<< سندس.. طفلة يحاصرها جدري الماء داخل خيمة لا تحميها من المرض والحرارة
<< استشاري الأمراض الجلدية: الاكتظاظ ونقص المياه وسوء التغذية عوامل ساعدت على انتشار العدوى
<< حارسات الليل.. أمهات يسهرن لحماية أطفالهن من القوارض والحشرات داخل الخيام
<< أسامة سحلول.. 20 يوما من العمر ومرض الجدري يسبق فرحة الطفولة
<< مدير عام صحة غزة: تلوث المياه الجوفية يفاقم المخاطر الصحية ويزيد انتشار الأمراض الجلدية
<< يزن عباس.. عام من المعاناة مع المرض والحكة التي تصل إلى حد النزيف
<< مدير الإغاثة الطبية: ارتفاع الحرارة داخل خيام النازحين فاقم انتشار الأمراض الجلدية
<< أمهات غزة.. رحلة يومية بحثا عن دواء وماء نظيف لحماية أطفالهن من الأمراض الجلدية
<< أشجان السوسي.. قطعة كرتون تتحول إلى مروحة صغيرة في مواجهة حرارة الخيمة ووجع المرض
<< أطباء يحذرون: علاج المرض لا يكفي.. السيطرة على العدوى تبدأ من المياه والنظافة وتقليل الاكتظاظ
أربع سنوات فقط عمر يفترض أن يكون مليئا باللعب والضحكات والأحلام الصغيرة، لكن الطفلة الفلسطينية سندس لم تعرف من طفولتها سوى مشاهد النزوح، وضيق الخيام، والخوف الذي يرافقها في كل يوم، بدلا من أن تحمل دميتها وتذهب إلى مكان آمن، تحمل جسدا صغيرا أنهكه المرض، وتواجه وجعا أكبر من سنوات عمرها القليلة.
في إحدى خيام النزوح بغزة، تقاوم سندس مرض الجدري المائي الذي انتشر بين آلاف الأطفال خلال أشهر الصيف، في ظل ظروف إنسانية وصحية قاسية جعلت الأمراض الجلدية تجد طريقها بسهولة إلى أجساد النازحين، خاصة الأطفال الذين يعيشون في أماكن مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة، ووسائل النظافة، والرعاية الطبية الكافية.
سندس.. طفلة غزة تحاصرها الخيام والجدري
لم يعد المرض بالنسبة لسندس مجرد طفح جلدي أو حمى عابرة، بل أصبح معركة يومية تخوضها طفلة صغيرة لا تفهم لماذا يؤلمها جسدها، ولماذا لا تجد الدواء بسهولة، ولماذا أصبحت الخيمة التي تعيش فيها مكانا يجتمع فيه المرض والخوف والحرارة.
الطفلة سندس
تنهش البقع والآلام جسد سندس الصغير، كما تنهش أجساد آلاف الأطفال في القطاع الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أمراض لم تكن لتنتشر بهذه الصورة لولا ظروف الحرب والنزوح وتدهور الواقع الصحي، فمع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، وتكدس العائلات داخل خيام مؤقتة، ونقص المياه ومستلزمات الوقاية، أصبحت الأمراض الجلدية واحدة من الوجوه اليومية لمعاناة الأطفال.
والأصعب من المرض نفسه هو غياب الظروف التي تساعد على التعافي، فالأدوية محدودة، والمرافق الصحية تعاني من ضغط هائل، والأسر النازحة تكافح لتوفير أبسط احتياجات أطفالها، أم سندس لا تبحث عن رفاهية، بل عن دواء يخفف ألم ابنتها، ومكان آمن تستطيع فيه طفلتها أن تنام دون أن تستيقظ على الحكة والحرارة والخوف.
قصة سندس ليست قصة طفلة واحدة، بل صورة تختصر معاناة جيل كامل من أطفال غزة الذين سرقت الحرب جزءا كبيرا من طفولتهم، أطفال يواجهون المرض بدلا من اللعب، والانتظار بدلا من المستقبل، والخيام بدلا من البيوت.
في عيون سندس الصغيرة تختبئ أسئلة كثيرة لا تستطيع الكلمات التعبير عنها، لماذا جاء المرض؟ ولماذا لا تجد العلاج؟ ولماذا أصبح الألم جزءا من أيامها الأولى في الحياة؟ ليس الوجع في المرض وحده، بل في أن طفلا في الرابعة من عمره يضطر إلى تحمل كل هذا الألم، بينما يشاهد العالم معاناة الأطفال دون أن تتوقف المأساة، فهذه الفئة داخل القطاع لا تملك القدرة على حماية أنفسها، ولا اختيار المكان الذي تعيش فيه، ولا فهم أسباب الحرب التي تحاصرها.
9300 إصابة خلال أسبوعين
لم تعد الخيام في غزة مجرد أماكن مؤقتة تؤوي النازحين من القصف، بل أصبحت بيئة قاسية تتجمع فيها عوامل المرض والمعاناة، فمع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وتزايد أعداد النازحين في مساحات ضيقة، بدأ جدري الماء ينتشر بصورة مقلقة بين الأطفال والعائلات، ليضيف أزمة صحية جديدة إلى واقع إنساني يزداد صعوبة يوما بعد يوم.
وأعلنت منظمة الأمم المتحدة، خلال بيان لها في 8 يوليو، تسجيل نحو 9300 إصابة بجدري الماء خلال أسبوعين فقط، بينها أكثر من نصف الحالات في محافظة خان يونس، مشيرة إلى أن تفشي المرض يعود إلى الاكتظاظ الشديد، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، وارتفاع درجات الحرارة.
وأضافت أن فرق الأمم المتحدة رصدت انتشار القوارض والطفيليات في 83% من مواقع النزوح، إلى جانب تراكم النفايات، وتجمع مياه الصرف الصحي، والمياه الراكدة، ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض.

حجم انتشار الأمراض الجلدية في غزة
ما هو الجدرى المائي وحجم خطورته؟
يقول الدكتور وهيب سعيد شحادة، استشاري الأمراض الجلدية بوزارة الصحة الفلسطينية ورئيس قسم الجلدية بمستشفى الشفاء، إن جدري الماء مرض فيروسي معد، ينتقل من خلال ملامسة الجلد المصاب أو عبر الرذاذ المتطاير أثناء تنفس الشخص المصاب، مشيرا إلى أن المرض يمكن أن ينشط بصورة أكبر عندما تضعف قدرة الجهاز المناعي على مقاومة العدوى.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن الظروف المحيطة بالسكان في غزة أصبحت بيئة مناسبة للغاية لانتشار جدري الماء وغيره من الأمراض الجلدية، موضحا أن أعدادا كبيرة من السكان تعيش في مخيمات نزوح عبارة عن خيام متلاصقة، ويقطن في الخيمة الواحدة في المتوسط نحو خمسة أشخاص، ما يزيد من فرص انتقال العدوى بين أفراد الأسرة والمخالطين.

انتشار الأمراض الجلدية في غزة
ويشير إلى أن الشوارع الممتلئة بالركام والقمامة، وعدم توافر كميات كافية من المياه للاستحمام، إلى جانب نقص المياه الصالحة للشرب وسوء التغذية وما يترتب عليه من ضعف في المناعة، كلها عوامل أسهمت في الانتشار الكبير للأمراض الجلدية بين المواطنين.
ويوضح استشاري الأمراض الجلدية أن فيروس جدري الماء، بعد التعافي من الإصابة، يمكن أن يبقى كامنا في الجهاز العصبي، وقد يعاود النشاط في ظروف معينة، وهو ما يرتبط بظهور مرض الحزام الناري، لافتا إلى أن متابعته للحالات المرضية في القطاع أظهرت، بحسب ملاحظاته السريرية، تكرار الإصابة بجدري الماء لدى بعض المرضى، الأمر الذي يستدعي مزيدا من المتابعة الطبية والدراسة لفهم طبيعة هذه الحالات.
ويشدد على أن السيطرة على انتشار الأمراض الجلدية في غزة لا تتوقف فقط على علاج الحالات المصابة، وإنما تبدأ بالحد من الأسباب التي تساعد على انتشار العدوى، وفي مقدمتها تحسين الظروف المعيشية داخل مخيمات النزوح، وتوفير المياه النظيفة، وتحسين مستوى النظافة، وتقليل التكدس السكاني قدر الإمكان.
ويكشف رئيس قسم الجلدية بمستشفى الشفاء عن حجم الضغط الذي يواجهه القسم يوميا، قائلا: "من بين نحو 100 مراجع لقسم الجلدية يوميا، نرصد حوالي 15 إصابة بجدري الماء، ونحو 20 إصابة بلسعات الحشرات، و10 حالات جرب، وأكثر من 30 حالة مصابة بالالتهابات البكتيرية".
وتعكس هذه الأرقام، بحسب الطبيب، حجم العبء الذي تفرضه الظروف الإنسانية الصعبة على صحة سكان القطاع، حيث لا تعمل الأمراض الجلدية بمعزل عن البيئة المحيطة، وإنما تتأثر بصورة مباشرة بمحدودية المياه، وسوء التغذية، والازدحام، وتراكم النفايات والركام، وهي عوامل تجعل السيطرة على العدوى تحديًا إضافيًا أمام المنظومة الصحية في غزة.
الآلاف الحالات المصابة
مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تتفاقم المعاناة الصحية داخل القطاع، حيث لم تعد الأمراض المرتبطة بالظروف البيئية والصحية الاستثنائية مجرد حالات فردية، بل تحولت إلى أزمة تؤرق آلاف العائلات النازحة التي تعيش في أماكن مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الوقاية والرعاية، وبينما يكافح السكان آثار الحرب والنزوح المستمر، وجدت الأمراض الجلدية طريقها إلى أجساد الأطفال والكبار، لتصبح طبقة جديدة من الألم تضاف إلى قائمة طويلة من المعاناة اليومية.
ويأتي مرض الجدري المائي في مقدمة الأمراض الجلدية التي تشهد انتشارا واسعا خلال الفترة الأخيرة، خاصة بين الأطفال الذين يعيشون في خيام النزوح والمناطق المكتظة، حيث تساعد درجات الحرارة المرتفعة، وضعف التهوية، ونقص المياه النظيفة، وصعوبة الحفاظ على قواعد النظافة الشخصية، في زيادة فرص انتقال العدوى وانتشارها بسرعة بين أفراد المجتمع.
وخلال فترة زمنية قصيرة، سجلت وزارة الصحة الفلسطينية آلاف الحالات المصابة بالجدري المائي في غزة، وكان أكثر من نصف هذه الإصابات في جنوب القطاع، التي تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين الذين يعيشون في ظروف إنسانية وصحية بالغة الصعوبة، حيث تعكس هذه الأرقام حجم الضغط الذي تواجهه المنظومة الصحية، في وقت تعاني فيه المراكز الطبية من نقص الإمكانات والأدوية والمستلزمات اللازمة للتعامل مع الأعداد المتزايدة من المرضى.
صرخات المصابين في غزة
ولا تتوقف خطورة انتشار هذه الأمراض عند الأعراض الجسدية فقط، بل تمتد آثارها إلى معاناة نفسية واجتماعية يعيشها الأطفال والأسر على حد سواء، فالأطفال الذين فقدوا منازلهم وأمنهم، وأصبحوا يعيشون داخل خيام مؤقتة، يواجهون الآن أمراضا تضعف أجسادهم الصغيرة وتزيد من قسوة الظروف المحيطة بهم.
في غزة، لم يعد المرض حدثا عابرا في حياة الأسر، بل جزءا من واقع يومي يفرض نفسه على النازحين، حيث تتداخل آثار الحرب مع تدهور الظروف الصحية، لتخلق بيئة خصبة لانتشار العدوى، وبين حرارة الصيف وقلة الإمكانيات وصعوبة الوصول إلى العلاج، يبقى الأطفال الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه الموجة من الأمراض التي تهدد طفولتهم وتضاعف معاناتهم.
ويقول الصحفي الفلسطيني تامر قشطة إن جدري الماء يواصل الانتشار بين النازحين في القطاع، خاصة في محافظة خان يونس، التي تضم أعدادا كبيرة من العائلات النازحة التي تعيش داخل مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الصحية.
ويشير إلى أن انتشار المرض لا يمكن فصله عن الظروف التي يعيشها السكان، حيث إن الاكتظاظ الشديد داخل الخيام، وتراكم النفايات، وشح المياه النظيفة، وانهيار خدمات الصرف الصحي، كلها عوامل ساهمت في توفير بيئة صعبة تساعد على انتقال العدوى وانتشار الأمراض الجلدية بين الأطفال والكبار.
في مخيمات النزوح، لا يجد الأهالي مساحة كافية لعزل المصابين أو الحد من انتقال المرض إلى بقية أفراد الأسرة، ففي الخيمة الواحدة قد يعيش عدد كبير من الأشخاص، بينهم أطفال ورضع وكبار سن، ما يجعل أي إصابة بداية لسلسلة جديدة من العدوى.

أطفال غزة ومعاناتهم مع الجدري
ويضيف قشطة أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا من هذا الانتشار، حيث تواجه أجسادهم الصغيرة المرض في ظروف استثنائية، وسط نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية في غزة من ضغوط هائلة.
ولا يمثل جدري الماء مجرد مرض جلدي عابر بالنسبة لسكان غزة اليوم، بل أصبح انعكاسا للأزمة الإنسانية الأوسع التي يعيشونها، فخلف كل إصابة طفل قصة أسرة نازحة تحاول حماية أبنائها وسط ظروف لا تمنحها الحد الأدنى من مقومات الوقاية.
ويؤكد قشطة أن أزمة الأمراض الجلدية تكشف جانبا آخر من معاناة الحرب، حيث لا تقتصر آثارها على الدمار وفقدان المنازل، بل تمتد إلى صحة الإنسان اليومية، وإلى تفاصيل الحياة الصغيرة التي أصبحت شديدة القسوة، من الحصول على مياه نظيفة إلى توفير مكان آمن للأطفال.
أمراض جلدية تنهك أطفال غزة
داخل أحد مخيمات النزوح في غزة، لا تتوقف معاناة الأطفال عند فقدان المأوى أو شح الغذاء، بل تمتد إلى انتشار الأمراض الجلدية التي أثقلت كاهل عشرات العائلات، في ظل ظروف معيشية قاسية ونقص حاد في الرعاية الصحية، حيث تروى الأم عبير أبو عنزة قصة طفلها الرضيع، الذي لم يتجاوز عمره ستة أشهر، مؤكدة أن معاناته بدأت منذ كان في شهره الثاني.
وتضيف أن الأطباء وصفوا لطفلها كريمات ومراهم خاصة، ونصحوها بعدم تحميمه إلا مرة كل ثلاثة أيام، إلا أن وضعه كان يستدعي تنظيفه باستمرار، متابعة: "عندما ندهن جسمه بالدواء تتحسن حالته لفترة قصيرة، لكن بمجرد التوقف يعود الطفح الجلدي كما كان، الحبوب منتشرة في رقبته ويديه ورجليه وكل أنحاء جسده، ولم ينجح أي علاج في إنهائها".
الأم عبير أبو عنزة
وتشير إلى أن الآراء الطبية اختلفت حول طبيعة المرض، حيث قيل لها مرة إنه عدوى بكتيرية، ومرة أخرى إنه جرب أو جدري، لكنها تؤكد أن جميع الأدوية والمضادات الحيوية والمراهم التي استخدمتها لم تحقق أي فائدة تذكر.
وتتابع: "أنفقنا أكثر من ألف شيكل على الأدوية والعلاجات خلال الأشهر الماضية، لكن دون جدوى. أصبحنا عاجزين أمام ما يعانيه طفلنا"، واصفة الظروف المعيشية التي تعيشها الأسرة داخل المخيم، حيث إن المياه المتوفرة ليست بالمستوى المطلوب، والحشرات والقوارض منتشرة حول الخيام بشكل دائم.
وتقول الأم إن طفلها يصرخ بشدة كلما لامس الماء جسده أثناء الاستحمام، وكأنه لا يحتمل الألم الذي تسببه له الإصابة الجلدية، مؤكدة أن أبناءها الآخرين يعانون أيضا من مشكلات جلدية وتساقط الشعر، قائلة: "لدي خمسة أفراد من أسرتي انتشرت في جلودهم الحبوب، جلبت لهم مختلف أنواع العلاجات، لكن دون فائدة، جلدهم أصبح شديد الحساسية من كثرة استخدام الأدوية، ولا أعرف ماذا أفعل بعد الآن".
تلوث المياه الجوفية وانتشار الأمراض الجلدية
لم تقتصر معاناة سكان غزة خلال فصل الصيف على ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ داخل أماكن النزوح، بل تفاقمت بفعل أزمة المياه التي أصبحت أحد العوامل الرئيسية في انتشار الأمراض الجلدية، فمع تضرر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتعرض مصادر المياه للتلوث، اضطر كثير من النازحين إلى استخدام مياه غير آمنة أو محدودة الجودة في الشرب والاستحمام وغسل الملابس، الأمر الذي زاد من احتمالات الإصابة بالالتهابات الجلدية والأمراض المعدية، خاصة بين الأطفال.
وتشكل المياه الجوفية في القطاع مصدرا أساسيا لحياة السكان، إلا أن سنوات الحصار والحرب والأضرار التي لحقت بشبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة أدت إلى تراجع جودة المياه وارتفاع مستويات التلوث، ما انعكس بشكل مباشر على صحة المواطنين، ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، تصبح الظروف أكثر ملاءمة لانتشار البكتيريا والفيروسات، بينما تزيد صعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية في مخيمات النزوح المكتظة التي تفتقر إلى كميات كافية من المياه النظيفة.
وبينما يحتاج الأطفال المصابون بالأمراض الجلدية إلى عناية خاصة ونظافة مستمرة للحد من تفاقم الأعراض، يجد كثير من الأهالي أنفسهم أمام خيارات محدودة، حيث لا تتوفر المياه الآمنة بالكميات المطلوبة، ولا تمتلك الأسر النازحة الإمكانات اللازمة لتوفير العلاج أو مستلزمات الوقاية، وهكذا يتحول نقص المياه وتلوثها من أزمة خدمية إلى تهديد صحي مباشر، يضيف فصلا جديدا من المعاناة لأطفال غزة، الذين يواجهون المرض داخل خيام لا توفر لهم الحماية الكافية من الظروف البيئية القاسية.
الاحتلال يدمر محطات المياه في غزة
ويؤكد الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، أن المؤشرات البيئية والصحية تكشف عن كارثة غير مسبوقة، حيث بلغ متوسط تركيز الأملاح الذائبة الكلية في المياه الجوفية 3588 ملي جرام/ لتر، أي أكثر من 3.5 أضعاف الحد الموصى به عالميا لمياه الشرب، فيما وصلت بعض الآبار إلى 13000 ملي جرام / لتر، في دلالة واضحة على التدهور الحاد للخزان الجوفي وتداخل مياه البحر.
ويضيف أن الفحوصات الأخيرة أظهرت وجود تلوث بكتيري في نحو 19% من الآبار البلدية، بينما يعمل 40% من الآبار دون أنظمة كلورة فعالة أو تحتاج إلى صيانة عاجلة، مما يزيد من احتمالية انتقال الأمراض المنقولة عبر المياه، موضحا انعكاس المؤشرات بصورة مباشرة على الواقع الصحي، وأصبحت 48% من الأمراض الخاضعة للترصد الوبائي مرتبطة بالمياه والبيئة، وتشكل الأمراض المنقولة عبر المياه 25%، فيما تمثل الأمراض الجلدية 23% من إجمالي الحالات المسجلة، فيما تسجل المرافق الصحية عشرات الإصابات يوميا وآلاف الحالات أسبوعيا بالأمراض الجلدية والمعوية، بالتزامن مع تزايد حالات الحمى الشوكية.

حجم تلوث المياه داخل غزة
رش بمبيدات حشرية آمنة لمواجهة الالتهابات الجلدية
وحذرت وكالة "أونروا"، خلال بيان لها في 25 مايو – أي قبل بداية الصيف بأسابيع - من تفاقم انتشار الالتهابات الجلدية الناتجة عن القوارض والحشرات داخل غزة، في ظل الاكتظاظ الكبير بمخيمات النزوح وتدهور الأوضاع الصحية والبيئية.
وأضافت أن فرقها الطبية تواصل علاج آلاف المصابين من بين 125,085 حالة تم الإبلاغ عنها، كما أن فرق صحة البيئة تنفذ عمليات رش بمبيدات حشرية آمنة داخل مناطق النزوح للحد من انتشار الحشرات والقوارض.
وأشارت إلى أن نقص الوقود والمبيدات والخيام والأدوية يقيد قدرة الوكالة على الاستجابة وتوسيع تدخلاتها الصحية والبيئية، مشددة على الحاجة العاجلة لإدخال إمدادات صحة البيئة والمستلزمات الطبية إلى قطاع غزة دون قيود للحد من تفاقم المخاطر الصحية بين النازحين.

أمراض جلدية لأطفال غزة
الجرب والتقمل
ويؤكد بسام زقوت، مدير الإغاثة الطبية بغزة، أن هناك تحذيرات عاجلة من كارثة صحية وبيئية في غزة مع ارتفاع درجات الحرارة وفصل الصيف، موضحا خلال بيان لجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية في 2 مايو الماضي، أن المراكز الطبية تسجل ارتفاعا ملحوظا بالإصابات بالأمراض الجلدية مثل الجرب والتقمل.
ويوضح أن هذه الحالات بدأت تتطور لالتهابات حادة بسبب نقص الأدوية والمطهرات اللازمة لمكافحتها، مشيرا إلى أن تلوث المياه واختلاطه بمياه الصرف الصحي يضع القطاع أمام تهديد وبائي خطير، يتمثل في احتمالية ظهور "الكوليرا"، وعودة "شلل الأطفال" من جديد.
ويقول بسام زقوت، إن الأزمة تتفاقم نتيجة منع الاحتلال إدخال معدات تنقية المياه والوقود، مما دفع السكان للاعتماد على آبار عشوائية تفتقر لأدنى معايير السلامة.
تالا أبو غالي.. 20 يوما من الحياة بين حرارة الخيمة ووجع الجدري في غزة
لم تكمل الرضيعة الفلسطينية تالا أبو غالي عامها الأول، ولم تعرف من العالم سوى حضن والدتها وضيق الخيمة التي جاءت إليها الحياة وسطها، 20 يوما فقط مضت على ولادتها، كان يفترض أن تكون أيامها الأولى مليئة بالدفء والرعاية والهدوء، لكنها وجدت نفسها في مواجهة مرض ينهش جسدها الصغير، داخل ظروف إنسانية قاسية لا تمنح الأطفال حتى أبسط حقوقهم في الحماية والعلاج.
الرضيعة تالا أبو غالى
أصيبت تالا بجدري الماء، في ظل موجة انتشار متزايدة للمرض بين الأطفال داخل مخيمات النزوح في غزة، حيث أصبحت الخيام المكتظة والحرارة المرتفعة ونقص المياه والرعاية الصحية بيئة صعبة تساعد على انتقال العدوى، خاصة بين الأطفال والرضع الذين تكون أجسادهم أكثر هشاشة أمام الأمراض.
تعيش تالا مع عائلتها داخل خيمة تشتد فيها حرارة الصيف، في مكان لا يشبه البيت ولا يوفر الظروف الصحية التي يحتاجها طفل حديث الولادة، فالأقمشة التي تحيط بالخيمة لا تمنع حرارة الشمس، والمساحة الضيقة لا تمنح الأسرة القدرة على عزل المصاب أو حماية بقية الأطفال، بينما يصبح المرض أكثر قسوة على جسد صغير لم يتعرف بعد على تفاصيل الحياة.
الأطفال الضحايا في غزة
بدأت مأساة تالا عندما أصيبت والدتها بالمرض أولا، قبل أن تنتقل العدوى إلى طفلتها الرضيعة التي لم تتجاوز أيامها الأولى، وبعد ظهور الأعراض على الطفلة، بدأت علامات المرض تظهر أيضا على شقيقتها، لتجد الأسرة نفسها في مواجهة سلسلة من الإصابات داخل خيمة واحدة، وسط قلق دائم على صحة الأطفال.
بالنسبة لوالدة تالا، لم يكن الألم في رؤية طفلتها تعاني فقط، بل في العجز عن توفير كل ما تحتاجه رضيعة في هذا العمر، مكان نظيف، ومياه كافية، ودواء متوفر، ورعاية طبية قريبة، فالأمهات في غزة لا يواجهن مرض أطفالهن فقط، بل يواجهن أيضا واقعا صعبا يجعل أبسط احتياجات الرعاية اليومية معركة مستمرة.
انتشار جدري الماء بين النازحين لم يعد مجرد حالة صحية عابرة، بل أصبح انعكاسا للظروف التي يعيشها آلاف الأطفال داخل المخيمات، حيث تتداخل آثار الحرب مع نقص الخدمات الأساسية، لتجعل الأمراض أكثر انتشارا، وتجعل الأطفال الأكثر ضعفا هم الأكثر دفعا للثمن.
في خيمتها، تنتظر تالا أن يمر المرض بسلام، وأن تجد جسدها الصغير القوة لمقاومة الألم، بينما تتمسك والدتها بالأمل في أن تحصل طفلتها على الرعاية التي تستحقها، وتعيش يوما ما طفولة مختلفة عن الأيام الأولى التي بدأت فيها حياتها بين الخوف والمرض والانتظار.
انعدام اللقاحات والأدوية
ويؤكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، أن المنظومة الصحية في غزة تتجه نحو انهيار كامل وسط تفاقم المجاعة والأوبئة ونقص المستلزمات الطبية، موضحا أن المستشفيات تعمل بنسبة إشغال تتجاوز 130%، وتتعامل يوميا مع إصابات حرجة.
ويضيف، أن سلطات الاحتلال تواصل منع إدخال الشحنات الطبية اللازمة، مشيرا إلى أن نحو 5 آلاف إصابة أسبوعيا بالجدري والأمراض الجلدية، نتيجة تفشي الأوبئة وانعدام اللقاحات والأدوية في مراكز النزوح.
انهيار القطاع الصحى في غزة
ويوضح أن خطر المجاعة يهدد نحو 1.6 مليون فلسطيني، بينهم 74 ألف طفل يعانون من سوء التغذية، و25 ألف امرأة حامل مصابة بفقر دم حاد.

حجم انهيار القطاع الصحى في غزة
أشجان السوسي. طفلة تحارب المرض ولهيب الخيمة بقطعة كرتون صغيرة
داخل خيمة نزوح لا تعرف من الصيف سوى حرارته القاسية، تجلس الطفلة أشجان السوسي، ذات الـ13 عاما، تحاول أن تتحمل ألم المرض وضيق المكان وقسوة الظروف التي فرضت عليها واقعا لم تختره، وبينما تبحث والدتها عن أي وسيلة تخفف عنها وطأة الحر، لا تجد سوى قطعة صغيرة من الكرتون تحرك بها الهواء باتجاه طفلتها، في محاولة بسيطة لتهدئة جسد أنهكه المرض، لكنها محاولة تصطدم بحرارة الخيمة التي تحولت إلى مساحة خانقة تزيد معاناتها بدلا من تخفيفها.
وحذرت الأمم المتحدة، خلال تقرير لها في 23 يوليو من انتشار واسع وسريع لمرض "جدرى الماء" فى مخيمات النازحين، موضحة أن سبب التفشي السريع لجدري الماء في غزة يرجع إلى الاكتظاظ الشديد في خيام النازحين، بالإضافة إلى تدهور خدمات المياه والنظام البيئي والصرف الصحي، كما لعب الارتفاع الحاد في درجات الحرارة دورا في زيادة انتشار المرض مع قدوم فصل الصيف.

الطفلة أشجان السوسي
وتعاني أشجان من جدري الماء، فيما تحاول أمها أن تفعل كل ما تستطيع لحماية ابنتها، تراقب ألمها وتبحث عن طرق بسيطة لتخفيف معاناتها، لكنها تجد نفسها محاصرة بين قلة الإمكانيات وصعوبة الظروف، فلا مكيف يخفف حرارة المكان، ولا مساحة كافية لعزل طفلتها عن عوامل تزيد حالتها سوءا، ولا دائما تتوفر الأدوية أو المستلزمات الطبية التي تحتاجها.
بالنسبة لأشجان، لم يعد المرض مجرد حالة صحية مؤقتة، بل أصبح جزءا من يومياتها داخل الخيمة، حرارة تلاحقها، وحكة تؤلم جسدها، وخوف من أن تزداد حالتها سوءا، طفلة في عمر كان يفترض أن تنشغل فيه بالدراسة واللعب وأحلام المستقبل، وجدت نفسها منشغلة بمحاولة تحمل الألم والبحث عن لحظة راحة.
قصة أشجان تكشف جانبا من المعاناة اليومية للأطفال في غزة، حيث لا تقتصر آثار الحرب على فقدان المنازل والنزوح، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة الصغيرة، النوم، والنظافة، والعلاج، وحتى القدرة على تحمل حرارة الصيف، فالأمراض الجلدية التي تنتشر في مخيمات النزوح لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة طبيعية لتراكم ظروف قاسية تجمع بين الاكتظاظ، وضعف الخدمات، ونقص مقومات الوقاية.
وفي خيمة النزوح، تواصل أم جواد تحريك قطعة الكرتون بيدها، محاولة منح ابنتها دقائق قليلة من الهواء، وكأنها تحاول بذلك أن تصنع لها مساحة صغيرة من الراحة وسط واقع لا يرحم، قطعة كرتون بسيطة أصبحت رمزا لمعاناة أم لا تملك سوى المحبة والصبر في مواجهة مرض يرهق طفلتها.
منظومة صحية غير قادرة على استيعاب المصابين بالمرض
ويحذر محمد أبو عفش، مدير جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، من تفاقم الكارثة الصحية والإنسانية في غزة، في ظل استمرار استهداف الاحتلال الإسرائيلي.
ويشير إلى أن القطاع يعاني من نقص حاد وكبير في الأدوية والمستلزمات الطبية والإمدادات الغذائية والمائية، وأصبح منطقة منكوبة بالكامل جراء انتشار الأمراض، القوارض، تسرب مياه الصرف الصحي، وتراكم النفايات.
ويؤكد "أبو عفش"، إلى أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة داخل خيام النازحين أدى إلى زيادة غير طبيعية في الأمراض الجلدية وجدري الماء، والنظام الصحي غير قادر على تحمل هذا العبء الكبير نتيجة انعدام أماكن العزل والإمكانيات الطبية اللازمة.
حين يصبح المرض وجها آخر للحرب
في غزة، لم تعد معركة الأطفال تقتصر على الهروب من الصواريخ والبحث عن مكان آمن تحت القصف، فهناك حرب أخرى صامتة تتسلل إلى أجسادهم الصغيرة داخل الخيام، حرب تخوضها البقع الجلدية والحمى والعدوى في أماكن كان يفترض أن تكون ملاذا للنجاة، وبينما تحمل العائلات آثار الفقد والنزوح، يحمل الأطفال على جلودهم آثار واقع قاس صنعته الخيام المكتظة، والمياه غير الآمنة، والحرارة الخانقة، وانهيار الخدمات الصحية.
ويقول الصحفي الفلسطيني راشد إبراهيم إنه في غزة، لا يفتك القصف وحده بالأطفال، يفعل ذلك أيضا اللقاح الممنوع، والماء الملوث، والخيمة المكتظة، والمستشفى العاجز، موضحا أن انتشار جدري الماء لا يرتبط بالفيروس وحده، بل بالظروف المحيطة التي ساهمت في تحويل مرض يمكن السيطرة عليه في الظروف الطبيعية إلى أزمة صحية تهدد آلاف الأطفال.
ويضيف إبراهيم أن تفشي الأمراض يكشف حجم المعاناة التي يعيشها السكان، حيث تتداخل آثار الحرب مع انهيار الخدمات الأساسية، ليصبح المرض امتدادا لأزمة إنسانية أكبر، فالأطفال الذين نجوا من القصف يجدون أنفسهم أمام مخاطر صحية جديدة داخل أماكن يفترض أن تكون ملاذا آمنا لهم.
طفلة مصابة بالجدري داخل غزة
ومن غزة، يشير المواطن صلاح أبو حنيدق – الذي نشر صور عدد من الأطفال المصابين بالجدري - إلى أن أمراضا جلدية ووبائية خطيرة بدأت تنتشر بصورة واسعة بين الأطفال، وسط تحذيرات طبية من مخاطر متزايدة مع الانتشار السريع لمرض جدري الماء داخل خيام النزوح، خاصة مع نقص التطعيمات وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية اللازمة.
ويؤكد أن الأطفال في المخيمات يعيشون في بيئة شديدة الهشاشة، حيث يؤدي الاكتظاظ الشديد وضعف الظروف الصحية إلى تسريع انتقال العدوى، بينما تواجه العائلات صعوبة في توفير أبسط وسائل الحماية لأطفالها.
أما الصحفي ربيع أحمد أبو نقيرة، فيصف انتشار جدري الماء بأنه مرض ينتشر بصمت وفي أماكن يفترض أن تكون ملاذا للناجين، لافتا إلى أن المرض بات يحاصر الأطفال والعائلات داخل الخيام وسط واقع يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ويوضح أبو نقيرة أن تراكم النفايات، وشح المياه النظيفة، وانهيار خدمات الصرف الصحي، كلها عوامل حولت مرضا يمكن احتواؤه في الظروف الطبيعية إلى أزمة صحية متفاقمة، والمشكلة لم تعد فقط في ظهور الأعراض، وإنما في غياب البيئة المناسبة للعلاج والوقاية ومنع انتشار العدوى.
عامان من العمر وجدري الماء ينهك جسد طفلة داخل خيمة ملتهبة
تزداد معاناة الأطفال بسبب ضعف أجسادهم وعدم قدرتهم على تحمل المرض والظروف المحيطة به، ولا تقتصر آثار الأمراض على الجانب الصحي فقط، بل تحمل معها أعباء نفسية كبيرة على الأطفال والأسر، فالطفل الذي فقد منزله وأمانه، فلم تكن والدة الطفلة ذات العامين تتوقع أن تتحول حرارة الصيف الخانقة إلى معركة جديدة تخوضها ابنتها الصغيرة، بعد أشهر من النزوح والعيش داخل خيمة لا تقي من الشمس ولا تحمي من المرض.
في مخيم العطار بمواصي خان يونس، حيث تتلاصق الخيام ويثقل الهواء بحرارة لا تُحتمل، بدأت حكاية الطفلة مع جدري الماء، لتصبح واحدة من آلاف الأطفال الذين يواجهون المرض في ظروف إنسانية بالغة القسوة، ففي البداية، ظهرت على جسدها الصغير بثور متفرقة وارتفعت حرارتها، وظنت الأسرة أنها وعكة عابرة ستزول مع الوقت، لكن الأيام التالية حملت مزيدا من الألم، حيث ازدادت البثور انتشارا، واشتدت الحكة، وأصبحت الطفلة غير قادرة على النوم أو تناول الطعام بشكل طبيعي، فيما كانت والدتها تحاول تهدئتها داخل خيمة تحولت إلى ما يشبه الفرن، وسط انقطاع وسائل التبريد وشح المياه اللازمة لتخفيف معاناتها.
فتاة مصابة بالجدري المائي
ومع استمرار موجة الحر اللاهبة التي تضرب غزة، لم تعد الخيام مجرد مأوى مؤقت، بل أصبحت بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، مما أسفهم في انتقال العدوى بسرعة بين أفراد الأسرة الواحدة، ولم يمض وقت طويل حتى أصيب عدد من أفراد عائلة الطفلة بجدري الماء داخل الخيمة نفسها.
وتجسد معاناة هذه الطفلة واقعا يعيشه آلاف النازحين، حيث تتحول كل إصابة إلى أزمة مضاعفة في ظل الانهيار الكبير الذي يطال القطاع الصحي، وتشير بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة إلى تسجيل أكثر من 53 ألف إصابة بجدري الماء، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الطبية من كارثة صحية تهدد تجمعات النازحين، مع استمرار الظروف البيئية القاسية داخل المخيمات.
وفي كل مرة تبكي فيها الطفلة من شدة الألم أو الحكة، تجد والدتها نفسها عاجزة عن تقديم أكثر من محاولة لتبريد جسدها بقطعة قماش مبللة بالقليل من الماء المتوفر، بينما يزداد خوفها من تفاقم حالتها أو انتقال العدوى إلى مزيد من الأطفال المحيطين بهم، حيث تقول الأم إن أكثر ما يؤلمها ليس المرض وحده، بل عجزها عن توفير مكان آمن أو علاج مناسب لطفلتها، في ظل ظروف لا تترك للعائلات سوى انتظار الفرج.
وتتزامن هذه المعاناة مع تراجع حاد في الخدمات الصحية ونقص شديد في الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة العدوى، ما يضع الأطفال في مقدمة الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، فيما يواصل العاملون في القطاع الصحي مناشدة الجهات المعنية التدخل العاجل للحد من انتشار الأمراض، وتوفير الرعاية الطبية الأساسية والأدوية والإمكانات الضرورية لحماية النازحين، خاصة الأطفال الذين يدفعون الثمن الأكبر في بيئة أصبحت فيها الخيام.
الفيروس يتحول لتهديد حقيقي
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، خلال بيان لها في 6 أغسطس، تسجيل القطاع أكثر من 58 ألف إصابة بجدري الماء منذ بداية عام 2026، نتيجة الاكتظاظ وتلوث المياه وانهيار الصرف الصحي ونقص مستلزمات النظافة.
ويؤكد الدكتور جميل سليمان، رئيس مستشفى الرنتيسي للأطفال، أن هناك زيادة لافتة في أعداد الأطفال المصابين بجدري الماء، دفعت لبدء خطوات ميدانية عاجلة لرصد وحصر الحالات الوافدة إلى المستشفيات، بعد تحول الفيروس لتهديد حقيقي ومباشر.
ويشير إلى أن التكدس السكاني داخل مراكز الإيواء يساهم بشكل مباشر في تسريع انتقال العدوى، والظروف البيئية الصعبة جعلت من جدري الماء خطراً مضاعفاً يفتك بالفئات الأكثر هشاشة، محذرا من تطور الإصابات إلى مضاعفات خطيرة ومقلقة كالتهابات الدماغ، خاصة لدى الأطفال صغار السن وذوي المناعة الضعيفة في ظل استمرار التدهور البيئي.
أسامة سحلول.. رضيع غزة يواجه المرض قبل أن يعرف معنى الطفولة
لم يمضِ على ولادته سوى 20 يوما، أيام قليلة كان يفترض أن يقضيها بين أحضان أسرته، يتعرف فيها على دفء الحياة الأولى وملامح العالم من حوله، لكن الرضيع الفلسطيني أسامة سحلول وجد نفسه في مواجهة معركة لم تكن مناسبة لعمره الصغير، معركة مع مرض جدري الماء الذي أصاب جسده الهش، في وقت يعيش فيه أطفال غزة ظروفا صحية وإنسانية بالغة القسوة.
أسامة، الذي لا يزال في أيامه الأولى من الحياة، أصبح واحدا من آلاف الأطفال الذين يواجهون انتشار الأمراض الجلدية والأوبئة داخل القطاع، حيث تحولت مخيمات النزوح إلى بيئة صعبة، ما جعل الأطفال والرضع الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى.
الطفل أسامة سحلول
بالنسبة لعائلة أسامة، لم يكن المرض مجرد أعراض جلدية تظهر على جسد طفل صغير، بل كان مصدر خوف وقلق دائم، فالأم التي تنتظر أن ترى طفلها ينمو بصحة وأمان، وجدت نفسها تراقب علامات المرض على جسده، وتحاول حمايته في ظروف لا توفر لها الأدوات الكافية للعناية برضيع يحتاج إلى رعاية خاصة.
يأتي انتشار جدري الماء بين الأطفال في غزة في وقت تعاني فيه العائلات النازحة من صعوبات كبيرة في توفير أبسط الاحتياجات الصحية، حيث تواجه المرافق الطبية ضغوطا كبيرة نتيجة الأعداد المتزايدة من المرضى وتحديات نقص الإمكانات، ولا تقتصر معاناة أسامة على المرض وحده، بل ترتبط بواقع أكبر يعيشه آلاف الأطفال ، حيث تبدأ حياتهم وسط الخيام بدلا من المنازل، وبين أصوات القلق والخوف بدلا من أجواء الطفولة الطبيعية.
في الوقت الذي يحتاج فيه الطفل حديث الولادة إلى الحماية والهدوء، يواجه أسامة مرضا كان يمكن التعامل معه بسهولة أكبر في ظروف صحية طبيعية، جسده الصغير يحمل آثار أزمة أكبر منه، وقصته تختصر معاناة جيل من الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة المرض قبل أن يعرفوا معنى اللعب أو الأمان.
الأمراض تحاصر الأطفال
آلاف العائلات الفلسطينية تجد نفسها في مواجهة معاناة مزدوجة، فهي تحاول النجاة من آثار الحرب، وفي الوقت ذاته تكافح لحماية أطفالها من أمراض تنتشر من حولهم، فالأم التي فقدت منزلها وأمانها، تجد نفسها اليوم تبحث عن دواء لطفلها، وعن مياه نظيفة، وعن مكان يمكن أن توفر فيه الحد الأدنى من الرعاية.
ويقول الصحفي الفلسطيني إسلام حميد إن أطفال غزة لا يحتاجون فقط إلى التعاطف أو تسجيل معاناتهم، بل يحتاجون إلى استجابة إنسانية عاجلة تضمن وصول العلاج، وتحسين الظروف الصحية، وتوفير المياه الآمنة، وحماية حقهم الأساسي في الحياة بكرامة.
ويضيف أن كل يوم يمر في ظل هذه الظروف قد يعني طفلا جديدا يحتاج إلى العلاج، وأسرة أخرى تعيش القلق والخوف على صغيرها، في وقت أصبحت فيه الإمكانات الصحية محدودة، وأصبحت الوقاية من الأمراض الجلدية تحديا يوميا داخل مخيمات النزوح.
ويشير إلى أنه خلف كل إصابة جلدية أو مرض ينتشر داخل الخيام، توجد قصة طفل كان يفترض أن يعيش طفولته بعيدا عن الألم، وقصة عائلة تحاول الصمود أمام ظروف قاسية لا تتوقف عند حدود الحرب، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
عام من الألم.. يزن عباس يواجه جدري الماء وسط قسوة الحياة في غزة
منذ عام، لم يعد يوم الطفل يزن عباس يشبه أيام الأطفال الآخرين، جسده الصغير أنهكه مرض جلدي مائي منتشر في أنحاء جسمه، بينما تعيش أسرته وسط ظروف قاسية تجعل الحصول على العلاج والغذاء والرعاية الطبية تحديا يوميا.
تقول والدة يزن إن مرضه يحتاج إلى متابعة مستمرة لدى طبيب متخصص، إلى جانب علاجات شهرية، إلا أن الظروف الصعبة التي تعيشها الأسرة حالت دون توفير احتياجاته العلاجية بصورة منتظمة.
الطفل يزن عباس
وتروي الأم أن ابنها يمر بأصعب أيامه، خاصة مع شدة الحر، الذي يزيد من معاناته وآلامه، موضحة أن الحبوب تنتشر في أنحاء جسده، والحكة الشديدة تدفعه إلى خدشها باستمرار، حتى بدأت بعض المواضع تنزف وتتسبب في التهابات.
وتقول الأم،: "أقسم بالله أن ابني يمر بأصعب أيام حياته، فبسبب شدة الحر والحكة الشديدة، تنتشر الحبوب في أنحاء جسده، وهو لا يستطيع مقاومة الحكة، حتى إن بعضها بدأ ينزف ويسبب له التهابات مؤلمة".
ولم تعد معاناة يزن تقتصر على المرض وآلامه، حيث تواجه أسرته أيضا أزمة حادة في توفير الغذاء، حيث وتوضح والدته أن قلة الطعام أجبرت طفلها على الاعتماد بصورة أساسية على الحليب، في وقت يحتاج فيه جسده إلى تغذية جيدة ورعاية صحية منتظمة تساعده على مقاومة المرض واستكمال علاجه.
وتناشد والدته المنظمات الصحية والإنسانية الدولية، الوقوف إلى جانب طفلها، قائلة: "أتمنى من الله أن تقفوا إلى جانب ابني يزن، فهو حاليا لا يملك الأدوية والعلاجات التي يحتاج إليها، وبسبب قلة الطعام أصبح يعتمد على الحليب، وأقسم بالله إنه يمر بظروف صعبة للغاية"
وبالنسبة إلى والدته، لم تعد المطالبة بالعلاج مجرد بحث عن دواء، وإنما محاولة لإنقاذ طفلها من دائرة متواصلة من الألم والالتهاب والحكة، في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
كل ما تريده الأم أن يحصل الطفل على فرصة للعلاج والمتابعة الطبية، وتتوافر له الأدوية التي يحتاجها، والطعام الذي يساعد جسده الصغير على الصمود، ووراء كل إصابة على جسد يزن قصة طفل ينتظر أن يتوقف الألم، وأم لا تملك سوى الدعاء والمطالبة بأن تصل معاناة ابنها إلى من يستطيع مساعدته.
حارسات الليل.. أمهات غزة يواجهن البعوض والقوارض والحشرات داخل الخيام
داخل الخيام التي تؤوي آلاف الأسر النازحة في غزة، لا تنتهي معاناة الأمهات مع غروب الشمس، بل تبدأ ليلة جديدة من الخوف والقلق على أطفالهن من الأمراض الجلدية، ففي ظل انتشار الحشرات والقوارض وتدهور الظروف الصحية والبيئية، تحولت بعض السيدات إلى حارسات طوال الليل، يتناوبن السهر ومراقبة الخيام خشية وصول تلك الحشرات إلى الصغار.
وتصف الكاتبة الفلسطينية نجيا محمود هذا الواقع بأنه "كابوس صامت" يقتحم حياة النازحين، مشيرة إلى أن الأمهات والآباء باتوا يقسمون ساعات الليل إلى دوريات حراسة، فلا ينامون إلا بحذر، بينما تظل أعينهم معلقة بأطفالهم خوفا من عضات الجرذان والقوارض.
وتقول إن الخوف لا يتوقف عند القوارض، حيث ظهرت داخل الخيام حشرات أخرى تزيد من معاناة الأسر، من بينها ما يعرف شعبيا باسم "أم مقص"، وهي حشرة زاحفة تتميز بوجود زوائد تشبه المقص في مقدمة جسمها، مشيرة إلى أن هذه الحشرة تسللت قبل أيام إلى أذن طفل رضيع، في واقعة أثارت حالة من الهلع بين أفراد أسرته، ولم يتمكنوا من إخراجها إلا باستخدام ملقط حواجب، في محاولة عاجلة لإنقاذ هذا الطفل وتخفيف الخطر عنه.
وتكشف هذه الوقائع، بحسب نجيا محمود، جانبا آخر من المعاناة الإنسانية داخل الخيام، حيث لم يعد الخوف مقتصرا على القصف والدمار والنزوح، وإنما أصبح يلاحق الأسر في تفاصيل حياتها اليومية، حتى أثناء النوم.
وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراكم النفايات، تتحول الخيام إلى بيئة شديدة الصعوبة بالنسبة إلى الأطفال، بينما تجد الأمهات أنفسهن في مواجهة مسؤولية إضافية تتمثل في حماية صغارهن من الحشرات والقوارض والأمراض التي قد تنتج عن انتشارها، حيث تقول الكاتبة الفلسطينية، إن الشيء الوحيد الثابت وسط كل هذا الخراب هو أن الأزمات تتكاثر ولا تنتهي أبدا.
رضيع مصاب بالجدري
في غزة، لا يبدو الليل وقتا للراحة بالنسبة إلى كثير من الأمهات، بل ساعات طويلة من اليقظة والحراسة، تتفقد خلالها الأم طفلها مرة بعد أخرى، وتراقب أطراف الخيمة، وتحاول إبعاد الحشرات والبعوض والقوارض عنه بما يتوافر لديها من إمكانات بسيطة.
وبينما تنشغل الأمهات بحماية أطفالهن من أخطار صغيرة تزحف أو تطير داخل الخيام، تظل المخاوف الأكبر حاضرة في الخلفية، فالمرض، والجوع، والحرارة، وتدهور البيئة، كلها أعباء تتراكم فوق كاهل أسر فقدت في الأساس أبسط مقومات الحياة الآمنة.
وهكذا أصبحت الأم في خيمة النزوح أكثر من راعية لأطفالها، إنها حارسة لليل، تظل مستيقظة كي تمنح أبناءها ساعات قليلة من النوم بعيدا عن لسعات البعوض وعضات القوارض والحشرات التي وجدت في ظروف النزوح القاسية بيئة ملائمة للانتشار، وتسعى لمنع انتشار الأمراض الجلدية لأطفالها.
نداء استغاثة من الحكومة الفلسطينية
وأطلقت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، نداء استغاثة في 13 أغسطس، قالت فيه إن هناك 2 مليون مواطن يعيشون داخل القطاع، بينهم نحو مليون طفل دون سن 18 عاما، وأكثر من 108 آلاف من كبار السن ، ونحو 47 ألف أرملة ، و أكثر من 120 الف من الأشخاص ذوي الإعاقة ، إضافة إلى عشرات الآلاف من الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات ومرضى سرطان و الكلى وسوء تغذية و غيرها، كما فقد نحو 65 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما، وأكثر من 90% منهم يعشوا في خيام مهترئة لم تعد صالحة للاستخدام ومراكز إيواء أو تحت انقاض بيوتهم المدمرة في أوضاع معيشية صعبة.
وأضافت أن انتشار القوارض والحشرات، نتيجة تراكم النفايات وغياب خدمات الصرف الصحي، ساهم في زيادة مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، خاصة في ظل محدودية الخدمات الصحية، ونقص المستلزمات الطبية، بما يهدد الصحة العامة ويعرض الفئات الأكثر هشاشة لمضاعفات خطيرة.
وأوضحت الوزارة، أن نقص مياه الشرب الآمنة يزيد من حدة الأزمة، حيث تضطر العديد من الأسر إلى الاعتماد على مصادر مياه غير كافية أو غير آمنة، الأمر الذي يرفع من مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، ويؤثر بصورة مباشرة على صحة الأطفال والنساء وكبار السن، مشيرة إلى أن ن استمرار هذه الظروف ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة، تتجاوز آثارها الجوانب المعيشية لتطال الصحة والتعليم والحماية والكرامة الإنسانية، في ظل تراجع الموارد الإنسانية واتساع حجم الاحتياجات.
وطالبت بضرورة التدخل لوقف هذه المعاناة اليومية التي يعيشها القطاع، والتحرك العاجل لتعزيز الاستجابة الإنسانية، وتوفير حلول عاجلة تشمل استبدال الخيام المتهالكة، وتوفير المأوى الملائم، توفير التمويل للبرامج الإنسانية في غزة التي تقدمها منظومة الأمم المتحدة و المؤسسات الدولية و المحلية التي باتت اقرب إلى توقف برامجها بسبب العجز في التمويل، وتحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، ودعم خطط الاستجابة الإنسانية العاجلة لضمان حماية الأسر النازحة، وتعزيز الخدمات الصحية ودعم الفرق الطبية المتنقلة لمواجهة الأمراض الموسمية والاستجابة للحالات الطارئة.