بينما تكثف الآلية الخماسية الدولية تحركاتها السياسية في محاولة لدفع الأطراف السودانية نحو تسوية تنهي الحرب، تواصل الجبهات الميدانية فرض واقع مختلف، مع تصاعد العمليات العسكرية في كردفان وعودة القتال إلى مناطق استراتيجية في غرب دارفور.
ففي كردفان، استمرت الهجمات على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، حيث تعرضت المدينة للقصف المدفعي قبل أن تستهدفها ميليشيا الدعم السريع بالطيران المسير، في هجوم تصدت له دفاعات الجيش السوداني وأسقطت مسيرة انقضاضية كانت تستهدف مواقع عسكرية حول المدينة.
وبالتزامن، شهدت مناطق جنوب الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، هجومًا على قرية التميد أسفر، وفق مصدر عسكري، عن مقتل خمسة من سكانها وإصابة آخرين، وسط اتهامات بأن الهجوم استهدف نهب الماشية.
ولا تقف التطورات عند حدود كردفان؛ ففي غرب دارفور، أدت مواجهات جديدة بين ميليشيا الدعم السريع والقوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني إلى موجة نزوح واسعة من محلية سربا، بعدما فر 6 آلاف و650 شخصًا من 11 قرية، توجهت غالبية أسرهم إلى داخل الأراضي التشادية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه الآلية الخماسية، التي تضم إيجاد والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، تضييق فجوة الخلافات بين القوى السودانية، وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.
وبينما تتحرك الدبلوماسية في اتجاه التسوية، تواصل القوات على الأرض إعادة ترتيب مواقعها وخطوط نفوذها، بما يجعل المسارين العسكري والسياسي يتحركان في السودان في اتجاهين متوازيين، لكن متعارضين في النتائج حتى الآن.
كردفان.. الجبهة التي لا تهدأ
تواصل كردفان احتلال موقع متقدم في خريطة الحرب السودانية، في ظل استمرار العمليات العسكرية حول مدن ومناطق ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدمتها الدلنج والأبيض والمناطق المحيطة بهما.
وفي أحدث التطورات، تصدى الجيش السوداني لهجوم بالطيران المسير شنته الدعم السريع على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان.
وبحسب مصادر عسكرية تحدثت إلى سودان تربيون، كانت أحياء من مدينة الدلنج قد تعرضت لقصف مدفعي يوم الخميس، من دون تسجيل ضحايا، قبل أن تعاود الدعم السريع استهداف المدينة بالطائرات المسيرة صباح الجمعة.
وتمكنت الدفاعات الأرضية للواء 54 التابع للجيش في مدينة الدلنج من إسقاط مسيرة انقضاضية تابعة لميليشيا الدعم السريع في أطراف المدينة.
وكانت الطائرة المسيرة تستهدف دفاعات الجيش المتقدمة حول الدلنج، غير أن الدفاعات الأرضية تمكنت من التعامل معها وإسقاطها قبل بلوغ الهدف.
ويمثل هذا التطور حلقة جديدة في سلسلة الهجمات التي تتعرض لها الدلنج منذ أشهر، في ظل تحالف بين الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
وتتعرض المدينة، وفق المعلومات الواردة، لقصف بالمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة، ما يجعلها واحدة من أبرز النقاط الساخنة في جنوب كردفان.
الدلنج.. صراع على مدينة استراتيجية
لا تأتي أهمية الدلنج من كونها مدينة كبيرة في جنوب كردفان فحسب، وإنما من موقعها داخل خريطة الصراع في الإقليم.
فالمدينة هي ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، واستمرار استهدافها يضعها في قلب العمليات العسكرية التي تتداخل فيها تحركات الدعم السريع مع نشاط الحركة الشعبية – شمال.
ومع استمرار القصف المدفعي والهجمات بالطائرات المسيرة، يصبح الضغط العسكري على المدينة جزءًا من محاولة التأثير في خطوط السيطرة والحركة في جنوب كردفان، خصوصًا في ظل الطبيعة المعقدة للتحالفات العسكرية الموجودة في الإقليم.
ويشير تصدي الجيش للمسيرة وإسقاطها إلى استمرار اعتماد الطرفين على الطائرات المسيرة كأداة رئيسية في العمليات، إلى جانب القصف المدفعي، في محاولة لإصابة مواقع الخصم من مسافات بعيدة دون الدخول بالضرورة في مواجهات برية مباشرة داخل المدن.
جنوب الأبيض.. هجوم جديد على المدنيين
وفي شمال كردفان، انتقلت التطورات إلى المناطق الريفية الواقعة جنوب مدينة الأبيض. وأفاد مصدر عسكري بأن عناصر من الدعم السريع على متن دراجات نارية هاجمت، الخميس، قرية التميد جنوب الأبيض، ما أدى إلى مقتل خمسة من سكان القرية وإصابة آخرين. ونقل المصابون إلى مستشفى الأبيض، وفق المصدر نفسه.
وبحسب الرواية التي أوردها المصدر العسكري، كان الهدف من الهجوم نهب الماشية الموجودة في القرية القريبة من منطقة كازقيل التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
لكن مقاومة سكان القرية دفعت المهاجمين إلى إطلاق النار، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.
وتكشف هذه الواقعة عن جانب آخر من طبيعة الحرب في كردفان، إذ لا تقتصر المواجهات على المدن والمواقع العسكرية، وإنما تمتد إلى القرى والمناطق الزراعية والرعوية، حيث تتحول الماشية والطرق المحلية ومصادر الموارد إلى أهداف مرتبطة بالصراع العسكري.
كما أن قرب التميد من مناطق تخضع لسيطرة الدعم السريع يجعل القرى المحيطة بمدينة الأبيض عرضة لهجمات متكررة، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في محيط المدينة.
كردفان.. المعارك العسكرية تتقاطع مع الجغرافيا
وتكتسب تطورات كردفان أهمية أكبر بالنظر إلى موقع الإقليم في الخريطة السودانية. فكردفان تمثل منطقة اتصال بين وسط السودان ودارفور، وهو ما يجعل السيطرة على مدنها وطرقها ومناطقها الحيوية مؤثرة في قدرة الأطراف المتحاربة على الحركة والإمداد.
وفي الوقت الذي يحاول فيه الجيش الحفاظ على دفاعاته حول الدلنج والتعامل مع الهجمات المسيرة، تواصل الدعم السريع الضغط على مناطق مختلفة في الإقليم، سواء عبر الطائرات المسيرة أو التحركات البرية في المناطق الريفية.
ويعني ذلك أن الهدوء النسبي الذي قد يظهر في بعض مناطق كردفان لا يمثل بالضرورة نهاية للمواجهات، بل قد يكون جزءًا من إعادة ترتيب القوات والاستعداد لجولات جديدة من القتال.
من الميدان إلى السياسة.. الخماسية تتحرك
وفي موازاة هذا التصعيد الميداني، تكثف الآلية الخماسية الدولية جهودها لتحريك العملية السياسية في السودان.
وتضم المجموعة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيجاد»، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة.
وتأتي التحركات الجديدة امتدادًا للجولة الأولى من المشاورات الاستطلاعية التي عقدتها المجموعة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو، والتي شاركت فيها أطراف وقوى وشخصيات سودانية وقدمت مقترحات ورؤى مكتوبة حول مستقبل العملية السياسية.
وأعلنت المجموعة استمرار مشاوراتها مع الأطراف السودانية، مؤكدة أن الهدف يتمثل في تقريب وجهات النظر والوصول إلى أرضية مشتركة يمكن أن تمهد لتسوية سياسية يقودها السودانيون.
29 يوليو.. بداية مرحلة جديدة من المشاورات
وبحسب البيان الصادر عن المجموعة، بدأت الآلية في 29 يوليو مناقشات على مستوى القيادات مع الكتل والأحزاب السياسية السودانية.
وجرت هذه المناقشات بالتزامن مع مشاورات فنية مع المشاركين في الجولة الاستطلاعية السابقة، بهدف بحث المقترحات المطروحة وتبادل الرؤى حول القضايا الأساسية المرتبطة بالعملية السياسية.
ويمثل الانتقال إلى مستوى القيادات السياسية محاولة لتوسيع دائرة الحوار وعدم حصره في المشاورات الفنية، بما يسمح بمناقشة القضايا الخلافية بصورة مباشرة مع القوى السياسية صاحبة التأثير في المشهد السوداني.
وأكدت الخماسية أن توسيع دائرة المشاورات وضمان شموليتها يمثلان عنصرين أساسيين لبناء الثقة وتحقيق الشرعية، والوصول إلى فهم مشترك يمكن أن يدعم عملية سياسية ذات مصداقية يقودها السودانيون.
رفض هياكل الحكم الموازية.. والتأكيد على وحدة السودان
وفي رسالة سياسية واضحة، جددت المجموعة الخماسية تأكيد احترامها لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه. كما أعلنت رفضها هياكل الحكم الموازية، ودعت في الوقت نفسه إلى خفض التصعيد والعمل من أجل التوصل إلى سلام تفاوضي ومستدام.
من أبريل إلى أغسطس.. مسار طويل بحثًا عن توافق سوداني
ولا تمثل المشاورات الحالية بداية التحرك الدولي، وإنما تأتي ضمن مسار بدأ في أبريل بشأن السودان. وتناولت المشاورات السابقة مسارات تشكيل لجنة تحضيرية لحوار سياسي سوداني–سوداني شامل، وذلك في سياق مؤتمر برلين بشأن السودان. ثم جاءت اجتماعات أديس أبابا في يونيو لتوسع دائرة الاتصالات مع القوى والشخصيات السودانية.
وخلال تلك اللقاءات، قدم المشاركون مقترحات ورؤى مكتوبة إلى الآلية الخماسية حول مستقبل العملية السياسية، بينما رأت المجموعة أن المشاورات ساعدت في تهيئة أرضية مناسبة لفتح نقاشات أوسع بشأن المسار السياسي.
غرب دارفور.. عودة القتال تفتح بابًا جديدًا للنزوح
وفي الوقت الذي تستمر فيه معارك كردفان، تتصاعد التطورات في الجبهة الغربية للسودان، حيث أدت مواجهات جديدة في غرب دارفور إلى موجة نزوح واسعة.
وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة فرار 6 آلاف و650 شخصًا من مناطق في محلية سربا، بعد تصاعد القتال في منطقة بئر سليبة وتدهور الوضع الأمني في المنطقة.
وقالت المنظمة إن النازحين غادروا 11 قرية في محلية سربا يوم 4 أغسطس الجاري، نتيجة الاشتباكات والتدهور الأمني. واتجهت غالبية الأسر إلى داخل الأراضي التشادية عبر الحدود، بينما انتقل آخرون إلى مناطق مختلفة داخل المحلية.
وتعكس هذه الأرقام سرعة تحول المواجهات العسكرية إلى أزمة إنسانية، إذ لم تكن نتيجة القتال مجرد تغير في مواقع القوات، وإنما نزوح آلاف المدنيين من قراهم في غضون فترة زمنية قصيرة.
بئر سليبة وحجر مرفعين.. معركة تنتهي بمقتل قائد ميداني
جاءت موجة النزوح عقب تجدد المعارك يوم الثلاثاء بين الدعم السريع والقوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني في منطقتي بئر سليبة وحجر مرفعين. وأسفرت المواجهات عن مقتل مهدي جبل مون، قائد عمليات الدعم السريع في عدد من مناطق غرب وشمال دارفور، بحسب المعلومات الواردة. وشملت مناطق نشاطه، وفق المعطيات المتاحة، كلبس وبئر دقيق وبئر سليبة، إضافة إلى جرجيرة والطينة.
ويُعد مقتل قائد ميداني بهذا المستوى تطورًا مهمًا في سياق المواجهات الجارية في المنطقة، خصوصًا أن نطاق العمليات التي كان مرتبطًا بها يمتد عبر مناطق متعددة من غرب وشمال دارفور. كما يأتي مقتله في وقت تحاول فيه القوة المشتركة الحد من تحركات الدعم السريع في هذه المنطقة، وهو ما يضيف بعدًا عسكريًا جديدًا إلى المعارك حول بئر سليبة وحجر مرفعين.
تقع محلية سربا على بعد نحو 40 كيلومترًا من مدينة الجنينة، وهو موقع يمنحها أهمية كبيرة في خريطة العمليات العسكرية في غرب دارفور.
وقد شهدت المنطقة خلال عام 2023 انتهاكات واسعة خلال العمليات العسكرية التي نفذتها قوات الدعم السريع في غرب دارفور، وهي الانتهاكات التي وصفتها الولايات المتحدة بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية بحق عرقية المساليت.
ومع تجدد القتال، عادت سربا إلى دائرة التوتر الأمني، خصوصًا بسبب موقعها القريب من الحدود التشادية ومن طرق الحركة المؤدية إلى مناطق شمال دارفور.
وتشهد المحلية منذ فترة مواجهات متكررة نتيجة موقعها الاستراتيجي، في ظل سعي القوة المشتركة إلى الحد من تحركات الدعم السريع باتجاه الطينة والمناطق الواقعة في أقصى شمال دارفور. في المقابل، تعتبر ميليشيا الدعم السريع المنطقة جزءًا من خط دفاعها الرئيسي عن مدينة الجنينة. وبذلك تصبح سربا وبئر سليبة وحجر مرفعين جزءًا من صراع أوسع على خطوط الحركة والنفوذ في غرب دارفور، وليس مجرد مسرح لاشتباكات محدودة بين مجموعات مسلحة.