خدعة المحكمة والكومبارس.. كيف تحول "المشهد المصنوع" لمنتحل صفة قاضي إلى كابوس خلف الأسوار؟.. روج فيديوهات وكروت مزورة للنصب على المواطنين.. وجمع أموالا من راغبي الشقق السكنية والتبرعات للمرضى

الثلاثاء، 04 أغسطس 2026 06:00 م
خدعة المحكمة والكومبارس.. كيف تحول "المشهد المصنوع" لمنتحل صفة قاضي إلى كابوس خلف الأسوار؟.. روج فيديوهات وكروت مزورة للنصب على المواطنين.. وجمع أموالا من راغبي الشقق السكنية والتبرعات للمرضى المتهمين في واقعة انتحال صفة قاضي

كتب محمود عبد الراضي

في عالم الظلام، حيث تُصاغ الأكاذيب بدقة ويُباع الوهم بأسعار باهظة، ظنّ متهمان أن بإمكانهما اتخاذ العدالة ذاتها عباءة لستر جرائمهما.

لم تكن الخدعة مجرد شائعة تُقال في الخفاء، بل مسرحية متكاملة الأركان جرى إخراجها بعناية على منصات التواصل الاجتماعي، واستُخدمت فيها أسلحة الخداع النفسي قبل الأدوات المادية، حتى جاءت لحظة الحقيقة ليتحول المشهد الدرامي إلى كابوس خلف الأسوار.

 

ستار المأساة وشباك الخديعة

بدأت الخيوط بمقاطع فيديو تداولها المتابعون بشغف وتأثر؛ شخص يرتدي جلباب النبل المزيف، يوجه نداءات استغاثة لاستجداء عواطف الجماهير وجمع تبرعات مالية بزعم إنقاذ حالة مرضية حرجة، غير أن ما خفي خلف هذه المشاهد الإنسانية المزعومة كان تشكيلاً عصابياً منظماً احترافه النصب والإحتيال.

لم يكتفِ المتهمان — أحدهما عاطل وله معلومات جنائية مسجلة والأخر طالب — باستغلال مشاعر الشفقة، بل ارتقيا بجريمتهما إلى مستوى أكثر خطورة وجرأة: انتحال صفة قضائية.

أوهم المتهمان ضحاياهم بقدرتهما النفوذية على تخصيص وحدات سكنية حكومية، مستغلين حاجة المواطنين وحلمهم في الحصول على سكن.

ولتكتمل المسرحية إمعاناً في إحكام الخديعة، أقدما على سلوك غير مسبوق بتأجير كومبارس وافتعال مشاهد مصطنعة داخل أروقة إحدى المحاكم، ليعطيا انطباعاً جازماً بسطوتهما ونفوذهما داخل أروقة العدالة.

612b9a49-e604-44de-86ec-bde883d02714
المتهمين في واقعة انتحال صفة قاضي

 

ساعة الصفر وسقوط الأقنعة

لم تكن العيون الساهرة بوزارة الداخلية بمعزل عن هذا النشاط الإجرامي؛ إذ تابعت أجهزة التحريات الفيديوهات المتداولة وتحركت بدقة وفحص فني شامل.

أسفرت الجهود عن تحديد هوية الجانيين بمحافظتي القاهرة والجيزة، ليتم إعداد أكمنة محكمة أوقعت بهما في قبضة القانون.

عند المداهمة، كانت المضبوطات شاهداً صامتاً على تفاصيل الخطة: طبنجة صوت تُستخدم للنصب وفرض الهيبة المزيفة، وثلاثة هواتف محمولة وجهاز "لاب توب" محملة بأدلة وإثباتات تُدين نشاطهما، فضلاً عن كروت شخصية مزورة تحمل ألقاباً قضائية رنانة.

ولم يقف الخيط عند هذا الحد؛ إذ اعترف أحدهما بطباعة هذه الكروت بأسلوب احترافي لدى إحدى المطابع بمنطقة الموسكي.

وبتحرك سريع، تم استهداف المطبعاتي ومداهمة مقره بكونه شريكاً في إعداد أدوات الجريمة، وُضبط بحوزته جهاز كمبيوتر ومطبعة حديثة تُستخدم في تزيير المحررات والكروت الرسمية.

وبعد استكمال إجراءات التحقيق والمواجهة، قررت النيابة العامة حبس جميع المتهمين على ذمة التحقيقات تمهيداً لمحاكمتهم جنائياً.

 

العقوبات المتوقعة

تتعدد الجرائم المرتكبة في هذه الواقعة وتتداخل لتعكس سلوكاً إجرامياً متكاملاً، مما يضع المتهمين أمام سيف القانون ومواد قانون العقوبات المصري التي تتصدى لكل جريمة على حدة:

1. جريمة النصب والاحتيال (المادة 336 من قانون العقوبات): يعاقب بالحبس مدة قد تصل إلى 3 سنوات كل من استولى على أموال الغير باستعمال طرق احتيالية أو إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة. وتتحقق هذه الجريمة هنا بوضوح من خلال التوهيم بتخصيص الشقق السكنية وجمع التبرعات الوهمية.

2. جريمة انتحال الصفة والوظائف العامة (المادتان 155 و156 من قانون العقوبات): تصل عقوبة التدخل في وظيفة عمومية أو انتحال صفة قضائية إلى السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات، نظراً لما تشكله هذه الجريمة من اعتداء صارخ على هيبة الدولة ومؤسساتها القضائية.

3. جريمة التزوير في محررات واستعمالها (المواد 211 و212 و215 من قانون العقوبات): طباعة واستخدام كروت شخصية مزورة تحمل ألقاباً ورموزاً رسمية يُعد جريمة تزوير، وتصل عقوبتها إلى السجن المشدد (قد تصل إلى 7 سنوات أو أكثر بحسب وصف المحرر والجهة المنسوب إليها التزوير)، وتسري هذه العقوبة أيضاً على صاحب المطبعة باعتباره فاعلاً أصلياً أو شريكاً بالمساعدة والإعداد.

4. الجرائم الإلكترونية وجمع التبرعات بدون ترخيص: وفقاً للقانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون تنظيم جمع المال العام، يُعاقب بالحبس والغرامة المالية كل من استخدم حساباً إلكترونياً لتسهيل ارتكاب جريمة أو دعا لجمع تبرعات مالية من الجمهور دون الحصول على تصريح من الجهات المختصة.

تطبيق قاعدة "الارتباط الجنائي" (المادة 32 من قانون العقوبات): نظراً لأن الأفعال الإجرامية المرتكبة (انتحال الصفة، التزوير، والنصب الإلكتروني) قد وقعت لغرض إجرامي واحد وارتبطت ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، فإن المحكمة تُطبق العقوبة المكررة للجريمة الأشد (وهي جريمة التزوير وانتحال الصفة)، والتي قد تصل العقوبة الإجمالية فيها إلى السجن المشدد لمدة تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات، مع مصادرة الأدوات والمضبوطات وإلزام المتهمين برد المبالغ المستولى عليها للضحايا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة