تتجه حكومات أوروبية إلى منح أجهزة الاستخبارات التابعة لها صلاحيات أوسع، مع تصاعد ما تعتبره دول القارة حملة روسية هجينة تستهدف البنية التحتية الحيوية، وتزايد المخاوف من التجسس الصيني، بالتزامن مع تراجع الثقة في الولايات المتحدة كشريك استخباراتي موثوق لأوروبا.
ولسنوات طويلة، فرضت دول أوروبية، خاصة ألمانيا ودول الشمال وأجزاء من أوروبا الشرقية، قيودًا صارمة على عمل أجهزة الاستخبارات، متأثرة بصدمات ما بعد الحرب العالمية الثانية وإرث الأنظمة الاستبدادية والحرص المتزايد على حماية الحريات المدنية.
لكن تصاعد التهديدات الأمنية دفع عددًا من الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في هذه القيود، ومنح أجهزتها الاستخباراتية أدوات جديدة للتعامل مع العمليات العدائية، بما في ذلك تعطيل أنشطة التجسس، وتنفيذ هجمات إلكترونية هجومية، وتوسيع نطاق تبادل المعلومات مع الشركات والجهات العسكرية.
أوروبا تستعد لمرحلة أمنية جديدة
ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من العمليات الروسية الهجينة، التي تشمل التخريب والهجمات الإلكترونية والتجسس، إلى جانب القلق من تنامي النشاط الاستخباراتي الصيني.
ويرى مسؤولون وخبراء أن أوروبا باتت بحاجة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية، خاصة في ظل المخاوف من أن تصبح واشنطن شريكًا استخباراتيًا أقل موثوقية خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال ديفيد أوماند، الرئيس السابق لمقر الاتصالات الحكومية البريطانية، إن أجهزة الاستخبارات تواجه تحديًا متزايدًا في تحديد طبيعة العمليات التي تستهدف الدول الأوروبية، وما إذا كانت جرائم مدعومة من روسيا أو عمليات من نوع آخر، مؤكدًا أهمية دمج المعلومات التقنية والرقمية والبشرية في مواجهة هذه التهديدات.
السويد تنشئ جهاز استخبارات خارجية جديدًا
وتبرز السويد باعتبارها واحدة من الدول التي تعيد تشكيل بنيتها الاستخباراتية.
وتعمل الحكومة السويدية على إنشاء جهاز استخبارات خارجية جديد، من المقرر أن يبدأ عمله في يناير المقبل، في خطوة تهدف إلى فصل الاستخبارات الخارجية المدنية عن الاستخبارات العسكرية وتوضيح مسؤوليات كل جهة.
وكانت ستوكهولم قد أعلنت في أواخر أغسطس تعيين أندرياس فون بيكيراث مديرًا عامًا للجهاز الجديد، وأنيكا براندستروم نائبة له، على أن يتولى الاثنان مهامهما مع بدء عمل الجهاز.
ويأتي التحرك السويدي بعد انضمام البلاد إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في ظل إدراك متزايد لحجم التهديد الذي يمكن أن تمثله روسيا خلال السنوات المقبلة.
كما تسعى السويد إلى تعزيز قدراتها في مجال الاتصالات والاستخبارات الإلكترونية، بعدما كانت وكالة الاستخبارات الإلكترونية السويدية "FRA" تعمل في إطار تنظيمي صارم فيما يتعلق بالاتصالات العابرة للحدود.
هولندا تمنح الاستخبارات أدوات لمواجهة روسيا والصين وإيران
وفي هولندا، بدأت الحكومة في 28 أغسطس مشاورات بشأن قانون مقترح للأمن القومي من شأنه توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات والأمن.
ويمنح القانون المقترح أجهزة الاستخبارات الهولندية قدرة أكبر على تعطيل أنشطة المتسللين الروس والجواسيس الصينيين والعملاء الإيرانيين دون الحاجة إلى الحصول على إذن مسبق، إلى جانب السماح بتبادل المزيد من المعلومات الاستخباراتية مع الشركات والجيش.
ويعكس التحرك الهولندي الاتجاه الأوروبي الجديد نحو منح الأجهزة الأمنية قدرة أكبر على التحرك بشكل استباقي بدلًا من الاكتفاء بالرد على العمليات العدائية بعد وقوعها.
ألمانيا تفتح الباب أمام عمليات هجومية
أما ألمانيا، فتبدو أمام تحول أكثر حساسية بسبب تاريخها المرتبط بالنازية وجهاز شرطة "شتازي" في ألمانيا الشرقية، وهو ما جعل برلين شديدة الحذر لسنوات في التعامل مع توسيع صلاحيات أجهزتها الأمنية.
وتسعى حكومة المستشار فريدريش ميرز حاليًا إلى منح أجهزة الاستخبارات الألمانية صلاحيات أوسع لمواجهة التهديدات الخارجية.
وبموجب الإصلاحات المقترحة، التي يُتوقع دخولها حيز التنفيذ في يناير، سيتمكن عملاء جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني "BND" من تنفيذ أعمال تخريبية وشن عمليات هجومية، بعدما كان دوره يتركز إلى حد كبير على جمع المعلومات الاستخباراتية.
ويرى خبراء أن القيود التاريخية المفروضة على أجهزة الاستخبارات الألمانية ساهمت في إضعاف قدراتها في المجال الرقمي خلال السنوات الماضية، خاصة مع عدم امتلاكها الصلاحيات القانونية اللازمة للوصول إلى أنواع معينة من بيانات الاتصالات.
وقال أوماند إن ألمانيا تمثل حالة كلاسيكية في هذا السياق، إذ يتعين عليها إعادة النظر في موقفها التقليدي وتحقيق توازن بين حماية الخصوصية ومتطلبات الأمن القومي.
معركة بين الأمن والخصوصية
لكن توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات لا يخلو من مخاطر، خصوصًا في ظل المخاوف من تجاوز الأجهزة الأمنية للرقابة الديمقراطية.
وفي مارس الماضي، حذرت هيئة حماية البيانات الألمانية من عدم قدرتها على حماية المواطنين بالشكل الكافي من مراقبة أجهزة الاستخبارات، بعدما رفضت المحكمة طلب المفوض الحصول على معلومات بشأن أنشطة التجسس.
وتواجه ألمانيا والسويد بشكل خاص معضلة تتمثل في كيفية منح أجهزة الاستخبارات الأدوات اللازمة للتعامل مع التهديدات الحديثة، دون السماح لها بالعمل خارج إطار الرقابة الديمقراطية والقانون.
تراجع الثقة في واشنطن يسرع التحول الأوروبي
وتسارعت جهود تعزيز التعاون الاستخباراتي الأوروبي بعد قرار إدارة ترامب في مارس 2025 وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية والميدانية مع أوكرانيا بشكل مفاجئ.
وأثارت هذه الخطوة مخاوف داخل أوروبا من احتمال تراجع استعداد واشنطن لمشاركة معلومات استخباراتية تتعارض مع المواقف السياسية للإدارة الأمريكية.
ويرى محللون أن التحول الأوروبي لا يرتبط فقط بزيادة التهديدات القادمة من روسيا والصين، وإنما يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن القارة تحتاج إلى بناء قدرات أمنية واستخباراتية أكثر استقلالًا.
وقال فرديناند جيرينجر، كبير محللي التهديدات الهجينة في شركة FTI Consulting، إن هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لحجم التهديدات التي تواجه أوروبا، إلى جانب تغير أساليب أجهزة الاستخبارات الروسية، التي تعتمد بصورة متزايدة على عملاء من مستويات أدنى لتنفيذ عمليات التخريب.
وأضاف أن الرأي العام أصبح أكثر اقتناعًا بالحاجة إلى اتخاذ إجراءات استباقية بدلًا من الاكتفاء بالرد على العمليات بعد وقوعها، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوروبي أوسع حول الخطوط الحمراء التي تستدعي ردًا مباشرًا.