في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتعدد فيه أسباب الخلاف، تبرز أهمية السعي إلى وأد الفتنة بين المتخاصمين قبل أن تتفاقم آثارها وتمتد لتشمل الأسرة والمجتمع بأكمله؛ فالفتنة تبدأ غالبًا بخلاف بسيط، لكنها قد تتحول إلى نزاعات طويلة إذا غابت الحكمة، وسيطر التعصب وسوء الفهم.
وتظل مجالس الصلح في الريف واحدة من أبرز مظاهر التكافل الاجتماعي، حيث تمثل مساحة تجمع بين الحكمة والخبرة والرغبة في الحفاظ على العلاقات الطيبة بين أبناء المجتمع. فعندما تنشأ الخلافات بين الأفراد أو العائلات، تتقدم هذه المجالس بدور مهم في تهدئة النفوس وتقريب وجهات النظر، بهدف الوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف.
وتتميز مجالس الصلح الريفية باعتمادها على مكانة كبار السن وأصحاب الخبرة الذين يحظون بثقة المجتمع واحترامه؛ فهم لا يسعون إلى إصدار الأحكام بقدر ما يحرصون على الاستماع إلى الجميع، وفهم أسباب الخلاف، ثم تقديم النصح والمشورة بما يحقق العدل ويحفظ كرامة المتخاصمين.
ولا تقتصر أهمية هذه المجالس على إنهاء النزاعات فقط، بل تمتد إلى تعزيز روح المحبة والتسامح بين أفراد المجتمع؛ فكلمة صادقة في مجلس صلح قد تنهي خصومة استمرت سنوات، وتعيد العلاقات إلى طبيعتها، وتحول الخلاف إلى فرصة للتقارب والتفاهم.
كما تسهم مجالس الصلح في تخفيف الأعباء عن الجهات الرسمية، من خلال حل العديد من النزاعات بالطرق الودية، ونشر ثقافة الحوار بدلًا من العناد والتصعيد، وهي بذلك تمثل نموذجًا حيًا لقيم التعاون والتراحم التي تميز المجتمعات الريفية.
في قريتي الحبيبة سنتريس التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، نحمد الله على نعمة وجود رجال اختصهم الله للسير في طريق الصلح بين المتخاصمين، وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء، ووأد فتنة النزاع والشجار والقبلية والعصبية. فتجدهم لا يدخرون جهدًا ولا وقتًا في سبيل السعي للصلح بين الناس، متحملين في سبيل ذلك همزات ولمزات شياطين الإنس ممن يقتاتون على كل الموائد، وينقلون الكلام والأحاديث التي توغر الصدور وتزكي نيران الفتنة بين الناس.
كنت شاهدًا ومتابعًا ومتفاعلًا مع خلاف بين مجموعة من شباب عائلتين تضمان شبابًا ورجالًا وشيوخًا يتسمون بالعقل والحكمة والطهارة والرقي. ومع الأسف، اتسعت دائرة الخلاف من تلاسن واحتداد في الحوار إلى تشابك بالأيدي، وهنا ظهر دور شياطين الإنس؛ حيث عمدوا إلى النفخ في النيران المتقدة في صدور الشباب من الجانبين، مما وسّع دائرة النزاع والصراع، وكادت الفتنة أن تلقي بشباب العائلتين في أتون نار متقدة لا يعلم أحد سبيلًا لإخمادها.
لكن بفضل الله، ولأن الخير دائمًا ينتصر وإن طال أمد انتظاره، فقد نجحت مساعي الرجال الأوفياء الذين ساروا في طريق الخير، ولم يرف لهم جفن حتى كلل الله جهودهم ومساعيهم بالنجاح، فكانت كلماتهم الصادقة سببًا في إخماد النار التي أشعلها دعاة الشر والفتنة.
وهنا لا يفوتني أن أشيد بمبادرة رائعة بادر إليها أحد طرفي النزاع لنزع فتيل الأزمة، وإغلاق الباب أمام كل المتربصين والمتأهبين وأهل الشر ودعاة الفتنة والخراب، عندما نشر تدوينة على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي تحمل كل الحب والتقدير والاحترام للطرف الآخر من النزاع، مع كلمات رقيقة خالصة مست مشاعر الجميع، ونزلت على قلوب أهل الخير بردًا وسلامًا.
الحمد لله العلي القدير على نعمة وجود مثل هذه الفئة من الرجال أصحاب العقول الراجحة، والأبصار النافذة، والأفئدة المستكينة؛ رجال قرأوا مآل الأمور مبكرًا، فركنوا إلى صوت العقل والحكمة، متنزهين عن دعوات الفتنة والقبلية والعصبية.