الحقائق لا تُبنى على الانطباعات، والمشاعر الشخصية ما بين الحب والكراهية، وإنما تبنى من خلال الأدلة والبراهين، والوقائع على الأرض، والشهود الذين يبصرون هذه الحقائق بأعينهم، وتدركها بصيرتهم، انطلاقا من ذلك، فإن ما شهدته مصر فجر أمس من زلزال قوى وصل درجته على قياس ريختر ما بين 5.5 و5.6 وأيقظ الناس من منامهم، وأشاع الخوف والقلق، تكاد تكون خسائره صفرا، سواء فى الأرواح أو المنشآت.
هذه النتائج لزلزال أمس، رغم قوته، إذا ما قورنت بنتائج زلزال 1992 يتبين الفارق الشاسع والواضح وضوح الشمس فى كبد السماء بين الزلزالين، فبينما درجة قوة الزلزالين تكاد تكون متشابهة، مع اختلاف طفيف فى درجتين ليس أكثر، إلا أن زلزال 1992 أدى إلى وفاة ما يقرب من 540 شخصا، وإصابة 6 آلاف، وتدمير أكثر من 12 ألف منزل ومبنى بشكل كلى أو بضرورة الهدم، ومئات المدارس والمساجد والمبانى الأثرية، وتشريد نحو 50 ألف شخص فى مخيمات، وكانت محافظات القاهرة الكبرى «القاهرة، الجيزة، القليوبية» بجانب محافظة الفيوم التى كانت أكثر المناطق تضررا حينها.
وللعلم، درجة زلزال 1992 التى وصلت إلى 5.8 على قياس ريختر، لا تصنف بين الزلازل العملاقة عالميا، إلا أن حجم الخسائر حينها كان صادما، وفاقت كل تصور.
وبعد مرور 34 سنة، عادت الأرض للاهتزاز فجر أمس 3 أغسطس 2026، فشعر به ملايين المواطنين من سكان القاهرة الكبرى، وعدد من المحافظات أبرزها مدن القناة، واقتربت درجته على مقياس ريختر 5.6 من درجة زلزال 1992، إلا أنه لم يوقع أية خسائر، سواء بوقوع وفيات وإصابات أو ضرر أصاب مبنى واحدا.
وهنا تبرز المقارنة، وتطرح الأسئلة عن أسباب عدم وجود خسائر فى زلزال أمس، بينما كانت الخسائر فى زلزال 1992 صادمة وقوية، وما هى الأسباب؟ والإجابة ببساطة، أن السبب يتمثل فى حجم التغيير الذى شهدته الدولة المصرية فى حجم العمران والبنية التحتية، وهو ما انعكس بصورة واضحة فى حجم التأثيرات الإيجابية، فمر زلزال أمس بسلام، دون خسائر تذكر.
وكما ذكرنا أنه ورغم أن زلزال 1992 سجل قوة بلغت 5.8 درجة على مقياس ريختر، وكان مركزه بالقرب من منطقة دهشور، ورغم أن هذه القوة تعد متوسطة وفق التصنيفات الجيولوجية، فإن طبيعة الكتلة العمرانية حينذاك، ووجود آلاف المبانى القديمة فى مناطق عشوائية خطيرة، ضاعف من آثار الزلزال بصورة غير مسبوقة، لتتحول الهزة إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية، التى شهدتها مصر فى عصرها الحديث.
ورغم أن زلزال فجر أمس، 3 أغسطس 2026، قوته اقتربت من زلزال 1992 وأعادت الهزة إلى الأذهان تلك اليوم الصعب وحجم الكوارث، لكن المشهد كان مختلفا بصورة لافتة، فعلى الرغم من شعور المواطنين بالهزة فى مساحات واسعة من الجمهورية، فإن النتائج لم تعكس سيناريو الانهيارات الجماعية أو الخسائر البشرية الضخمة التى شهدتها البلاد عام 1992، وهو ما يرجعه متخصصون إلى اختلاف البيئة العمرانية الحالية كلية عما كانت عليه قبل ثلاثة عقود.
فمن المعلوم بالضرورة، وبإجماع أراء خبراء الهندسة والجيولوجيا والمتخصصين فى الزلزال، بأن قوة الزلازل ليست العامل الوحيد المحدد لحجم الكارثة، فهناك عناصر أخرى لا تقل أهمية، فى مقدمتها جودة المبانى ومدى الالتزام بالأكواد الهندسية المتعلقة بالإنشاءات وطبيعة التربة، والكثافة السكانية، ومدى انتشار المناطق غير المخططة، وهى عوامل كانت جميعها تمثل تحديا كبيرا أمام مصر فى أوائل التسعينيات.
فى ذلك الوقت، كانت القاهرة وعدد كبير من المحافظات تضم أعدادا كبيرة من المناطق العشوائية الخطرة والأكثر خطورة، وكانت تمثل ورما سرطانيا فى جسد الوطن، ومنطقة معايرة المصريين بالفقر والعوز، وهى مناطق نشأت عبر عقود طويلة، دون تخطيط عمرانى أو رقابة لحركة البناء وتمدد هذا السرطان العشوائى، وكان عددها بالآلاف من المبانى المشيدة من مواد ضعيفة أو على أراض غير مستقرة، وهو ما جعلها أكثر عرضة للانهيار مع أى هزة أرضية متوسطة القوة.
وبكل التجرد، ووفق الحقائق المبنية على الوقائع والأدلة وليست الانطباعات، فإن عام 2014 كان تاريخا فاصلا، عندما تبنت الدولة، متمثلة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى، برنامجا واسعا للقضاء على المناطق العشوائية غير الآمنة، تضمن إزالة مئات المناطق التى كانت تمثل خطرا مباشرا على حياة سكانها مع نقل الأسر إلى مجتمعات عمرانية جديدة مزودة بالمرافق والخدمات، مثل الأسمرات وبشائر الخير وروضة السيدة والمحروسة، وغيرها من المشروعات التى غيرت خريطة العمران فى مصر.
لم يقتصر الأمر على نقل السكان فقط، وإنما شمل تطوير شبكات الطرق ورفع كفاءة البنية التحتية وتطبيق اشتراطات بناء أكثر صرامة، بما يتوافق مع الأكواد الهندسية الخاصة بمقاومة الزلازل، الأمر الذى ساهم فى رفع قدرة المبانى الحديثة على تحمل الهزات الأرضية مقارنة بالماضى.
هذا التطور الجوهرى فى القضاء على المناطق العشوائية، وبناء مدن جديدة ذكية، لا يعنى بالضرورة أن مصر أصبحت بمنأى عن أخطار وقوع الزلازل، فالموقع الجغرافى لمصر يجعلها تتأثر بين الحين والآخر بنشاط زلزالى، ناتج عن مناطق نشطة شرق البحر المتوسط، وخليج العقبة والبحر الأحمر، لكن حجم الخسائر لم يعد مرتبطا فقط بقوة الزلزال، بل بمدى جاهزية الدولة والمجتمع لمواجهته.
وفى الأخير، وللإنصاف فإن ما بين زلزال أكتوبر 1992 وأغسطس 2026، إرادة قوية لسلطة قررت فتح الملفات الخطرة، ومنها ملف العشوائيات، وبناء مدن آمنة، لتصبح المقارنة بين الزلزالين شهادة نجاع مبهرة على حجم التحول الذى شهدته مصر خلال أكثر من ثلاثة عقود.