شيماء منصور تكتب: حين أصبحت القاهرة مسرحا للعالم.. حكاية الدورة الـ33 من «التجريبي»

الخميس، 10 سبتمبر 2026 08:12 م
شيماء منصور تكتب: حين أصبحت القاهرة مسرحا للعالم.. حكاية الدورة الـ33 من «التجريبي» شيماء منصور فى ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي

0:00 / 0:00

إلى أين يمكن للمسرح أن يذهب؟ عندما نتأمل هذا السؤال خاصة مع إسدال الستار على الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، سنجد أن السؤال نفسه هو إجابة أكثر صدقا عن معنى التجريب.

 

لمحة من الدورة 33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي

فتلك الدورة من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي برئاسة الدكتور سامح مهران، لم تكن مجرد موعد مع عروض مسرحية، أو محاور فكرية، أو ورش، بل كانت رحلة كاملة داخل أسئلة الفن والإنسان والمستقبل، فمن الخشبة إلى قاعات الفكر، ومن الورش إلى الكتب، ومن ذاكرة الرواد إلى تجارب الشباب، اختتم المهرجان  دورته الثالثة والثلاثين تاركًا وراءه أكثر من ستارة أُسدلت.. تاركًا أسئلة مفتوحة عن المسرح الذي نريده، والإنسان الذي يخاطبه، والمستقبل الذي يقف أمامه.

 

في القاهرة، حيث اعتاد المسرح أن يكون مرآة لأسئلة المجتمع وتحولاته، جاءت الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لتؤكد أن التجريب ليس ترفًا فنيًا، ولا بحثًا عن الاختلاف من أجل الاختلاف، وإنما هو في جوهره محاولة دائمة لاختبار حدود الممكن على خشبة المسرح.

 

مسارح القاهرة تتحول لمساحة واسعة من الحوار

ومن الأول إلى الثامن من سبتمبر، تحولت مسارح القاهرة إلى مساحة واسعة للحوار بين ثقافات واتجاهات ومدارس مسرحية متعددة، في دورة حملت برئاسة الدكتور سامح مهران رؤية تتجاوز فكرة المهرجان بوصفه سلسلة من العروض، لتقدمه باعتباره ملتقى للمعرفة والممارسة والتجربة وتبادل الخبرات.

 

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن الدورة الثالثة والثلاثين تراهن على اتساع الخريطة، فقد سبقت العروض مرحلة طويلة من المشاهدة والاختيار، قبل الاستقرار على العروض المشاركة في المهرجان، وجاءت النتيجة خريطة مسرحية عابرة للحدود، جمعت تجارب من أوروبا وآسيا وأفريقيا والعالم العربي، لتلتقي على خشبات القاهرة عروض تحمل اختلافات ثقافية وجمالية، لكنها تشترك في الرغبة نفسها: البحث عن لغة جديدة للمسرح.

 

وهكذا لم تكن القاهرة مجرد مكان لاستضافة عروض أجنبية وعربية، وإنما أصبحت مرة أخرى نقطة التقاء بين تجارب مسرحية مختلفة، يرى فيها الفنان ما يفعله الآخر، ويعيد من خلالها اكتشاف أسئلته الخاصة، التجريب.. حين يصبح السؤال أهم من الإجابة ،ولكن عروض المسابقة لم تكن وحدها بطلة الدورة، فإلى جوار الخشبة، امتدت مساحة أخرى لا تقل أهمية: مساحة الفكر.

 

على مدار ستة أيام، فتحت الجلسات الفكرية أبواب النقاش حول قضايا التجريب المسرحي، وتحولات المشاهدة، وعلاقة المسرح بالأقاليم الثقافية، وتأثير النظام الرأسمالي العالمي، إلى جانب جلسات «رد الجميل» التي استعادت سير وتجارب عدد من رموز المسرح.

 

وهنا ربما تكمن واحدة من أهم علامات الدورة: أنها لم تتعامل مع التجريب باعتباره تقنية مسرحية فقط، وإنما باعتباره موقفًا من العالم فالسؤال لم يعد فقط: كيف نقدم عرضًا مختلفًا؟ بل أصبح: كيف نفهم المتلقي؟ كيف تغيرت علاقته بالعرض؟ ماذا فعلت التكنولوجيا بالإنسان وبالجسد وبالمشهد؟ وكيف يمكن للمسرح أن يحافظ على حضوره في عالم تتغير فيه طرق التلقي كل يوم؟

 

أسئلة كثيرة، لم تبحث عن إجابات نهائية بقدر ما أرادت أن تجعل المهرجان نفسه مختبرًا للأفكار، حتى الصورة البصرية لبوسترالدورة حملت سؤال المستقبل، عبر وضع الإنسان في مواجهة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى واحد من أكبر الأسئلة التي تواجه الفن اليوم: ماذا يحدث للإبداع عندما تصبح الآلة شريكًا في إنتاج الصورة والصوت والنص؟

 

وفي المقابل، جاءت ورش الدورة لتعيد الاهتمام إلى أكثر عناصر المسرح بداهة وعمقًا، وتنوعت موضوعاتها بين الكتابة والإخراج والأداء والسرد الحركي والفضاءات المسرحية، إلى جانب ورش ركزت على الجسد بوصفه أداة للسرد والتواصل، وعلى تدريب الممثل وبناء الشخصية والارتجال، وهكذا، بينما كانت النقاشات تنظر إلى مستقبل المسرح، كانت الورش تعود إلى أساسه: الجسد، والصوت، والخيال، والحضور الإنساني.

 

ولأن التجريب لا يولد من فراغ، خصصت الدورة مساحة مهمة للذاكرة، جاء برنامج «رد الجميل» ليعيد فتح صفحات من تاريخ المسرح المصري والعربي، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى تجارب صنعت جانبًا من الوعي المسرحي العربي ، وفي «يوم المسرح المصري»، بدا الاحتفاء بالرواد وكأنه تأكيد على أن التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع الماضي، وإنما القدرة على الحوار معه وإعادة قراءته.

 

ومن بين أبرز هذه المساحات، الندوة التي استحضرت سيرة المخرج والمربي سعد أردش، بما حملته من شهادات إنسانية وفنية من تلاميذه وزملائه، لتكشف أن أثر الفنان لا يقاس فقط بما قدمه على الخشبة، وإنما بما تركه في أجيال جاءت بعده.

 

فمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لم يكتف بأن يجعل المسرح شيئًا يشاهد، بل جعله أيضًا شيئًا يناقش ويدرس ويقرأ ويكتب عنه.

فمصر.. ليست فقط بلد المهرجان، وفي قلب هذا كله، حضرت مصر لا باعتبارها البلد المضيف فحسب، وإنما باعتبارها طرفًا فاعلًا في الحوار، العروض المصرية، والورش، والباحثون، والنقاد، والفنانون، والمؤسسات الثقافية، كلها شاركت في صناعة المشهد.

 

كما حملت الدورة برامج تربط القاهرة بالعالم، ومن بينها عروض جاءت ضمن مشروع «من القاهرة إلى مسارح العالم»، لتؤكد أن العلاقة ليست في اتجاه واحد؛ فالقاهرة تستقبل العالم، لكنها في الوقت نفسه تدفع بتجاربها إلى الخارج، وفي النهاية كانت الخشبة هي الحكم.


ثم جاءت اللحظة التي تنتظرها كل دورة: الجوائز، لكن جوائز الدورة الثالثة والثلاثين لم تكن مجرد أسماء تعلن في ليلة الختام، وإنما كانت خلاصة رحلة طويلة من المشاهدة والمقارنة والاختيار، وحصد العرض البيلاروسي «Zhenya + Tanya = Love» جائزة أفضل عرض.

 

فالمهرجان، في النهاية، لم يكن مجرد مكان، كان بيتًا مؤقتًا للمسرحيين، بيت تتقاطع فيه اللغات، وتختلف فيه المدارس، وتتجاور فيه الأجيال، لكن يجمعها جميعًا شيء واحد: الإيمان بأن المسرح ما زال قادرًا على أن يقول شيئًا لا تستطيع وسائط أخرى قوله.

 

ستارة تسدل.. وسؤال يبقى ثمانية أيام انتهت، انتهت العروض، وعادت المسارح إلى هدوئها، وغادر الضيوف القاهرة، وأُعلنت الجوائز.

 

لكن التجريب بطبيعته لا يعرف النهاية، فكل تجربة حقيقية تترك وراءها تجربة أخرى، وكل إجابة تفتح سؤالًا جديدًا، وكل عرض ينجح في كسر قاعدة يضع أمام الفنان قاعدة أخرى تنتظر أن تكسر، ولهذا ربما يكون الإنجاز الحقيقي للدورة الثالثة والثلاثين أنها لم تحاول أن تقدم تعريفًا نهائيًا للتجريب، بل تركته مفتوحًا، مفتوحًا على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وعلى الجسد والأداء، وعلى الجمهور وتحولات المشاهدة، وعلى ذاكرة الرواد وأحلام الأجيال الجديدة، وعلى القاهرة وهي تستقبل العالم ثم ترسله إلى العالم محملًا بحكاياتها. هكذا انتهت الدورة الثالثة والثلاثون.. لكن المسرح لم ينته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة