"الإخوان بين صراع النفوذ وحرب الوعي" الانقسامات تضرب مركزية التنظيم.. ومنابر تتبدل لصناعة الروايات وتوجيه الانطباعات وإرباك الجمهور بسلسلة من المواد تصب في نفس الاتجاه وتشكل رواية الجماعة دون أن تحمل توقيعها

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 04:00 م
"الإخوان بين صراع النفوذ وحرب الوعي" الانقسامات تضرب مركزية التنظيم.. ومنابر تتبدل لصناعة الروايات وتوجيه الانطباعات وإرباك الجمهور بسلسلة من المواد تصب في نفس الاتجاه وتشكل رواية الجماعة دون أن تحمل توقيعها الاخوان

كتب: عزوز الديب

لم تعد أزمة جماعة الإخوان الإرهابية مجرد فصل جديد من الخلافات التي عرفها التنظيم على مدار تاريخه، كما لم يعد من الممكن اختزال المشهد في صراع بين أسماء أو جبهات تتنافس على موقع قيادي، فالتطورات التي شهدتها الجماعة خلال السنوات الأخيرة تكشف عن أزمة أعمق تمس جوهر البناء التنظيمي نفسه، بعدما تراجعت قدرة المركز الواحد على إدارة شبكة ممتدة خارج الحدود، وظهرت مراكز نفوذ متعددة تتنازع حق التحدث باسم التنظيم وتحديد اتجاهه ومستقبل مؤسساته.

وفي الوقت نفسه، لم تقف تداعيات هذا التفكك عند حدود البنية الداخلية، وإنما انعكست على الأدوات التي تستخدمها الجماعة في معركتها الإعلامية، فمع تراجع قدرة المنابر التقليدية على احتكار الخطاب، انتقلت الجماعة إلى فضاء أكثر اتساعًا وتعقيدًا، تتعدد فيه الحسابات والمنصات والمواقع، وتتداخل فيه الأدوار بين إنتاج المحتوى وإعادة تدويره ودفعه إلى صدارة المشهد، لتصبح المعركة في جانب كبير منها معركة على تشكيل الانطباع العام قبل أن تكون معركة لإيصال خبر أو موقف سياسي.

حين سقطت فكرة «المركز الواحد»

لعقود، استفادت جماعة الإخوان من بنية تنظيمية تقوم على قدر كبير من المركزية والتدرج والانضباط الداخلي، وهو ما منح القيادة قدرة على توجيه القواعد والأفرع وإدارة الخلافات بعيدًا عن المجال العام، لكن التحولات التي تعرض لها التنظيم خلال العقد الأخير كسرت الكثير من هذه المعادلة، بعدما أصبحت قياداته موزعة بين دول متعددة، وتداخلت الاعتبارات التنظيمية مع موازين نفوذ جديدة فرضها واقع الخارج، ومن هنا بدأت المشكلة تتجاوز سؤال «من يقود؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «من يملك أصلًا حق القيادة؟».

ففي ظل تعدد مراكز التأثير، لم تعد الشرعية التنظيمية مرتبطة بالضرورة بموقع واحد أو مؤسسة واحدة، وأصبحت كل جبهة مطالبة بإثبات قدرتها على تمثيل الجماعة وامتلاك أدوات القرار، وهو ما حوّل الخلاف من منافسة على الأشخاص إلى صراع على المرجعية ذاتها.

وتكشف الخريطة الخارجية للتنظيم عن بروز جبهات ارتبطت بمراكز مختلفة، من بينها لندن وإسطنبول، إلا أن اختزال المشهد في هاتين الجبهتين لا يعبر عن عمق الأزمة، لأن الخلاف امتد إلى المؤسسات واللجان واللوائح وآليات اختيار القيادات وحدود سلطاتها، بما جعل الصراع يدور حول قواعد إدارة التنظيم أكثر من دورانه حول أسماء بعينها.

الانقسام لم يعد فوقيًا.. بل بدأ يغير خريطة التنظيم

الاختبار الأصعب بالنسبة للجماعة لا يتمثل فقط في وجود خلاف بين قياداتها، وإنما في قدرة هذا الخلاف على الانتقال إلى المستويات الأدنى من البناء التنظيمي، فالتنظيم الذي قام تاريخيًا على فكرة التدرج ووحدة التوجيه يجد نفسه أمام واقع تتعدد فيه الرسائل القادمة من مراكز مختلفة، بما يفتح المجال أمام الأفرع والكيانات المرتبطة به لاختيار مواقفها وفقًا للجهة التي ترى أنها تمثل المرجعية الشرعية.

وهنا يصبح الانقسام أكثر خطورة؛ لأن التنظيم يستطيع احتواء خلاف بين شخصين أو مجموعة من القيادات، لكنه يواجه أزمة أكبر عندما يتحول الخلاف إلى تعدد في مصادر القرار.

ومع كل محاولة لإعادة ترتيب المؤسسات أو تفعيل اللجان أو إعادة توزيع المسؤوليات، يبقى السؤال المركزي دون إجابة حاسمة: من يملك القرار النهائي؟ ومن يستطيع إلزام الآخرين به؟

ولهذا تبدو محاولات استعادة التماسك أقرب إلى إدارة آثار الانقسام منها إلى إنهاء أسبابه، خصوصًا أن السنوات الماضية أنتجت مراكز نفوذ ومصالح يصعب إعادتها ببساطة إلى صيغة القيادة الواحدة التي عرفها التنظيم في مراحل سابقة.

من أزمة القيادة إلى أزمة الخطاب

ولأن التنظيم لم يعد قادرًا على العمل من خلال مركز واحد بالدرجة نفسها التي كان عليها سابقًا، تغيرت كذلك طبيعة أداته الإعلامية.

في الماضي، كان يمكن تتبع الخطاب الإخواني عبر منابر وقنوات وواجهات معروفة، أما اليوم فقد أصبح المشهد أكثر تشابكًا؛ منشور يبدأ من حساب، ومقطع فيديو يعاد نشره عبر صفحات متعددة، وصورة تُقتطع من سياقها، وتعليق يتحول إلى عنوان، ثم تنتقل الفكرة نفسها من منصة إلى أخرى حتى تبدو وكأنها موقف مستقل يتكرر تلقائيًا في المجال العام.

وهنا تكمن النقلة الأهم: لم يعد الهدف دائمًا أن تصل رسالة تحمل اسم الجماعة إلى الجمهور، وإنما أن تصل الفكرة نفسها من دون أن تبدو بالضرورة صادرة عن مصدر واحد.

وهذه الآلية تجعل المعركة الإعلامية أكثر تعقيدًا، لأن المتلقي لا يواجه في كل مرة خطابًا سياسيًا واضح الهوية، وإنما يواجه سلسلة من المواد المتفرقة التي تصب في الاتجاه نفسه، ومع تكرارها تتشكل رواية كاملة يصعب فصل عناصرها عن بعضها.

صناعة الانطباع بدلًا من صناعة الخبر

الأخطر في هذا التحول أن الرواية لا تحتاج دائمًا إلى اختراع واقعة من الأساس، فقد تبدأ من حدث حقيقي، لكن يتم انتزاعه من سياقه وإعادة تفسيره وربطه بأحداث أخرى، حتى يتحول من واقعة محددة إلى دليل مزعوم على أزمة شاملة.

فقد تكون هناك مشكلة في قطاع معين، أو قرار أثار جدلًا، أو أزمة محدودة، لكن المعالجة الدعائية تعيد ترتيب هذه الوقائع بحيث تبدو أجزاء من قصة واحدة، ويصبح المطلوب من الجمهور ألا يرى الحدث في حدوده الحقيقية، وإنما من خلال تفسير محدد تم بناؤه مسبقًا، وبذلك يتحول الإعلام من وسيلة لنقل الحدث إلى أداة لإنتاج معنى معين للحدث.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية الصورة والعنوان والفيديو القصير؛ فالمحتوى الرقمي لا يمنح المتلقي دائمًا الوقت الكافي للبحث عن المصدر أو مراجعة التاريخ أو قراءة التفاصيل، بينما يمكن لجملة واحدة أو صورة قديمة أو مقطع مبتور أن تمنح الواقعة دلالة مختلفة تمامًا.

المعركة لم تعد على المعلومة فقط.. وإنما على الثقة

ومع تضخم حجم المحتوى المتداول، يصبح الخطر أكبر من مجرد انتشار معلومة مضللة، لأن التكرار المستمر للروايات المتناقضة يمكن أن يقود إلى نتيجة أكثر خطورة: إضعاف ثقة المواطن في فكرة الحقيقة نفسها، فعندما يجد المستخدم أمامه عشرات الروايات حول الواقعة ذاتها، وبعضها صحيح وبعضها مبتور وبعضها مضلل، قد يصل في النهاية إلى قناعة بأن جميع الأطراف تكذب وأنه لا توجد رواية يمكن الوثوق بها.

وهنا تحقق الدعاية هدفًا مختلفًا؛ ليس بالضرورة أن تجعل الجمهور يصدق روايتها، وإنما أن تجعله يشك في كل الروايات الأخرى.

وهذه النقطة هي الأخطر في بيئة إعلامية تتحرك فيها الأخبار بسرعة تفوق قدرة التحقق، لأن الانطباع الأول قد يترسخ قبل ظهور التصحيح، وقد يظل أثر الصورة أو الفيديو أو العنوان قائمًا حتى بعد كشف حقيقة السياق الذي أُخذ منه.

تعدد المنصات.. انعكاس لتعدد مراكز النفوذ

وبالنظر إلى المشهد بصورة أوسع، فإن التحول الإعلامي داخل دوائر الإخوان لا يبدو منفصلًا عن أزمتها التنظيمية، بل يعكسها بدرجة كبيرة.

فكما لم يعد التنظيم يتحرك من مركز واحد للقرار، لم تعد رسائله الإعلامية تمر بالضرورة من قناة واحدة أو منصة واحدة، وكما ظهرت مراكز نفوذ متنافسة، ظهرت مساحات إعلامية متعددة يمكن من خلالها إعادة إنتاج الخطاب وتوجيهه.

وبالتالي فإن تعدد المنابر ليس مجرد تطور تقني فرضته وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما أصبح جزءًا من طبيعة البيئة التي تتحرك فيها الجماعة بعد تراجع نموذج التنظيم المركزي.

فكلما أصبح الوصول إلى الجمهور أكثر ارتباطًا بالشبكات الرقمية، أصبح امتلاك القدرة على صناعة الرواية وتكرارها وتوزيعها نوعًا من النفوذ، حتى خارج الهياكل التنظيمية التقليدية.

معركة الوعي تبدأ من كشف «كيف صُنعت الرواية»

لهذا فإن التعامل مع هذا النوع من الخطاب لا يمكن أن يتوقف عند مطاردة الشائعة بعد انتشارها، لأن سرعة المجال الرقمي تجعل المواجهة المتأخرة أقل تأثيرًا من تقديم المعلومة الصحيحة في اللحظة نفسها التي يبحث فيها الجمهور عن تفسير للحدث.

وتصبح الشفافية وسرعة إتاحة البيانات المدعومة بالأرقام، إلى جانب التحقق من الصور والفيديوهات والمصادر، أدوات أساسية في سد الفراغ الذي يمكن أن تستغله الروايات الموجهة.

لكن الأهم هو نقل الجمهور من موقع المتلقي إلى موقع الفاحص؛ فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يتكرر دليلًا على التأييد، وليس كل منصة تحمل اسمًا إعلاميًا أو بحثيًا مستقلة بالضرورة في مضمونها.

وفي النهاية، تكشف أزمة الإخوان الإرهابية عن تحول مزدوج: تنظيم فقد قدرًا من مركزية القرار التي ميزته لعقود، وخطاب إعلامي اضطر إلى البحث عن أدوات جديدة للحضور والتأثير. وبينما تتصارع الجبهات على الشرعية والنفوذ داخل التنظيم، تتحرك الأدوات الإعلامية في الاتجاه نفسه، من السيطرة على المنبر إلى محاولة السيطرة على الرواية.

وهنا لا تصبح المعركة الحقيقية مجرد كشف خبر كاذب أو تفنيد شائعة، وإنما كشف الطريقة التي تُصنع بها الرواية من الأساس: ما الواقعة الأصلية؟ وما الذي جرى اقتطاعه منها؟ ومن أعاد تفسيرها؟ ولماذا تكررت الرسالة نفسها عبر منصات مختلفة؟ ومن المستفيد من تحويل انطباع محدد إلى ما يبدو وكأنه حقيقة مستقرة؟

ففي النهاية، قد يتغير المنبر، وتتبدل الوجوه، وتتعدد مراكز القيادة، لكن جوهر معركة الإخوان على المجال العام يظل قائمًا على محاولة التأثير في إدراك الجمهور. وما تغير هو الأدوات: من تنظيم مركزي يبحث عن قرار واحد، إلى شبكات متفرقة تتنافس على النفوذ، ومن منابر محددة تبث الرسالة، إلى منظومة رقمية أكثر تعقيدًا تسعى إلى صناعة الانطباع قبل أن يصل الجمهور إلى الحقيقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة