النقد، وإنما يعني إدراك الفارق الجوهري بين الدولة باعتبارها الإطار الجامع للمجتمع، وبين أي جماعة أو تنظيم يحاول احتكار الحقيقة أو تقديم نفسه باعتباره الوصي على المجتمع.

ومن هذه الزاوية، فإن الوعي الجمعي يمثل خط الدفاع الأهم؛ لأن التنظيم يستطيع تغيير أدواته وخطابه وواجهاته، لكنه يصبح عاجزًا عن اختراق مجتمع يمتلك مناعة فكرية تجاه خطاب الاستقطاب، ويعرف أن الخلاف السياسي لا يعني إسقاط الدولة، وأن الإصلاح لا يساوي الفوضى، وأن محاسبة المسؤولين لا تعني هدم مؤسسات الدولة.

من استغلال الأزمات إلى صناعة الأزمات

تاريخ الجماعة يكشف أهمية الأزمات بالنسبة إلى خطابها السياسي والتنظيمي؛ فالأزمات توفر أرضية خصبة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها البديل، حتى لو كانت الجماعة نفسها جزءًا من المشهد الذي أنتج الأزمة أو استفادت من تداعياتها.

ولهذا فإن استقرار الدولة لا يعني فقط تحسن المؤشرات الاقتصادية أو تراجع معدلات التوتر السياسي، وإنما يعني أيضًا تراجع قدرة التنظيم على صناعة رواية بديلة عن الواقع. فحين تصبح مؤسسات الدولة حاضرة، والمعلومات متاحة، والمواطن أكثر وعيًا، تتراجع قدرة الجماعة على احتكار تفسير الأحداث أو تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة.

التنظيم أمام معضلة «الدولة أم الجماعة»

المشكلة الأعمق في علاقة الإخوان بالدولة الوطنية ترتبط بمسألة الولاء والمرجعية، فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة وسيادة القانون واحتكار المؤسسات الرسمية لأدوات إدارة الشأن العام، بينما يقوم التنظيم المغلق على هرمية داخلية ومرجعية تنظيمية ودوائر ولاء خاصة.

وهنا يظهر التناقض بصورة أكثر وضوحًا: كلما ترسخت فكرة المواطنة، تراجعت قدرة التنظيم على فرض هويته الخاصة على أعضائه وأنصاره، وكلما تعززت ثقة المواطن في مؤسسات دولته، أصبح أقل استعدادًا لاستبدال هذه المؤسسات بتنظيم يقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع فوق الدولة.

سقوط احتكار «البديل»

أحد أهم التحولات التي تفرضها الدولة المستقرة هو إسقاط فكرة أن الجماعة تمثل البديل الوحيد القادر على إدارة المجتمع، فهذه الفكرة لا تعيش إلا في بيئة تسمح بالتعميم والمبالغة واستثمار الغضب الشعبي، بينما تفرض الدولة المستقرة واقعًا أكثر تعقيدًا، يقوم على تعدد القوى والمؤسسات والمصالح، ويمنع أي تنظيم من اختزال المجتمع في نفسه.

ومن هنا فإن معركة الجماعة الحقيقية ليست فقط مع الحكومات المتعاقبة، وإنما مع تطور مفهوم الدولة في وعي المواطن. فكلما أصبح المواطن أكثر ارتباطًا بفكرة الدولة الوطنية، وأقل قابلية للاستقطاب الديني والسياسي، تآكلت المساحة التي يمكن للتنظيم أن يتحرك فيها.

الاستقرار ليس مجرد إنجاز سياسي.. بل تحصين للمجتمع

ولهذا، فإن الحفاظ على استقرار الدولة لا يجب أن يُفهم باعتباره ملفًا أمنيًا فقط، بل باعتباره مشروعًا متكاملًا لبناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة محاولات الاختراق الفكري والسياسي، فالتعليم، والإعلام المسؤول، والخطاب الديني المعتدل، والعدالة الاجتماعية، ورفع كفاءة المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية المشروعة، كلها عناصر تصنع مواطنًا أقل قابلية للاستقطاب وأكثر تمسكًا بالدولة الوطنية.

وفي المقابل، فإن أي مساحة من الإحباط أو غياب المعلومات أو ضعف الثقة يمكن أن تتحول إلى مدخل تستغله التنظيمات التي تتغذى على الأزمات. ولذلك فإن مواجهة الفكر الإخواني لا تنتهي بإسقاط مشروع سياسي، وإنما تتطلب تجفيف البيئة التي تسمح بإعادة إنتاجه.

عندما يصبح الوطن أقوى من التنظيم

ومن المؤكد أن التهديد الأكبر الذي يمثله استقرار الدولة بالنسبة إلى جماعة الإخوان الإرهابية لا يتعلق فقط بفقدانها القدرة على الوصول إلى السلطة، وإنما بفقدانها البيئة التي تسمح لها بإقناع المواطن بأن الولاء للتنظيم يمكن أن يتقدم على الولاء للوطن.

فالدولة القوية لا تواجه التنظيم فقط بأجهزتها ومؤسساتها، وإنما تواجهه أيضًا بوعي مواطنيها. وكلما أصبح الانتماء الوطني أكثر رسوخًا، والمؤسسات أكثر حضورًا، والمواطن أكثر قدرة على التمييز بين المعارضة والإسقاط، وبين الإصلاح والفوضى، وبين الدين كقيمة روحية والتنظيم السياسي كأداة للهيمنة، أصبح مشروع الجماعة أكثر انكشافًا وأقل قدرة على إعادة إنتاج نفسه.

وهنا تحديدًا تتضح المعادلة: استقرار الدولة لا يسلب الجماعة قدرتها على الوصول إلى السلطة فحسب، وإنما يهدد الأساس الفكري والاجتماعي الذي يسمح لها بالبقاء مؤثرة في المجتمع؛ لأن التنظيم يعيش على فكرة أن الدولة قابلة للاختراق، بينما يثبت الوعي الجمعي أن الوطن أكبر من أي تنظيم، وأن مؤسسات الدولة لا يمكن اختزالها في جماعة أو فصيل أو مشروع عابر للحدود.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة