قال محمد عبد الله، الكاتب والباحث السياسي وخبير العلاقات الدولية من بيروت، إن ملف تلال علي الطاهر كان خلال الأشهر الأخيرة بمثابة البوابة أو العقدة لأي حل مرتقب في المفاوضات الدبلوماسية، موضحًا أنه قبل استهداف إسرائيل لمنطقة التلال والأنفاق الموجودة أسفلها، كان هناك عرض أمريكي على لبنان بأن يتسلم الجيش اللبناني المنطقة وألا تقوم إسرائيل بقصفها أو مواجهتها.
وأوضح الكاتب والباحث السياسي وخبير العلاقات الدولية من بيروت، خلال مداخلة عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن الجانب الإيراني وحزب الله رفضا هذا الطرح، مشيرًا إلى أن مرجعية حزب الله الإيرانية رفضت تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني، قبل أن تسقط المنشأة في تفجير كبير استخدمت فيه نحو 1100 طن من المتفجرات.
عرض إسرائيلي بطرح علي الطاهر للتفاوض
وأشار عبد الله إلى ورود معلومات تفيد بأن إسرائيل سرّبت عبر قنوات دبلوماسية أمريكية إلى لبنان استعدادها لتسليم منطقة علي الطاهر، أو طرحها للتفاوض في الجولة المقبلة، باعتبارها إحدى المناطق التجريبية التي يمكن أن يسيطر عليها الجيش اللبناني.
وأوضح أن التساؤل المطروح حاليًا هو مدى جدية هذا العرض الإسرائيلي، وما إذا كان يمثل طرحًا حقيقيًا أم مجرد مناورة وإضاعة للمزيد من الوقت.
تناقض التصريحات الإسرائيلية بشأن الانسحاب
وقال عبد الله إن التصريحات الإسرائيلية بشأن علي الطاهر متناقضة بشكل كامل، موضحًا أن إسرائيل تقول في بعض الأحيان إنها انسحبت إلى قلعة شقيف وأعادت الانتشار، بينما تؤكد في أحيان أخرى أنها لا تزال تسيطر على المنطقة وموجودة ضمن إطار علي الطاهر.
وأضاف أنه في حال قررت إسرائيل تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني والانسحاب منها، فإن المرحلة التالية كانت ستتجه جغرافيًا نحو جبل الرفيع وإقليم التفاح وصولًا إلى جبل ريحان ونحو البقاع، مشيرًا إلى أن معلومات تحدثت عن وجود المنشأة الكبرى في جبل ريحان، وأن المستشارين الإيرانيين الذين كانوا في علي الطاهر انسحبوا باتجاه جبل ريحان وإقليم التفاح.
جبل ريحان يمثل تحديًا للعمليات العسكرية
وتساءل عبد الله عما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي من علي الطاهر أو تسليمها للجيش اللبناني سيعني تقدمًا بريًا باتجاه إقليم التفاح وجبل ريحان، أم أن إسرائيل ستعتمد على السيطرة الجوية لحسم الأمر.
واستبعد إمكانية حسم الوضع في جبل ريحان عبر الجو وحده، موضحًا أن الجبل يقع على ارتفاع 1200 متر عن سطح البحر، وأنه في حال وجود تحصينات ومنشآت فيه، فإن استهدافها جويًا لن يكون كافيًا، بل ستكون هناك حاجة إلى عمليات تفجير واقتحام من الداخل لحسم المعركة.
المخطط الإسرائيلي للتقدم البري لا يزال قائمًا
وأكد عبد الله أن المخطط الإسرائيلي لا يزال قائمًا باتجاه المزيد من التقدم والاقتحام البري بهدف إزالة المنشآت العسكرية لحزب الله، لكنه أشار إلى أن إسرائيل تبدو حتى الآن في حالة ترقب.
وأوضح أنه كان من المتوقع بعد علي الطاهر أن يستمر التقدم الإسرائيلي بشكل كبير وسريع نحو جبل ريحان، إلا أن ذلك لم يحدث، مشيرًا إلى عدم وضوح ما إذا كان هناك تنسيق إسرائيلي أمريكي في هذه الجبهة المرتبطة أيضًا بالملف الإيراني.
غياب حزب الله عن المشهد
وقال عبد الله إن إيران لم ترد على ما حدث في علي الطاهر رغم تهديدها بالرد في حال سقوط المنشأة، وإنما اتجه تركيزها نحو اليمن وإغلاق باب المندب، بسبب التأثير الأكبر هناك على الأمريكيين.
وأضاف أنه إذا كانت هناك منشأة كبيرة في جبل ريحان مرتبطة بإيران وضباط الحرس الثوري، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كان اشتعال الجبهة الإيرانية الأمريكية قبل الانتخابات النصفية وحدوث انهيار أمني كبير سيؤدي إلى اشتعال جبهة مساندة في لبنان كما اعتاد حزب الله.
وأشار إلى أن حزب الله، رغم الغارات والقصف المستمر منذ أكثر من شهر، غائب عن المشهد دون أي تصريحات أو معلومات.
تجميد ورقة حزب الله وتحريك أطراف أخرى
وأوضح عبد الله أنه لا يريد البناء على تسريبات صحفية تتحدث عن انقسامات داخل البنية القيادية لحزب الله أو خلافات حول طريقة التعاطي مع التطورات، أو عن تحضيره لشيء في الداخل اللبناني بهدف إسقاط الحكومة.
وأشار إلى أن الجبهة الجنوبية مرتبطة بشكل مباشر بالحرس الثوري الإيراني، موضحًا أنه في المرحلة الأولى من الحرب كان الاعتماد على حزب الله كورقة أساسية في المواجهة، بينما تم اليوم تجميد هذه الورقة مع تحريك ورقة أنصار الله الحوثي والحشد الشعبي في العراق.
وأضاف أنه لا يمكن معرفة متى يقرر الحرس الثوري إعادة تفعيل ورقة حزب الله، أو ما إذا كان الحزب أصبح فعليًا في واقع محصور وغير قادر على المواجهة نتيجة الضغوط الشعبية والجنوبية عليه بسبب الأزمة الاقتصادية، فضلًا عن عودة جزء من النازحين إلى بلداتهم، وما قد يؤدي إليه أي تطور أمني من موجة نزوح جديدة.
استبعاد إسقاط الحكومة اللبنانية حاليًا
وقال عبد الله إنه لا يعتقد أن احتمال إسقاط الحكومة اللبنانية يمكن أن يحدث في الفترة الحالية، رغم وجود أزمة اقتصادية كبيرة وانتقادات للحكومة، موضحًا أن الوضع الحالي في لبنان لا يسمح بفراغ حكومي أو سياسي.
وأشار إلى وجود محاولات من حزب الله وحلفائه لاستغلال الأزمة للتصويب على الحكومة والتظاهر في الشارع، لكنه أكد أن حزب الله لا يمتلك القدرة التي كانت لديه سابقًا في ذروة قوته.
وأضاف أن الرئيس نبيه بري، باعتباره أحد أعمدة الثنائي الشيعي، يؤكد أن الحكومة باقية وهناك تنسيق كبير، موضحًا أن زيارات رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إلى الجنوب والنبطية تمت بالتنسيق مع الرئيس بري وبطلب منه، لضمان وجود الجيش والدولة في هذه المناطق وسد الفراغ الأمني.
وأكد أن ذلك يدل على تراجع دور حزب الله أو محاولة إخراجه من المعادلة الجنوبية.
مؤتمر باريس لدعم الجيش أهم من جلسة روما
وأكد عبد الله أن تأجيل مفاوضات روما، حتى لو عُقدت في أكتوبر، لن يجعلها مثمرة مع إسرائيل قبل الانتخابات الإسرائيلية، لأن إسرائيل لن تقدم أي شيء إيجابي في هذا الإطار.
وأشار إلى أن مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس يمثل أهمية كبرى، موضحًا أن الاعتماد الأساسي حاليًا هو على وجود الجيش وقوى الأمن الداخلي في أرض الجنوب للقيام بدور فعال.
وحذر من أن عدم تأمين الدعم المالي واللوجستي الكافي لهذه العناصر في ظل الأزمة الاقتصادية سيؤدي إلى مشكلة، مؤكدًا أن نجاح مؤتمر باريس في تأمين هذا الدعم سيعزز انتشار الجيش وقدرته، وهو ما يخدم تنفيذ اتفاق الإطار أكثر بكثير من جلسة روما.
تمكين الجيش من أداء دوره في الجنوب
وأوضح عبد الله أن الحديث عن دعم الجيش لا يعني تزويده بأسلحة لمواجهة إسرائيل، لأن ذلك يتطلب عقودًا من التدريب والتسليح، وإنما يتعلق بتمكين الجيش والقوى الأمنية من الوجود في الجنوب كبديل عن سلاح حزب الله ومنع أي سلاح غير شرعي.
وأضاف أن ذلك يحتاج إلى تغطية الكلفة المادية والمعيشية بالحد الأدنى لرواتب العناصر، حتى يتمكنوا من أداء دورهم دون ضغوط معيشية خانقة.
وأكد أن الدعم المالي سيساعد في انتشار الجيش، ويدعم تنفيذ اتفاق الإطار الذي يتحدث عن مناطق تجريبية جديدة ينسحب منها الإسرائيلي بعد الانتخابات، مثل النبطية وعلي الطاهر.
رهان على الضغط الأمريكي بعد الانتخابات
وقال عبد الله إن الحجة الإسرائيلية تتمثل في وجود سلاح حزب الله وتهديده، مشيرًا إلى وجود غياب كامل لحزب الله حاليًا، إلى جانب إرادة وضغوط أمريكية للانسحاب وفق اتفاق الإطار والعودة إلى الخط الأزرق.
وأوضح أن واشنطن تمنح إسرائيل حاليًا هامشًا للمناورة وإطلاق التصريحات بهدف الاستثمار الانتخابي قبل الانتخابات الإسرائيلية، لكنها لن تتراجع عن اتفاق الإطار الذي ترعاه.
وأضاف أن الرهان يتمثل في عودة الزخم الأمريكي والضغط على إسرائيل بعد الانتخابات للانسحاب من هذه المناطق، ما لم تتصاعد الأوضاع مجددًا وترتبط بالجبهة الإيرانية.
الدعم المالي ضرورة لمواجهة الأزمة الاقتصادية
وأشار عبد الله إلى أن لبنان مر ويمر بأصعب مراحل الأزمة، موضحًا أنه منذ انهيار العملة عام 2019 انخفضت قيمة الرواتب بشكل كبير، وأصبح راتب العسكري لا يكاد يغطي الحد الأدنى من المعيشة.
وأكد أن تأمين الدعم المالي يمثل الأساس للقوى الأمنية، مشيرًا إلى أن لبنان لا يمكنه الاستمرار في ظل الأزمات المتتالية وتأثر علاقاته مع الدول العربية.
وحذر من أنه في حال عدم عودة الاستثمارات، سيكون لبنان أمام خطر انفجار شعبي قد يستغله البعض لتحقيق مصالح معينة.