فى سنة 1929 لم يخطر على بال أحد فى العالم، أنه يعيش الأيام الأولى لواحدة من أعظم الكوارث الاقتصادية فى التاريخ الحديث، بدأ من سوق المال، وامتد إلى المصانع والبنوك والمزارع والمنازل، وانتهت بانهيارات اقتصاديات رهيبة لعدد كبير من الدول، وتشريد الملايين بدون عمل، ففى الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، هبط الناتج الحقيقى بنحو 29% فى الفترة ما بين 1929 و1933 ووصلت البطالة إلى 30% وانهارات مئات البنوك.
تلك الكارثة الاقتصادية، رسمت صورة قاسية ارتبطت بالذاكرة الجماعية عقودا طويلة، ملامحها، طوابير طويلة من العاطلين أمام مطابخ الفقراء، أسر عاجزة عن شراء الطعام، ومواطنون يبحثون عن أى مصدر للغذاء، لدرجة أن أعدادا غفيرة من الأمريكيين كانوا ينبشون صناديق القمامة بحثا عن طعام، والمحصلة الموثقة الأكثر رعبا أن الاقتصاد الأمريكى فقد أكثر من ثلث نشاطه الحقيقى، والبطالة وصلت إلى ربع قوة العمل، وما يقرب من 7 آلاف بنك فشل فى الفترة بين 1930 و1933.
الانهيار الاقتصادى، والكساد العظيم، جاءا نتيجة تعانق الاقتصاد والسياسة معا، فالجانب الاقتصادى، لم يكن سببه سقوط البورصة بمفردها، الانهيار المالى كان الشرارة، لكن الكارثة تحولت إلى كساد عظيم بسبب سلسة الأخطاء والسياسات والصدمات المتتالية، فقد تراجعت السيولة، وانهارت البنوك، وتقلص الائتمان، وانخفض الاستهلاك لمستويات متدنية، وبدأت حلقة مفرغة ومفزعة من الإفلاس والبطالة وانخفاض الأسعار.
وأشارت دراسات الاحتياطى الفيدرالى حينها، إلى أن المعروض النقدى انخفض بنحو 30% بين أواخر 1930 وبداية 1933، ما أدى إلى تفاقم الانكماش وارتفاع أعباء الديون، وإجبار مزيد من البنوك والشركات والأفراد إلى إعلان إفلاسهم.
أما الجانب السياسى، فقد سكب البنزين على النار ليزداد اشتعالا، ففى سنة 1930 وقع الرئيس الأمريكى «هربرت هوفر» قانون «سموت هاولى»، الذى رفع الرسوم الجمركية الأمريكية، فما كان من الدول إلا أن ردت أيضا بإجراءات انتقامية، ما تسبب فى انكماش هائل بالتجارة الدولية، ووفقا لوزير الخارجية الأمريكية، تراجعت التجارة العالمية بنحو 66% فى الفترة ما بين 1929 و1934 فى حين تشير دراسات صندوق النقد الدولى إلى أن حجم التجارة العالمية انخفض إلى قرابة 30% وأن ما يقرب من نصف هذا الانخفاض ارتبط بارتفاع الرسوم التجارية.
انطلاقا من ذلك، يأتى التشابه وعقد المقارنة المخيفة بين 1929 و2026 أى بعد مرور ما يقرب من قرن من الزمان، فالعالم يعيش اليوم نسخة تكون متطابقة مع ما حدث فى 1929 بشكل أخطر من مجرد أزمة مالية تقليدية، وإنما مجموعة أزمات متزامنة مع بعضها البعض، بدءا من الحرب الروسية الأوكرانية، ومرورا بحروب الشرق الأوسط، سواء بإبادة غزة، وجنوب لبنان، ثم حرب أمريكا وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية ثانية، وتوترات شديدة للدول المجاورة، وتأثيراتها السيئة بإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد، واضطراب إمدادات الطاقة ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، بجانب وكما ذكرنا سلفا، الحرب التجارية التى تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب.
وقد أثبتت الحرب الأمريكية الإيرانية، أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية، وأنه ليس مجرد ممر ملاحى فى الخليج، وإنما أحد أبرز الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمى، ووفق أحدث تقرير لوكالة الطاقة الدولية فى أغسطس الجارى، فقد كشف أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، أدى إلى انخفاض شديد فى إمدادات النفط، وارتفاع كبير فى الأسعار.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالنفط ليس مجرد سلعة عادية، وأن أى ارتفاع فى الأسعار، يعنى زيادة أسعار التكلفة للنقل والكهرباء والصناعة والطيران والأسمدة والغذاء، ما يعنى أن صدمة واحدة فى إمدادات النفط فى مضيق هرمز، ينتقل صداه السيئ إلى فاتورة الأسرة فى برلين وباريس وواشنطن ولندن، وبالطبع القاهرة!
أوروبا على سبيل المثال تعانى بقسوة، ومعدلات النمو فى تراجع وارتفاع كبير فى التضخم وصل إلى 3%، ووفق تقارير صندوق النقد الدولى، فإن استمرار اضطرابات الطاقة هو أكبر مصدر لعدم اليقين، وأن المخاطر تميل إلى مزيد من النمو الضعيف والتضخم المرتفع.
أما البنك المركزى الأوروبى، فيقدم صورة أكثر قتامة، فقد توقع نمو منطقة اليورو بنسبة 0.8 بالمئة فى 2026، مع احتمال وصول التضخم إلى 3.4 بالمئة خلال الربعين الثالث والرابع نتيجة صدمة الطاقة، وفى الوقت ذاته، تواجه الشركات الأوروبية مشكلة أعمق تتعلق بالتنافسية والصادرات والاستثمار.
أيضا صورة الاقتصاد الأمريكى ليست وردية، فقد بلغ الدين الحكومى إلى نحو 123.9 بالمئة من الناتج القومى، ويتوقع صندوق النقد أن يتجاوز 140 بالمئة بحلول 2031، بينما تفرض سياسات دونالد ترامب الجمركية تكلفة على الاقتصاد العالمى وسلاسل الإمداد.
ويتبقى التشابه الأكثر إثارة للقلق مع ثلاثينيات القرن الماضى يتعلق بعودة فكرة أن إنقاذ الاقتصاد الأمريكى يمكن أن يتم عبر إغلاق الأسواق ورفع الرسوم الجمركية، وأن ترامب لم يكتف بتغيير قواعد التجارة، بل واصل فى 2026 فرض رسوم جديدة على قطاعات ودول مختلفة، من بينها رسوم إضافية وصلت إلى 50% على بعض المنتجات الكندية.
وهذا بالضبط هو الدرس الذى يجب ألا ينساه العالم من 1929، وهى أن الأزمة لا تصبح كارثة عندما تحدث الصدمة الأولى، وإنما عندما تتراكم الصدمات ويتخذ العالم قرارات تجعل الصدمة أكبر.
لكن الخطر الجديد قد يكون شيئاَ مختلفاً، ركود تضخمى عالمى طويل، تتباطأ فيه الاقتصادات بينما ترتفع تكلفة الطاقة والغذاء والنقل والتمويل، وهذا النوع من الأزمات قد لا يدفع الناس فورا إلى البحث عن الطعام فى القمامة، لكنه قد يدفع ملايين الأسر إلى تقليص استهلاكها، وملايين الشركات إلى تأجيل الاستثمار، ودولاً فقيرة إلى الاقتراض أكثر لتمويل فاتورة الطاقة والغذاء.
ومن المعلوم بالضرورة أن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، وإنما يعيد إنتاج منطقه، صدمة اقتصادية، ثم خوف، ثم حماية، ثم انتقام تجارى، ثم ارتفاع تكلفة السلع، ثم تراجع الاستثمار، ثم ضعف النمو، ثم أزمة ثقة.
وإذا اجتمعت الحرب مع الطاقة مع التجارة مع الديون فى الوقت ذاته، فقد يصبح الاقتصاد العالمى أكثر هشاشة مما توحى به أرقام النمو الحالية.