لا تحتاج أزمات أفريقيا دائماً إلى حروب أو أوبئة أو كوارث طبيعية حتى تحصد الأرواح وتستنزف الاقتصادات؛ فهناك «وباء صامت» يتحرك يومياً على الطرق، يخطف عشرات الآلاف من الأرواح ويصيب ملايين آخرين، بينما تتكبد الدول والأسر خسائر اقتصادية واجتماعية ضخمة.
وتضع أحدث البيانات الدولية السلامة على الطرق أمام واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في القارة؛ إذ تسجل منطقة أفريقيا أعلى معدل لوفيات حوادث المرور بين أقاليم منظمة الصحة العالمية، بينما تتركز الخسائر بصورة كبيرة بين الشباب والفئات في سن العمل.
ووفق منظمة الصحة العالمية، تسببت إصابات حوادث الطرق في نحو 225 ألف وفاة في إقليم أفريقيا عام 2021، بما يمثل نحو 19% من الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق عالمياً، رغم أن سكان القارة لا يمثلون سوى 15% من سكان العالم، وتمتلك نحو 3% فقط من المركبات.
وفي الوقت الذي تتوسع فيه المدن الأفريقية وتتسارع معدلات التحضر واستخدام الدراجات النارية والسيارات، تتحول السلامة المرورية من ملف صحي إلى قضية اقتصادية مباشرة، تتصل بحماية قوة العمل، وتقليل الضغط على المستشفيات، والحفاظ على دخل الأسر، ودعم أهداف التنمية في القارة.
أفريقيا في صدارة الخطر.. ارتفاع الوفيات رغم انخفاضها عالمياً
تكشف الأرقام مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي انخفض فيه المعدل العالمي لوفيات الطرق خلال العقد الماضي، ارتفعت الوفيات في إقليم أفريقيا.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق في الإقليم ارتفع بنسبة 17% بين عامي 2010 و2021، بينما شهدت معدلات الوفيات عالمياً تراجعاً خلال الفترة نفسها، وسجل الإقليم قرابة 250 ألف وفاة في عام 2021 وفق أحدث تقديرات المنظمة الخاصة بالمنطقة.
وتكمن خطورة الوضع في أن أفريقيا لا تمتلك العدد الأكبر من المركبات عالمياً، لكنها تتحمل حصة غير متناسبة من الوفيات. فالقارة تضم نحو 15% من سكان العالم وتمتلك حوالي 3% من المركبات، لكنها تتحمل قرابة خمس الوفيات العالمية على الطرق.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن إقليم أفريقيا يسجل نحو 19.4 وفاة لكل 100 ألف نسمة، وهو أعلى معدل بين أقاليم المنظمة.
الضحايا.. شباب في سن الإنتاج وقوة العمل
لا تتوقف خسائر حوادث الطرق عند أعداد الوفيات؛ فتركيبة الضحايا تجعل الحوادث ضربة مباشرة لرأس المال البشري.
عالمياً، تعد إصابات الطرق السبب الأول للوفاة بين الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و29 عاماً، فيما تقع نحو ثلثي الوفيات بين أشخاص في سن العمل، من 18 إلى 59 عاماً، بحسب منظمة الصحة العالمية.
وهذا يعني أن الحادث لا يقتل شخصاً فحسب، بل قد يحرم أسرة من مصدر دخلها الأساسي، ويحول المصاب إلى شخص يحتاج إلى رعاية طويلة الأجل، ويجبر أفراداً آخرين من الأسرة على ترك العمل أو الدراسة لتقديم الرعاية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الخسائر الاقتصادية تشمل تكاليف العلاج وإعادة التأهيل، فضلاً عن فقدان الإنتاجية نتيجة وفاة العامل أو إصابته بإعاقة، إضافة إلى خسائر أفراد الأسرة الذين يضطرون إلى التغيب عن العمل أو الدراسة لرعاية المصابين.
فاتورة اقتصادية بالمليارات.. الحوادث تستنزف الناتج المحلي
تتحول الحوادث المرورية إلى عبء مباشر على اقتصادات الدول الأفريقية.
وتقدر اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة ECA أن التكلفة الاجتماعية والاقتصادية لحوادث الطرق في القارة بلغت نحو 162 مليار دولار في عام 2016، بما يعادل قرابة عُشر الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا جنوب الصحراء في ذلك العام.
كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن حوادث الطرق تكلف معظم الدول نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، في حين تقدر مصادر اللجنة الاقتصادية لأفريقيا تكلفة الحوادث في بعض الدول الأفريقية بما يتراوح بين 1% و5% من الناتج المحلي.
وفي بعض الحالات، قد تصل التكلفة إلى مستويات أعلى؛ إذ تشير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا إلى إمكانية وصولها إلى 5% من الناتج المحلي في دول مثل أوغندا.
وبالتالي، فإن الاستثمار في السلامة المرورية لا يعني ببساطة إنفاق أموال إضافية على الطرق، وإنما يمكن أن يمثل وسيلة لحماية موارد اقتصادية قائمة بالفعل.
المشاة وراكبو الدراجات النارية.. الفئات الأكثر تعرضاً
وتبرز الفئات الأكثر هشاشة على الطرق في مقدمة الضحايا، خصوصاً المشاة وراكبي الدراجات النارية والدراجات الهوائية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من نصف الوفيات العالمية الناجمة عن حوادث الطرق تقع بين مستخدمي الطرق الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتهم المشاة وراكبو الدراجات وراكبو الدراجات النارية.
أما بيانات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا فتشير إلى أن 38% من الوفيات المرورية في أفريقيا تقع بين المشاة، بينما تمثل وفيات ركاب السيارات نحو 43%، وراكبي المركبات ذات العجلتين أو الثلاث عجلات نحو 7%، وراكبي الدراجات نحو 5%.
وفي كينيا، على سبيل المثال، تصل نسبة الوفيات بين المشاة إلى 46% من إجمالي الوفيات المرورية، بحسب اللجنة الاقتصادية لأفريقيا.
وتزداد المشكلة مع انتشار الدراجات النارية كوسيلة نقل منخفضة التكلفة في عدد كبير من الدول الأفريقية، الأمر الذي جعل سائقيها وركابها جزءاً أساسياً من معادلة السلامة المرورية.
من الطرق إلى المستشفيات.. أزمة تتجاوز قطاع النقل
تكشف الخسائر الناجمة عن حوادث الطرق أن المشكلة لا تخص وزارات النقل وحدها.
فكل حادث خطير قد يعني سيارة إسعاف، وطوارئ، وجراحة، وعلاجاً وتأهيلاً، فضلاً عن متابعة طويلة الأمد في حالات الإعاقة. وفي الوقت نفسه، تخسر الدولة ساعات عمل وإنتاجية، بينما تتحمل الأسر نفقات مباشرة وغير مباشرة.
ولهذا تدفع المؤسسات الدولية باتجاه دمج السلامة المرورية في سياسات الصحة والنقل والتخطيط الحضري والاقتصاد، بدلاً من التعامل معها كملف منفصل.
وتؤكد الأمم المتحدة أن تحقيق هدف خفض وفيات وإصابات الطرق إلى النصف بحلول عام 2030 يتطلب دمج السلامة في السياسات الوطنية المتعلقة بالنقل والصحة والتعليم والتخطيط العمراني والبنية التحتية.
رواندا.. نموذج أفريقي من التشريع إلى التنفيذ
تبرز رواندا في هذا السياق كنموذج لمحاولة سد الفجوة بين القوانين والتطبيق، وبحسب المادة المنشورة من اللجنة الاقتصادية لأفريقيا، اتجهت رواندا إلى اعتماد خوذات متوافقة مع معايير الأمم المتحدة، والاستثمار في معدات الاختبار، وإنشاء نظام اعتماد من خلال مجلس المعايير الرواندي، بهدف التأكد من أن الخوذ المعروضة في السوق تستوفي المعايير المطلوبة.
وتكمن أهمية التجربة في أن ارتداء الخوذة وحده لا يعني بالضرورة توفير الحماية؛ إذ تشير المادة إلى أن أبحاثاً رصدية في رواندا وجدت أن 98.7% من سائقي الدراجات النارية والركاب كانوا يرتدون الخوذ، لكن 71% فقط كانوا يرتدونها بصورة صحيحة، فيما كانت أكثر من ثلث الخوذ المستخدمة متضررة بصورة واضحة.
وبالتالي، فإن التحدي لا يتعلق بتوفير الخوذة فقط، وإنما بضمان جودتها، واعتمادها، واستخدامها بالشكل الصحيح، وفرض المعايير على السوق.
المدن الأفريقية تحت الضغط.. التحضر يزيد الحاجة إلى طرق أكثر أماناً
تأتي أزمة السلامة المرورية في مرحلة تشهد فيها القارة توسعاً سريعاً في المدن وارتفاعاً في معدلات التنقل واستخدام المركبات، وتحذر اللجنة الاقتصادية لأفريقيا من أن تحسين جودة وتغطية الطرق، إذا لم يصاحبه تطبيق مناسب لإجراءات السلامة، يمكن أن يؤدي إلى زيادة الحوادث، بما يعني أن الاستثمار في البنية التحتية وحده لا يكفي.
وهنا تظهر أهمية التخطيط منذ البداية: تصميم الطرق ومسارات المشاة، وتوفير وسائل عبور آمنة، وتنظيم السرعات، وتحسين الإضاءة والإشارات، يجب أن تكون جزءاً من مشروعات النقل وليس إجراءات لاحقة بعد وقوع الكوارث.
هدف 2030.. أفريقيا أمام سباق مع الزمن
وضعت الأمم المتحدة هدفاً عالمياً واضحاً ضمن عقد العمل من أجل السلامة على الطرق 2021-2030، يتمثل في خفض وفيات وإصابات حوادث الطرق بنسبة لا تقل عن 50% بحلول 2030.
لكن البيانات الأفريقية تظهر أن الطريق لا يزال طويلاً؛ فالمنطقة شهدت زيادة بنسبة 17% في الوفيات بين 2010 و2021، في حين تمكنت 17 دولة أفريقية من خفض الوفيات بنسب وصلت إلى 49%، وفق منظمة الصحة العالمية.
وهذا يعني أن التجارب الناجحة موجودة بالفعل داخل القارة، وأن التحدي يتمثل في توسيع نطاقها ونقل الخبرات بين الدول.
اللجنة الاقتصادية لأفريقيا.. دور يتجاوز التنسيق
في ظل هذه المعطيات، تطرح اللجنة الاقتصادية لأفريقيا نفسها كجهة يمكنها ربط السلامة المرورية بأجندة التنمية والتمويل، وتدفع اللجنة باتجاه إدماج السلامة على الطرق في خطط التنمية والنقل الوطنية، معتبرة أن القضية لا ينبغي أن تبقى محصورة في قطاعات النقل أو الصحة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة أمام فجوة تمويل البنية التحتية في أفريقيا؛ إذ تشير اللجنة إلى أن تحسين السلامة يمكن أن يحقق وفورات تساعد في تقليص جزء من فجوة تمويل البنية التحتية، التي تقدر بنحو 137 إلى 177 مليار دولار سنوياً.
وبذلك يصبح تقليل الحوادث جزءاً من إدارة الموارد الاقتصادية، وليس مجرد استجابة إنسانية للحوادث بعد وقوعها.
من «وباء صامت» إلى أولوية اقتصادية
لم تعد حوادث الطرق في أفريقيا مجرد أرقام في تقارير الصحة أو حوادث متفرقة في نشرات الأخبار. فكل وفاة تعني فقدان جزء من رأس المال البشري، وكل إصابة خطيرة يمكن أن تتحول إلى عبء طويل الأجل على الأسرة والنظام الصحي وسوق العمل.
وتظهر البيانات أن القارة تمتلك بالفعل نماذج يمكن البناء عليها، وأن الأدوات الأساسية للحد من الوفيات معروفة: طرق أكثر أماناً، سرعات أقل، مركبات أكثر أماناً، خوذات مطابقة للمعايير، تطبيق صارم للقوانين، واستجابة طبية أسرع بعد الحوادث.