ربع قرن على 11 سبتمبر وحروب أمريكا مستمرة.. أفغانستان الأطول بعقدين من القتال.. العراق الأكثر دموية فى الشرق الأوسط.. وإيران آخر ميادين القتال بتوقيع ترامب.. وحروب بلا جيوش فى باكستان واليمن وسوريا والصومال

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 06:00 ص
ربع قرن على 11 سبتمبر وحروب أمريكا مستمرة.. أفغانستان الأطول بعقدين من القتال.. العراق الأكثر دموية فى الشرق الأوسط.. وإيران آخر ميادين القتال بتوقيع ترامب.. وحروب بلا جيوش فى باكستان واليمن وسوريا والصومال أحداث 11 سبتمبر

ريم عبد الحميد

مع مرور 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، تبدو الولايات المتحدة وكأنها لم تغادر بالكامل العالم الذي تشكل في أعقاب ذلك اليوم الدامي. فالهجمات التي أودت بحياة أكثر من ثلاثة آلاف شخص لم تغير فقط شكل الأمن والسياسة الداخلية الأمريكية، وإنما أطلقت مسارًا عسكريًا وحروبًا طويلة امتدت من أفغانستان إلى العراق، مرورًا بحملات عسكرية محدودة في سوريا واليمن والصومال ومناطق أخرى، وصولًا إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران في عام 2026.

 

ولا تمثل الذكرى الـ25 لأكبر حدث إرهابي في القرن الحادي والعشرين مجرد محطة لاستعادة ما جرى في ذلك اليوم، وإنما لحظة لإعادة تقييم ربع قرن من السياسة الخارجية الأمريكية؛ تحولت خلاله "الحرب على الإرهاب" من حملة عسكرية محددة إلى منظومة عالمية من العمليات والتدخلات، لا تزال تكلف واشنطن تريليونات الدولارات، وتترك آثارًا بشرية وسياسية وأمنية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من ساحات القتال.

 

أفغانستان.. الحرب الأطول والعودة إلى نقطة البداية

كانت أفغانستان المحطة الأولى في سلسلة الحروب الأمريكية التي أعقبت 11 سبتمبر 2001. جاء التحرك العسكري سريعًا، بعد أقل من شهر على الهجمات الإرهابية، بهدف ملاحقة تنظيم القاعدة الذي خطط ونفذ الهجمات، وإسقاط نظام طالبان الذي كان يؤوي قيادات التنظيم. وبدأت الولايات المتحدة في أكتوبر حملتها العسكرية بعدما رفضت طالبان تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي كان العقل المدبر للهجمات.

 

حققت القوات الأمريكية وحلفاؤها نجاحًا سريعًا، فتمكنت من الإطاحة بحكومة طالبان وتراجع تنظيم القاعدة. لكن الحرب تحولت تدريجيًا من عملية لملاحقة تنظيم إرهابي إلى مشروع طويل لبناء دولة ومؤسسات أمنية وسياسية جديدة.

 

ويقول معهد بروكينجز البحثي في تقرير له إن الهدف الأمريكي الضيق المتمثل في مكافحة الإرهاب حقق نجاحات مهمة، لكن مشروع بناء دولة أفغانية مستقرة وقادرة على البقاء ظل موضع شك منذ سنوات الحرب الأولى.

 

وعلى مدار 20 عامًا، لم تنجح الولايات المتحدة في إنهاء التمرد وإقامة دولة أفغانية مستقرة قادرة على البقاء، لتغادر قواتها البلاد في أغسطس 2021، وتعود حركة طالبان إلى كابول، رغم الثمن الباهظ لهذه الحرب.


فوفقًا لمشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون، أنفقت الولايات المتحدة نحو 2.313 تريليون دولار على حرب أفغانستان والعمليات المرتبطة بها في باكستان حتى عام 2022، بينما قُدّر عدد من قتلوا بصورة مباشرة جراء الحرب بنحو 243 ألف شخص.

 

غزو العراق.. نقل حروب أمريكا إلى قلب الشرق الأوسط

كان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش مهووسًا بصدام حسين، على حد تعبير بروس ريدل، المستشار السياسي لأربعة رؤساء أمريكيين منهم بوش نفسه. وبطريقة أو بأخرى، أصبحت أحداث 11 سبتمبر فرصة أمام إدارته لملاحقة الرئيس العراقي، عبر مزاعم تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكثر عمليات التضليل المثيرة للجدل في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الحديث.

 

فحتى قبل انطلاق حرب أفغانستان، كان بوش عازمًا على ربط العراق بملف الإرهاب وتهديداته الأمنية، فزعمت إدارته منذ الأيام الأولي بعد 11 سبتمبر أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنه يمثل خطرًا على الولايات المتحدة وحلفائها.

 

ورغم أن الأمم المتحدة ضغطت على العراق لتفكيك برامجه النووية والبيولوجية والكيميائية بعد حرب الخليج عام 1991، فإن الرئيس جورج دبليو بوش زعم أن الزعيم العراقي صدام حسين استمر في تطويرها. وهدد مجلس الأمن الدولي العراق بـ"عواقب وخيمة" في أواخر عام 2002 إذا لم يتعاون مع عمليات تفتيش الأسلحة، لكنه لم يمنح تفويضًا صريحًا باستخدام القوة لغزو العراق.

 

وردت الولايات المتحدة بتشكيل "تحالف الراغبين" لغزو العراق والإطاحة بصدام حسين. وبدأ الغزو في مارس 2003، وسقطت بغداد في أبريل من العام نفسه. لكن عمليات التفتيش اللاحقة لم تجد دليلًا على وجود برامج عراقية نشطة لأسلحة دمار شامل، وهو ما ألقى بظلال ثقيلة على المبررات التي قدمتها إدارة بوش للحرب.

 

ولم تتوقف المأساة هنا. فعلى مدار نحو 8 سنوات، تورطت الولايات المتحدة في حرب احتلال وصراع مسلح واسع، تزامن مع تصاعد العنف الطائفي بين السنة والشيعة، مما ساهم في زعزعة استقرار المنطقة.

 

وصنف مؤرخون وباحثون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية غزو العراق باعتباره واحدًا من أسوأ القرارات في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، لما سببه من تكاليف باهظة وإضرار بسمعة الولايات المتحدة عالميًا، فضلًا عن أنه عزز قوة القوى المعادية لواشنطن في الشرق الأوسط.

 

وفي مقاله بدورية فورين أفيرز الأمريكية عن تكلفة الحرب على الإرهاب بالنسبة لأمريكا، يقول الكاتب فيليب جوردون إن أكبر أخطاء الحرب على الإرهاب لم تكن تكتيكية، بل تمثلت في قرار تحويل مكافحة الإرهاب إلى مشروع عسكري عالمي. ويشير إلى أن إدارة بوش بالغت في ردها على 11 سبتمبر، عندما غزت العراق رغم عدم وجود دليل يربط نظام الرئيس صدام حسين بالهجمات.

 

ويضيف أن حل الجيش العراقي وإقصاء عشرات الآلاف من مسؤولي حزب البعث بعد الغزو أسهما في خلق مقاومة مسلحة غذّت سنوات من العنف، قبل أن يؤدي الاضطراب في العراق لاحقًا إلى توفير بيئة ساعدت في صعود تنظيم داعش.

 

باكستان واليمن.. حروب بلا جيوش

بالتوازي مع الحرب في أفغانستان، وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية إلى باكستان، خصوصًا المناطق القبلية التي اعتُبرت ملاذًا لتنظيم القاعدة وحركة طالبان باكستان.

 

وشنت واشنطن عشرات الضربات بطائرات مسيرة على أهداف يُشتبه في انتمائها إلى التنظيمات المسلحة، في تحول مهم داخل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية من نشر قوات برية بأعداد كبيرة إلى الاعتماد على الضربات الجوية وعمليات الاستهداف المحددة.

 

وامتدت هذه الاستراتيجية لاحقًا إلى اليمن، حيث بدأت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ثم كثفت عملياتها ضد جماعات مسلحة أخرى.

 

وهكذا، لم تعد الحرب الأمريكية بعد 11 سبتمبر مرتبطة بجبهات تقليدية، وإنما بدأت تأخذ شكل عمليات عسكرية محدودة وضربات جوية وطائرات مسيرة تستهدف جماعات مسلحة في دول لا تخوض واشنطن معها حربًا شاملة.

 

سوريا والصومال.. جبهات جديدة للحرب على الإرهاب

ومع صعود تنظيم داعش في سوريا والعراق عام 2014، فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة، فبدأت حملة جوية واسعة ضد التنظيم في سوريا، إلى جانب دعم قوات محلية تقاتله على الأرض، بينما واصلت واشنطن وجودها العسكري في سوريا رغم اختلاف طبيعة المهمة عن حرب العراق.

 

وفي الصومال، حافظت الولايات المتحدة على عمليات عسكرية ضد حركة الشباب وتنظيمات مرتبطة بالقاعدة، مستخدمة الضربات الجوية والطائرات المسيرة.

 

وبهذه العمليات، تحولت الحرب على الإرهاب تدريجيًا إلى شبكة واسعة من التدخلات العسكرية المحدودة والمستمرة، بدلًا من حرب واحدة ذات جبهة واضحة؛ وهو تحول جعل الوجود العسكري الأمريكي يمتد إلى ساحات جديدة بعد سنوات من هجمات 11 سبتمبر.

 

الطريق من 11 سبتمبر إلى حرب إيران

رغم أن العداء بين واشنطن وطهران يعود إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، فإن المواجهة المباشرة بين البلدين ظلت غائبة. ولم تبدأ الولايات المتحدة تصعيد الضغوط على إيران بسبب برنامجها النووي إلا في عام 2002، مع الكشف عن منشآت نووية لم تكن معلنة.


وأصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم 12 سبتمبر 2003 قرارًا يلزم إيران بـ"الوقف الفوري والكامل" لكافة نشاطاتها المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وبتوقيع البروتوكول الإضافي الخاص بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والسماح الفوري بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية "دون قيد أو شرط".

 

بعدها عرضت إيران التفاوض دون الوصول إلى اتفاق، مما أسفر عن حملة من العقوبات الاقتصادية عليها لسنوات. وفي عام 2013، بدأت طهران وواشنطن مفاوضات مباشرة، ليتم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 في عهد أوباما. إلا أن الرئيس ترامب أعلن الانسحاب منه في عام 2018، وعادت سياسة العقوبات.

 

وعلى مدار سنوات المواجهة، لم يقدم أي من الطرفين على التصعيد العسكري المباشر. فمن ناحية، كانت الولايات المتحدة مستنزفة في حربي العراق وأفغانستان، ومن ناحية أخرى كانت إيران تدرك الثمن الباهظ لأي حرب مباشرة في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.

 

ومع التغييرات التي حدثت في الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب إسرائيل على غزة، باتت المواجهة أقرب بين البلدين، لتتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة في 2026 مستمرة منذ 6 أشهر، لم تتمكن فيها الولايات المتحدة، برغم قوتها العسكرية الضارية، من تحقيق أي من اهدافها المعلنة، سواء القضاء على النظام الإيراني، أو إنهاء البرنامج النووي. بل إن الحرب منحت إيران نفوذاً غير مسبوق على مضيق هرمز الذى تمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية، بما وضع إدارة ترامب فى مأزق سواء فى الداخل مع ارتفاع الأسعار بسبب تعطل الحركة فى المضيق، أو خارجيا مع تزايد الضغوط الاقتصادية المترتبة على ذلك.

 

ربع قرن من الحرب.. من مطاردة القاعدة إلى مواجهة الدول

بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر، تبدو الحرب الأمريكية في إيران مختلفة في أسبابها المباشرة، لكنها تحمل بعض ملامح الإرث الذي تشكل بعد الهجمات.

 

فالحرب الحالية لم تبدأ باعتبارها ردًا مباشرًا على هجمات 11 سبتمبر، كما أن إيران لم تكن طرفًا في تلك الهجمات. لكن المسار التاريخي الذي بدأ بعد 11 سبتمبر أسهم في إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وفتح الباب أمام سلسلة متواصلة من المواجهات والتدخلات العسكرية، وصولًا إلى المواجهة المباشرة مع طهران.

 

وتكشف الحرب كذلك عن استمرار مشكلة "التمدد العسكري" الأمريكي التي تراكمت خلال العقود الماضية. فواشنطن لا تواجه إيران في فراغ، وإنما تدير في الوقت نفسه شبكة واسعة من الالتزامات العسكرية حول العالم، بينما لا تزال آثار حروب أفغانستان والعراق حاضرة في الجيش الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية.


وبعد ربع قرن، لم يعد السؤال فقط هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في الانتقام من منفذي هجمات 11 سبتمبر، أو القضاء على تنظيم القاعدة الذي دبرها، وإنما أصبح السؤال الأوسع: ماذا صنعت الحروب التي بدأت باسم الرد على تلك الهجمات؟.

 

فقد قُتل أسامة بن لادن، وسقط نظام طالبان ثم عاد إلى الحكم، وغزت الولايات المتحدة العراق ثم انسحبت منه، قبل أن تعود إلى المنطقة لمواجهة تنظيم داعش، فيما انتشرت عملياتها العسكرية من باكستان واليمن إلى سوريا والصومال.

 

وبينما بدأت قصة ما بعد 11 سبتمبر بمطاردة تنظيم إرهابي غير تابع لدولة أو حكومة، وصلتت بعد ربع قرن إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة مثل إيران، في تحول يلخص إلى حد كبير المسافة التي قطعتها السياسة الخارجية الأمريكية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة