رانيا يوسف تكتب: فيلم الجواهرجى.. رحلة البحث عن كوميديا التسعينيات

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 07:00 م
رانيا يوسف تكتب: فيلم الجواهرجى.. رحلة البحث عن كوميديا التسعينيات الجواهرجي

كان الرهان على عودة الفنان محمد هنيدي والفنانة منى زكي معا على شاشة السينما بعد سنوات طويلة، مشروع منتظر خاصة من جمهور بدأ معهم رحلة الصعود منذ التسعينيات، لم تكن المسألة مجرد استعادة نوستالجيا نجاحات سابقة، بقدر ما كان انتظار لما يمكن أن تقدمه ثنائية لديها نضج فني وخبرة قادرة على مواجهة الموجة الشبابية الجديدة في السينما.

غير أن فيلم "الجواهرجي" جاء هادما لتلك التوقعات، من خلال قصة مستهلكة عن الخلافات الزوجية تم تقديمها دون اي اضافة او تمييز عن ما قدمت في أعمال سابقة، كما أنها لم تتماشى مع المرحلة العمرية والفنية التي يقف فيها كل نجم من أبطال الفيلم الأن.

لكن المفارقة الأكثر دهشة أن هذا التعثر جاء عبر نص يحمل توقيع الكاتب عمر طاهر، والمخرج إسلام خيري، وهما اسمان يمتلكان في سجلهما بصمات فنية مميزة وقدرة مشهودة على صياغة أفكار تحمل قدرا كبيرا من الإبداع و الإيقاع الموازي لروح العصر، ورغم اجتماع هذا الفريق المتميز، جاء الفيلم عاجزا عن تقديم معالجة درامية اجتماعية جادة تغلفها الكوميديا الخفيفة، بل تحول السيناريو إلى تكرار نمط لم يعد جاذبا لتطلعات جمهور السينما الحالي.

هذا التراجع في الكتابة منح الأبطال مساحة حرة لارتجال حوار هزيل، معتمدين على رصيد نجوميتهم، خاصة الفنان محمد هنيدي الذي يقف منذ سنوات أمام أزمة استهلاك ذاتي في السينما والتليفزيون على حد سواء، فهو لا يزال مصراً على مخاطبة الجمهور بنفس الإفيهات والأسلوب الذي حقق به نجاحات في التسعينات و مطلع الألفية، دون أن يعي تغيير ذائقة الجمهور التي شهدت تحولا جذريا بفعل التطور الطبيعي للأجيال والفئة العمرية الأكثر ترددا على دور العرض حاليا.

يعتمد الفيلم على حبكة الخلافات الزوجية القائمة على تبادل الأدوار بين الزوجين ومحاولة إعادة بناء الحياة بالاستعانة بمعالج للعلاقات الزوجية، وهي تيمة ان لم تقدم فيها حبكة جديدة، تصبح متهالكة وتكرار تفاصيلها لا يتناسب مع مفردات العصر، الذي يتشكل تحت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وضغوط الحياة الاقتصادية، والإيقاع اليومي السريع.

طرح هذه المشاكل بأسلوب سطحي يتجاهل هذه المتغيرات جعل الفيلم يبدو نتاج كسل كتابي، لم يجتهد حقا في فهم المشاكل الحقيقية للأسرة الآن، حيث بدت الأحداث مفتعلة وإيقاعها مترهل، السينما المعاصرة تتطلب إيقاعاً أسرع ومعالجات أكثر حيوية لتفاصيل الحياة اليومية، أما الرهان على قالب قديم يخلق جدار بين الفيلم والمشاهد الذي هو في حالة تطور لحظي.

يقدم الفيلم الكوميديا بأسلوب ينتمي لروح سينما التسعينيات، ذلك النمط الذي تأسس مع تجربة "صعيدي في الجامعة الأمريكية" وما تبعها، حيث كان يعتمد فيه هنيدي على الكاريزما الفردية والمبالغة الحركية والصوتية، مع غزارة الإفيهات القائمة على المفارقة الثقافية والاجتماعية.

كان هذا الشكل الكوميدي يعبر عن تحولات مجتمعية حقيقية ذلك الوقت، ويستمد قوته من المفاجأة وسرعة الإيقاع وتفرد شخصية هنيدي بين نجوم مثل السقا وكريم عبد العزيز وأحمد عز.

إلا أن إعادة تكرار هذا النمط بنفس الأسلوب حاليا فقد بريقه، فالجمهور تغيرت ذائقته تجاه الكوميديا المعتمدة على السخرية الذاتية والافيه المباشر والمبالغة الجسدية، هنيدي يرفض الانفصال عن خلطته القديمة التي كان يقدمها لجمهوره منذ بداياته.

تعد الفنانة منى زكي نموذجا للممثلة المجتهدة شديدة الشغف للشخصيات التي تقدمها منذ بداياتها، لكن تظل هناك حقيقة واضحة في مسيرتها، إن النجاح الذي حققته في الدراما والأعمال الجادة لم تصل إليه في تجاربها الكوميدية.

وقعت مني في فخ الأداء الكوميدي السطحي الذي يتغذى على الصراخ والغضب المبالغ فيه، وافتعال المواقف للوصول إلى الضحك، وهو مظهر صريح لغياب البناء الدرامي.

الكوميديا بحد ذاتها جنس فني معقد، تعتمد في المقام الأول على التلقائية والفطرة في التقاط الإيقاع، وإذا لم تكن هذه الحساسية الكوميدية حاضرة لدى الممثل أو متمكنة منه منذ خطواته الأولى، يصبح من الصعب جداً تعويضها بالاجتهاد وحده أو محاولة اكتسابها لاحقا.

هذا الأداء يعكس إشكالية أعمق تشمل تجربة الفيلم ككل، الاعتماد المفرط على الرصيد القديم للنجم ومراهنة صناع العمل على محبة الجمهور لثنائي نجح في الماضي يظل دوما رهان خاسر أمام منافسات شباك التذاكر اذا لم يقدم جديد للجمهور و لرصيده الفني.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة