تواجه أسواق السلع الغذائية العالمية أزمة مزدوجة غير مسبوقة، تجمع بين تداعيات التغير المناخي المتمثلة في ظاهرة النينو، والصراع الجيوسياسي المتصاعد في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التقاطع بين العاملين يضع أسعار القهوة والمواد الغذائية تحت ضغوط متزايدة، ويهدد سلاسل الإمداد العالمية في وقت تعاني فيه الأسواق من تقلبات حادة.
التوتر في الشرق الأوسط يرفع أسعار القهوة عالمياً
تشهد أسواق السلع الأساسية اضطرابات مماثلة. فقد سجلت أسعار القهوة العالمية ارتفاعاً حاداً بنسبة 14.75% خلال الشهر الماضي، لتصل إلى 319.20 سنتاً للرطل الواحد (نحو 453 غراماً)، وفقاً لبيانات منصة Trading Economics. وجاءت هذه الزيادة مدفوعة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، والتي أثرت مباشرة على أسعار الطاقة وتكاليف النقل البحري.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
يأتي هذا الارتفاع بعد شهر من توقيع مذكرة تفاهم كانت تهدف إلى تهدئة الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير، لكن تصاعد الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في الأيام الأخيرة – مع تركيز الأنظار على مضيق هرمز – زاد من حالة عدم الاستقرار في التجارة العالمية. فالمضيق الاستراتيجي يمر عبره حوالي 30% من النفط المنقول بحراً، وأي تهديد له يؤثر مباشرة على تكاليف الشحن والتأمين.
أسباب ارتفاع أسعار البن
تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن أسعار سلع المشروبات الأساسية ارتفعت بشكل أسرع بكثير من غيرها من السلع الأساسية في السنوات الأخيرة. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المترابطة، من الظواهر المناخية القياسية ،من جفاف وصقيع وأمطار غزيرة في دول الإنتاج الرئيسية وأمراض النباتات مثل الصدأ التي تهدد محاصيل البن، مع ارتفاع تكاليف المدخلات والعمالية خاصة مع زيادة أسعار الأسمدة والطاقة ، و التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، و ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة المخاطر الأمنية في الممرات المائية الحيوية
تركيز الإنتاج في دول قليلة
تسيطر البرازيل وفيتنام على نحو نصف الإنتاج العالمي من البن، بينما توفر خمس دول فقط 65% من إجمالي الصادرات العالمية. وتشير الفاو إلى أن المسافات الطويلة بين المنتجين والمستهلكين تزيد من تعرض السوق لاضطرابات الإمداد وتكاليف النقل.
ويُذكر أن أسعار البن قد شهدت بالفعل ارتفاعات قياسية في مطلع 2025 بسبب سوء المحاصيل المرتبط بالمناخ في فيتنام وإندونيسيا، إضافة إلى الجفاف والصقيع في البرازيل.
الوضع في إسبانيا وأوروبا
تستورد إسبانيا البن بشكل رئيسي من فيتنام والبرازيل وأوغندا وكولومبيا وإندونيسيا، لتحويله وبيعه محلياً وتصديره إلى دول أخرى. ورغم أن الدول المنتجة الرئيسية لا تشحن عبر مضيق هرمز، إلا أن دولاً مجاورة مثل الهند وإثيوبيا قد تتأثر بالازدحام في موانئها الأصلية.
ويشير قطاع البن الإسباني إلى أن ميناء برشلونة، الذي يستقبل 90% من البن الأخضر المستورد إلى إسبانيا، لم يشهد حتى الآن تأثيرات ملحوظة، حيث ارتفعت الواردات بنسبة 2.8% في الربع الثاني. غير أن المصادر تحذر من احتمال زيادة الضغط على الطرق المتوسطية إذا أعيد توجيه حركة الشحن نحو موانئ تعتبر أكثر أماناً، على غرار ما حدث أثناء أزمة البحر الأحمر.
كما يترقب القطاع ارتفاع تكاليف الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي اللازم لإنتاج البن سريع التحضير، والذي يشهد هو الآخر تقلبات سعرية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.
ظاهرة النينو تهدد المحاصيل في أمريكا اللاتينية
في تطور مقلق للقطاع الزراعي في أمريكا الوسطى، حذر البنك المركزي لكوستاريكا (BCCR) من أن ظاهرة النينو المناخية تهدد، خلال الأشهر المقبلة، بإحداث انخفاض كبير في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القهوة والأناناس، بالإضافة إلى التأثير على النشاط الحيواني والضغط على أسعار الغذاء والكهرباء.
وأوضح ألونسو ألفارو، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي، أن كوستاريكا تشهد حالياً ظاهرة نينو قوية ستتحول إلى قوية جداً مع نهاية العام وبداية العام المقبل. وأشار إلى أن التأثير سيمتد عبر مسارين رئيسيين:
تأثير على العرض الزراعي، حيث أنه مع ارتفاع درجات الحرارة ومواسم الجفاف الأطول سيؤديان إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار السلع الغذائية.
تأثير على النشاط الاقتصادي، حيث أن انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية بسبب قلة الأمطار، مما يستدعي اللجوء إلى محطات حرارية واستيراد الطاقة، ما قد ينعكس على أسعار الكهرباء وتكاليف الإنتاج.
تركيز التأثير على القهوة والأناناس
تشير تقديرات البنك المركزي إلى أن التأثير الأكبر سينصب على إنتاج القهوة والأناناس، نظراً لتمركز معظم مزارعهما في المناطق المتوقع أن تشهد نقصاً في الأمطار. كما أن ارتفاع درجات الحرارة قد يسهم في ظهور الفطريات والأمراض التي تهدد المحاصيل، مما يزيد من تكاليف الإنتاج ويقلل من الجودة.
قطاع الزراعة والحيوان تحت الضغط
في قطاع الماشية، ستواجه الأنشطة الحيوانية نقصاً في المراعي والمياه، مما يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر على إنتاج اللحوم والألبان. وأكد مارتن كالديرون، المدير التنفيذي للغرفة الوطنية للزراعة والصناعات الزراعية (CNAA)، أن القطاع يعاني أصلاً من تباطؤ في النمو، حيث كان يسجل نمواً بنسبة 5% قبل الجائحة، لكنه الآن لا يتجاوز 2%، مع توقعات بمزيد من التراجع بسبب الظروف المناخية.
تأثير على أسعار الكهرباء
حذّر البنك المركزي من أن انخفاض منسوب المياه سيؤثر على توليد الطاقة الكهرومائية، مما قد يضطر معهد الكهرباء الكوستاريكي (ICE) إلى زيادة الاعتماد على محطات الوقود الأحفوري واستيراد الطاقة، وهو ما قد يترجم إلى ارتفاع في تعرفة الكهرباء، مما ينعكس بدوره على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
خبراء يحذرون مستقبل غامض لأسواق الغذاء
تمثل الأزمة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة الأسواق العالمية على الصمود في وجه تقاطع التغير المناخي والصراعات الجيوسياسية. فبينما تهدد ظاهرة النينو محاصيل البن في أمريكا اللاتينية، تواصل التوترات في الشرق الأوسط رفع تكاليف الشحن والطاقة، مما يضغط على أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم.
وتشير تقديرات البنك المركزي الكوستاريكي إلى أن التأثير الأكبر على الأسعار سينصب على السلع الزراعية، التي قد تشهد زيادات تصل إلى 4%، مع احتمال انتقال هذا التأثير إلى معدلات التضخم العامة. وفي ظل هذه الظروف، تبدو الدعوات إلى إنشاء سلاسل توريد أكثر مرونة وشفافية، وتعزيز أنظمة التأمين الزراعي، وتنويع مصادر الإمداد، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.