أتذكر، خلال نشأتي كطالب في الصين في تسعينيات القرن الماضي، أن مصر كانت من أوائل الحضارات القديمة التي درسناها في حصص التاريخ - الأهرامات، والهيروغليفية، ونهر النيل. وللصين رموزها الخالدة: المدينة المحرمة، ونقوش عظام التنبؤ، والنهر الأصفر.
باعتبارهما اثنتين من أقدم أربع حضارات في العالم، قدمت الصين ومصر إسهامات في المعرفة والثقافة لا تزال آثارها ملموسة حتى اليوم.
رابطة قديمة
على الرغم من بُعد المسافة بينهما آلاف الكيلومترات، سلكت الصين ومصر مسارات تنموية مختلفة تمامًا. فكيف صمدت هاتان الحضارتان كل هذه المدة؟
قد يكمن جزء من الإجابة في شيء مشترك بينهما: عادة تحويل الملاحظات والمعرفة إلى أدوات عملية.
لنأخذ الكتابة والورق كمثال. صنع المصريون القدماء ورق البردي وطوروا الهيروغليفية لحفظ السجلات المكتوبة وتوثيق المعرفة. في الصين، تطورت صناعة الورق قبل حوالي ألفي عام. وبأساليب مختلفة وفي أزمنة متباينة، سهّلت كلتا الحضارتين تسجيل المعرفة ونقلها.
ثمة أوجه تشابه أخرى. فقد طوّرت مصر تقويمًا من 365 يومًا، بينما ابتكرت الصين تقويمها القمري الشمسي وفصولها الشمسية الأربعة والعشرين. كما شهدت الرياضيات والطب تطورًا مبكرًا في كلتا الحضارتين، مدفوعتين في الغالب باحتياجات عملية.
قد تبدو هذه حقائق بسيطة من كتاب تاريخ قديم، لكنها تشير إلى أمر لا يزال ذا أهمية بالغة حتى اليوم.
لا تُعرَّف الحضارة بما تخلفه من إرث فحسب، بل تُعرَّف أيضًا بكيفية ابتكار كل جيل جديد طرقًا جديدة لاستخدام المعرفة ومشاركتها.
أدوات جديدة
لا يزال هذا الترابط جليًا في التعاون الصيني المصري اليوم.
على مدى سبعة عقود، توسعت العلاقة لتشمل التجارة والتصنيع والطاقة والفضاء والتكنولوجيا. عملت فرق صينية ومصرية معًا في مشاريع مثل مشروع EgyptSat-2، بينما شاركت شركات صينية في مشاريع الطاقة المتجددة المصرية، بما في ذلك مجمع بنبان للطاقة الشمسية.
وتُضيف التكنولوجيا الرقمية بُعدًا جديدًا لهذا التعاون.
استخدم مطور البرمجيات المصري أحمد الخولي أدوات الذكاء الاصطناعي على منصة هواوي لتطوير تطبيق "مانيثو"، وهو تطبيق قادر على التعرف على الكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة. يستطيع المستخدمون توجيه كاميرا هواتفهم نحو أي نقش والحصول على ترجمته. هذه التقنية حديثة، لكن الهدف مألوف: استخدام المعرفة والأدوات الحديثة لفهم العالم وجعله أكثر سهولة.
شراكة متنامية
يمثل هذا المثال جزءًا من علاقة أوسع بكثير. ففي عام ١٩٥٦، كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. ويحتفل البلدان هذا العام بمرور ٧٠ عامًا على هذه العلاقات.
وتتجلى ضخامة هذه العلاقات في الأرقام. بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي حوالي 20.8 مليار دولار أمريكي في عام 2025. وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، استقطبت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية (TEDA Suez) أكثر من 200 شركة واستثمارات تجاوزت 4.7 مليار دولار أمريكي، مما أدى إلى خلق أكثر من 10,000 وظيفة مباشرة بحلول نهاية يونيو من هذا العام.
تُظهر هذه الأرقام مدى ترابط الاقتصادين. لكن قيمة التعاون لا تُقاس فقط بالتجارة أو الاستثمار أو عدد المشاريع، بل تتجلى أيضًا في المهارات التي يكتسبها الأفراد، والشركات التي يبنونها، والأفكار التي يُحولونها إلى واقع ملموس.
ماذا بعد؟
قد يكون الابتكار التكنولوجي أحد المجالات التي ستُمثل المرحلة التالية من التعاون الصيني المصري. وستظل المشاريع الكبرى ذات أهمية، وكذلك التجارة والاستثمار والبنية التحتية. ولكن هناك أيضًا مجال لمزيد من التعاون الذي يُتيح للمهندسين والباحثين والمطورين والطلاب ورواد الأعمال فرصة استخدام التكنولوجيا الحديثة بطرقهم الخاصة.
تُعدّ شركة مانيثيو مثالًا على ما يُمكن أن يكون عليه هذا التعاون. يربط هذا المشروع بين التكنولوجيا الرقمية الحديثة وإحدى أقدم التقاليد الكتابية في العالم، وقد ابتكره مطور برامج مصري باستخدام أدوات متاحة من خلال التعاون مع الصين.
تربط الصين ومصر علاقات تاريخية تمتد لآلاف السنين. ولا يجب أن يكون المستقبل مجرد فصل آخر عن الماضي، بل يمكن أن يكون فصلاً جديداً يستكشف إمكانيات الحاضر.