تتحول أزمة مضيق هرمز إلى اختبار جديد لأمن الطاقة الأوروبى ، بعدما أدى التصعيد العسكرى بين الولايات المتحدة وإيران إلى اضطراب حركة ناقلات النفط والغاز فى الخليج ، ودفع أسعار الخام إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل ، بالتزامن مع قفزة حادة فى أسعار الغاز الطبيعى الأوروبية ، وسط مخاوف من أن تتحول أزمة الملاحة إلى موجة تضخم جديدة تضرب الأسر والصناعة مع اقتراب شتاء 2026-2027.
وتجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل في 9 سبتمبر، للمرة الأولى منذ يوليو، بعدما أدت التطورات العسكرية المتلاحقة إلى زيادة المخاوف بشأن تدفقات النفط من منطقة الخليج. وارتفع برنت بنحو 25% منذ بداية أغسطس، في حين تشير تقديرات إلى أن نحو 10 ملايين برميل يوميًا من صادرات النفط لا تزال متأثرة بالحرب واضطرابات المنطقة، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تصعيد جديد.
هرمز.. نقطة الاختناق الأخطر
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ولذلك فإن أي قيود طويلة على حركة السفن لا تعني فقط تأخير وصول شحنات النفط، بل تهدد أيضًا إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج إلى الأسواق العالمية.
ومع اتساع الهجمات لتشمل ناقلات النفط والسفن التجارية، ارتفعت المخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى زيادة علاوة المخاطر على الخام، ورفع تكاليف التأمين والشحن، ما ينعكس في النهاية على أسعار الوقود والنقل والصناعة في أوروبا.
ولا تقتصر المشكلة على انخفاض الإمدادات الفعلية، إذ إن الأسواق تسعر أيضًا احتمال استمرار الأزمة لفترة أطول. ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه المخزونات العالمية، بينما أصبحت الطاقة الإنتاجية الاحتياطية محدودة، ما يقلص قدرة السوق على امتصاص صدمة جديدة.
الغاز الأوروبي يدخل منطقة الخطر
ويظهر التأثير بصورة أكثر وضوحًا في سوق الغاز الأوروبية. فقد ارتفع عقد الغاز الهولندي «تي تي إف» للشهر المقبل إلى نحو 79 يورو لكل ميجاوات/ساعة، وهو أعلى مستوى منذ بداية 2023، بعدما كانت الأسعار تدور حول 40 يورو في يوليو، ما يعني تضاعفها تقريبًا خلال فترة قصيرة.
وتزداد حساسية أوروبا تجاه الأزمة بسبب اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال القادم من منطقة الخليج، وعلى رأسه الغاز القطري. ومع استمرار اضطرابات الإنتاج ، أصبحت القارة أمام منافسة أكبر على شحنات الغاز المتاحة، خصوصًا مع اقتراب موسم التدفئة وارتفاع الطلب المتوقع في آسيا.
وتشير بيانات حديثة إلى أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي لا تتجاوز نحو 65% من طاقتها، وهو مستوى يعد من الأدنى خلال 15 عامًا، ما يثير القلق بشأن قدرة القارة على دخول الشتاء بهامش أمان كافٍ.
فاتورة الطاقة تهدد الصناعة الأوروبية
ولا تتوقف تداعيات ارتفاع النفط والغاز عند محطات الوقود أو فواتير التدفئة. فارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكلفة تشغيل المصانع، والنقل، والشحن، وإنتاج الأسمدة والمواد الكيميائية، كما يزيد تكلفة الكهرباء في الدول التي تعتمد على الغاز في توليد جزء من احتياجاتها.
وفي حال استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة، يمكن أن تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى أسعار البنزين والديزل والنقل الجوي والبحري، ثم إلى أسعار السلع والخدمات. وهذا السيناريو يمثل مشكلة خاصة لأوروبا، التي لا تزال تحاول السيطرة على التضخم وتحسين القدرة التنافسية لصناعاتها.
كما أن ارتفاع الغاز يمثل تحديًا إضافيًا للصناعة الأوروبية، خصوصًا القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل المعادن والزجاج والكيماويات والأسمدة. ومع ارتفاع تكلفة الإنتاج، قد تجد الشركات نفسها أمام خيار رفع الأسعار أو تقليص الإنتاج، بما يضغط على النمو الاقتصادي.
شبح شتاء صعب يعود إلى أوروبا
وتعيد أزمة هرمز إلى الواجهة المخاوف التي عاشتها أوروبا خلال أزمة الطاقة السابقة، لكن القارة تدخل هذه المرحلة بظروف مختلفة. فقد خفضت استهلاك الغاز منذ أزمة 2022، ووسعت الاعتماد على الطاقة المتجددة ومصادر الاستيراد البديلة، ما يوفر بعض الحماية أمام الصدمات.
لكن انخفاض مستويات التخزين يجعل أي استمرار طويل للاضطرابات أكثر خطورة. وتحتاج أوروبا إلى مواصلة ملء مخزوناتها قبل اشتداد الطلب الشتوي، في وقت قد تضطر فيه إلى دفع أسعار أعلى لجذب شحنات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية.
وفي السيناريو الأسوأ، قد تتزامن موجة برد أوروبية مع استمرار إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز، لتواجه القارة ارتفاعًا متزامنًا في الطلب والأسعار، بينما تصبح المنافسة على شحنات الغاز أكثر شراسة.
أزمة هرمز تتجاوز النفط والغاز
وتكشف التطورات الحالية أن تداعيات مضيق هرمز لا تقتصر على أسواق الطاقة، بل تمتد إلى الاقتصاد الأوروبي بأكمله. فارتفاع النفط يزيد تكاليف النقل، بينما يؤدي ارتفاع الغاز إلى زيادة تكلفة الكهرباء والصناعة، ومعًا يمكن أن يدفعا التضخم إلى الارتفاع ويضعا البنوك المركزية أمام قرارات أكثر صعوبة بشأن أسعار الفائدة.
وبذلك يتحول مضيق هرمز من أزمة جيوسياسية في الشرق الأوسط إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد الأوروبي. وكلما طال أمد الاضطراب، ارتفعت احتمالات انتقال الصدمة من ناقلات النفط والغاز إلى المصانع والأسواق والمستهلكين، لتجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة: تأمين الطاقة بأسعار مرتفعة، والحفاظ في الوقت نفسه على النمو والسيطرة على التضخم.