لكل أديب أسلوبه الخاص الذي يتميز به، ويكشف عن شخصيته وملامحه التي لا تنطبق مع ملامح غيره. فله منهج خاص وطريقة مميزة، حتى لو محوت اسمه من غلاف كتابه أو قصته أو ديوان شعره أو مقاله، لقلت: هذا الكاتب فلان, وقد يندرج هو ومئات الكتّاب تحت مذهب معين أو مدرسة أدبية خاصة، من المذاهب والمدارس التي تقوم على مبادئ عامة تجمع تحتها أصحاب مناهج مختلفة في عناصرها الدقيقة، وهي العناصر التي تشير إلى شخصية الكاتب وتميزه.
ففي القصة نرى كاتبًا يهتم بالحدث، وآخر بالشخصيات، وثالثًا بطريقة التشويق، ورابعًا بالتحليل النفسي لأبطاله، أو بوصف الأماكن التي تحيط بشخصيات رواياته. وهي مناهج كثيرة ومتعددة، ولكل منها جمهور يقبل عليها ويستزيد منها، لأنها توافق ميوله وتلبي ذائقته فإذا أعجب القارئ بأسلوب كاتب أو طريقته ومنهجه في كتابة القصة، تتبع أعماله، وأصبح من أحب الكتّاب إليه، ووضعه في مرتبة عالية عنده.
وربما لا يلقى الكاتب نفسه قبولًا عند آخرين؛ لأن اهتماماتهم في قراءة القصة تنصب على جانب معين لا يملك ذلك الكاتب القدرة على إشباعه. ولذلك قد تُستقبل الرواية الواحدة بشوق عند قارئ، وبنفور عند قارئ آخر، ولا عجب في ذلك، فالأذواق مختلفة، والميول متباعدة، والأهواء متنوعة.
غير أن ما يميز كاتبًا عن آخر هو اتساع شريحة قرائه من الجمهور؛ إذ يجذب أصحاب الميول المختلفة، ويرضي كثيرًا من الأذواق، فيقبل الناس على إنتاجه ومؤلفاته، ويمنحون أعماله مكانة خاصة لديهم وقد يجمع الكاتب بين الاهتمام بالحدث والشخصيات، ويجيد الوصف والتحليل والتشويق، فيدفع القارئ إلى متابعة أحداث الرواية ومراقبة أبطالها. ونجيب محفوظ من هؤلاء الكتّاب الذين يمنحون قراءهم هذه الخصائص مجتمعة، وإن أطال في بعضها وأوجز في بعضها الآخر، إلا أنه صنع لنفسه نمطًا خاصًا في كتابة الرواية، يقبل عليه جمهور غفير من محبي فنه ومنهجه.
فهو نموذج فريد بين مؤلفي الرواية، وإمام مدرسة يستقي منها تلاميذه ما يعينهم على الارتقاء بفنهم، والوقوف على الأسباب التي منحته ذلك التفوق والإبداع المتفرد. ولا مجال لتقليده؛ لأن أسلوبه عصي على التقليد، إذ يمثل شخصيته وفكره وتميزه وفي أعماله زاد لكل جيل من قراء الرواية، ومتعة أدبية، ومعرفة بتاريخ حقبة من أخصب ما أنجبته القريحة المصرية في مختلف مجالات الحياة العامة والخاصة. فقد كان عصرًا حافلًا بأئمة الفن والإبداع، وعصر نبوغ عام، حتى في جوانبه المظلمة. وقد شهد النصف الأول من القرن العشرين حربين عالميتين، ومع ذلك أنجبت البشرية من رحم تلك المحن نوابغ قادوا حركة العالم نحو أسس متينة، ليفتتحوا عصرًا جديدًا وحضارة قوية.
وقد شهد نجيب محفوظ تقلبات العالم والزمن، ونقل إلينا صورة مصغرة تعكس عالمًا كبيرًا، وتاريخًا طويلًا من تاريخ الإنسان، الذي يدور بين الخير والشر. وقد أجاد في تصوير ذلك من خلال رسم الشخصيات، وإبراز العلاقات بين أبطاله على كثرتهم وتعددهم، وجعل لكل شخصية لغتها وأسلوبها المميز، دون خلط أو تكرار، مع وصف دقيق لبيئتها والأماكن التي تدور فيها الأحداث وقد نقل إلينا تلك الأمكنة نقلًا يجعل القارئ كأنه يشاهدها رأي العين، فقد عاش معظمها بين الشوارع والحارات والأزقة، واستوعب روحها، وأحسن تشريحها، ورسم صورها الفنية. فتقرأ وأنت تشاهد، وتسمع، وترى الحركة نابضة بالحياة بين السطور والفصول، فتتعايش مع الشخصيات، وتحاورها، وتتبادل معها الإحساس والشعور، وتشاركها أعمالها، فتحزن لآلامها، وتسعد لأفراحها، وتعطف عليها، وتغضب لها، وينتقل بك الكاتب بمشاعرك إلى قلب أحداثها، ومعاركها الواقعية والنفسية.
وفي كل ذلك تشريح لعيوب المجتمع، وإشارة إلى ما يصيبه من أمراض، محاولًا كشفها ومعالجتها من خلال عرض الأحداث والشخصيات. فكل رواية عنده تطرح مشكلة من مشكلات المجتمع، وتنبه إليها الأذهان، وتدعو إلى البحث عن حلول لها وآفات مجتمعنا كثيرة ومنتشرة، وللكاتب دور في طرحها بأسلوبه وطريقته؛ لأنه فرد من هذا المجتمع، يتأثر به ويؤثر فيه، وله تجاه وطنه واجب ينبغي أن يؤديه. وكان نجيب محفوظ خير من قام بهذه الرسالة، بأسلوبه العذب وطريقته المتميزة، مؤديًا أمانة الأدب والفن تجاه أمته، بل تجاه الإنسانية كلها، كأدب إنساني في المقام الأول.