في لحظة فارقة من تاريخ العمل العربي المشترك، تنطلق في القاهرة أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، وسط حضور رفيع المستوى من وزراء العمل، وممثلي منظمات أصحاب الأعمال والعمال من 21 دولة عربية، وأوضحت منظمة العمل العربية، إن اختيار عنوان "المؤسسات الناشئة.. فرص واعدة في ظل التحول الرقمي" ليكون البند الثامن والأساسي في جدول الأعمال محض صدفة، بل جاء استجابة لضرورة اقتصادية ملحة فرضتها التحولات الرقمية المتسارعة، حيث سعى المؤتمر من خلال تقرير المدير العام لمنظمة العمل العربية، فايز علي المطيري، إلى وضع حجر الأساس لرؤية عربية متكاملة تستهدف تحويل هذه المؤسسات إلى المحرك الأول للنمو وتوليد فرص العمل للشباب العربي.
تبدأ ملامح هذه الرؤية من القناعة الراسخة بأن العالم العربي يعيش اليوم ذروة طفرة ريادية غير مسبوقة، تدعمها أرقام وإحصائيات تعكس تحولا جذريا في هيكل الاستثمار الإقليمي؛ فقد كشف التقرير أن حجم التمويل الذي ضخ في الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغ نحو 2.1 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، وهو ما يمثل قفزة هائلة بنسبة 134% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. هذا الزخم الاستثماري لم يأت من فراغ، بل هو نتاج استراتيجيات وطنية طموحة تبنتها الدول العربية لتنويع اقتصاداتها بعيدا عن المصادر التقليدية، والتركيز على اقتصاد المعرفة الذي تقوده عقول ريادية شابة قادرة على ابتكار حلول تقنية تتجاوز الحدود الجغرافية.
وبالنظر إلى التوزيع الجغرافي لهذه الطفرة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كقائد للمشهد الريادي العربي، حيث نجحت في بناء منظومة متكاملة تضم أكثر من 8600 شركة ناشئة و750 شركة تكنولوجيا مالية، محققة المركز الأول عربيا في 12 مؤشرا من أصل 13 مؤشرا فنيا رياديا. ولم يقتصر التميز الإماراتي على الكم، بل شمل الكيف أيضا، حيث سجلت الشركات الناشئة الإماراتية تمويلات بقيمة 541 مليون دولار عبر 114 صفقة في النصف الأول من عام 2025، بنمو قدره 18% عن العام السابق، مستفيدة من بيئة تشريعية مرنة ومختبرات تنظيمية (Sandboxes) سمحت للمبتكرين باختبار حلولهم في مجالات الذكاء الاصطناعي و"الويب 3" والأمن السيبراني تحت إشراف رقابي دقيق.
وفي ذات السياق، سجلت المملكة العربية السعودية تحولا تاريخيا وضعها في مصاف الدول الأسرع نموا في بيئة ريادة الأعمال عالميا، حيث كشف التقرير عن نمو مذهل في حجم الاستثمارات الجريئة بنسبة 342% في النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024. هذا النمو المدعوم برؤية 2030، تجسد في ضخ استثمارات بقيمة 3.2 مليار ريال سعودي (حوالي 860 مليون دولار)، مما مكن المملكة من الاستحواذ على 56% من إجمالي تمويل الشركات الناشئة في المنطقة. ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفعيل دور "منشآت" وصناديق الاستثمار الجريئة مثل "صندوق الصناديق - جادة"، مما ساهم في خلق أكثر من 11 ألف وظيفة مباشرة في قطاع التكنولوجيا وحده خلال عام واحد.
أما جمهورية مصر العربية، فقد أظهرت في عام 2025 مرونة فائقة وقدرة على جذب الاستثمارات رغم التقلبات الاقتصادية العالمية، حيث استقطبت الشركات الناشئة المصرية نحو 179 مليون دولار عبر 52 صفقة في النصف الأول من العام، محققة نموا بنسبة 106% مقارنة بعام 2024. ويشير التقرير إلى أن السوق المصري، الذي يتوقع أن يصل عدد سكانه إلى 108 ملايين نسمة بحلول أغسطس 2025، يمثل أرضا خصبة للمؤسسات الناشئة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية، حيث ساهمت هذه الشركات في توظيف أكثر من 90 ألف شاب بشكل مباشر، مع توقعات بإضافة 7500 وظيفة سنويا في المجالات المرتبطة بالتحول الرقمي.
ولا يتوقف الطموح العربي عند حدود دول الخليج ومصر، بل يمتد ليشمل دول المغرب العربي التي بدأت تجني ثمار تشريعاتها المبتكرة؛ فقد سلط المؤتمر الضوء على تجربة تونس التي كانت سباقة بإصدار "قانون المؤسسات الناشئة" (Startup Act)، مما أدى إلى منح "علامة مؤسسة ناشئة" ل 1165 شركة، وتوليد مبيعات تراكمية بقيمة 300 مليون دينار تونسي. وفي الجزائر، ساهم "صندوق الجزائر للشركات الناشئة" في دعم أكثر من 2300 شركة حاصلة على علامة الجودة، مع التركيز على قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية، مما يعكس توجها مغاربيا قويا نحو دمج التكنولوجيا في القطاعات الإنتاجية الأساسية.
وانتقالا إلى القطاعات الأكثر جذبا للاستثمار، يتربع قطاع التكنولوجيا المالية (FinTech) على عرش الصدارة، حيث استقطب ما بين 644 إلى 700 مليون دولار في عام 2024، مدفوعا برغبة الحكومات في تعزيز الشمول المالي الذي وصلت نسبته في المنطقة العربية إلى 64% بين المتعاملين مع البنوك. ويليه قطاع التجارة الإلكترونية، الذي يتوقع التقرير أن يصل حجم سوقه العربي إلى 155.16 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025، بنمو سنوي مركب قدره 21.58%. كما برز قطاع البرمجيات كخدمة (SaaS) كحصان أسود جديد، حيث ينمو بمعدل 29.3% سنويا، مع توقعات بوصول قيمته إلى 6.8 مليار دولار في عام 2025، مما يفتح آفاقا واسعة للشركات الناشئة المتخصصة في حلول الحوسبة السحابية.
بيد أن هذا المشهد المتفائل لا يخلو من تحديات هيكلية ناقشها المؤتمر بشفافية عالية، لعل أبرزها "فجوة التمويل"؛ حيث كشف التقرير أن 30.9% فقط من المؤسسات الناشئة والصغيرة في المنطقة العربية قادرة على الوصول إلى تسهيلات ائتمانية رسمية، بينما تظل النسبة الأكبر رهينة التمويل الذاتي أو العائلي. كما برز تحدي "وادي الموت" (Valley of Death)، وهو المصطلح الذي يصف المرحلة الحرجة التي تلي التأسيس وتسبق الوصول إلى الربحية، حيث تفشل العديد من الشركات نتيجة نفاد السيولة أو عدم القدرة على مواكبة المتطلبات التنظيمية المعقدة، وهو ما دفع المؤتمر للمطالبة بتعميم تجربة "المختبرات التنظيمية" لتقليل مخاطر الفشل في البدايات.
وفيما يتعلق بسوق العمل، أطلق التقرير جرس إنذار حول تأثير الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن 40% من الوظائف الحالية في المنطقة العربية قد تتأثر بشكل أو بآخر بالتحول الرقمي بحلول عام 2030. ولكن، في المقابل، توفر المؤسسات الناشئة فرصة ذهبية لامتصاص البطالة بين الخريجين الجدد، حيث يستهدف قطاع التكنولوجيا العربي خلق 1.3 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2026. ولتحقيق ذلك، شدد المؤتمر على ضرورة سد "فجوة المهارات"، حيث تفتقر المنطقة حاليا إلى نحو 20% من الكوادر المؤهلة في مجالات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، مما يستوجب ثورة في المناهج التعليمية والتدريب المهني.
ولم يغب ملف تمويل رائدات الأعمال عن طاولة النقاش، حيث كشفت الإحصائيات عن فجوة جندرية عميقة؛ فبينما تدار 41% من الشركات الناشئة في الكويت بواسطة نساء، إلا أن إجمالي التمويل الموجه للشركات التي تقودها نساء في المنطقة العربية لا يتجاوز 1% إلى 4% من إجمالي رأس المال الجريء. واعتبر المؤتمر أن معالجة هذا الخلل ليست مجرد قضية اجتماعية، بل هي ضرورة اقتصادية، إذ أن زيادة مشاركة المرأة في ريادة الأعمال يمكن أن تضيف مليارات الدولارات إلى الناتج المحلي الإجمالي العربي وتخلق مئات الآلاف من فرص العمل الإضافية.
واستعرض المؤتمر قصص نجاح عربية تحولت إلى أيقونات عالمية، مؤكدة جدوى الاستثمار في هذا القطاع؛ فمن شركة Careem التي استحوذت عليها أوبر مقابل 3.1 مليار دولار، إلى Souq.com التي أصبحت جزءا من أمازون، وصولا إلى InstaDeep التونسية التي تعاملت مع عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل ونفيديا قبل استحواذ "بايونتك" عليها في صفقة تجاوزت 680 مليون دولار. هذه النماذج، بالإضافة إلى شركات صاعدة مثل Kitopi التي جمعت 800 مليون دولار وTabby التي أحدثت ثورة في حلول "اشتر الآن وادفع لاحقا"، تثبت أن المؤسسات الناشئة العربية قادرة على المنافسة في الصفوف الأولى عالميا إذا ما توفرت لها البيئة الحاضنة.
وفي ختام المداولات، وضع مؤتمر العمل العربي الدورة 52 جملة من التوصيات الاستراتيجية التي تشكل خارطة طريق للمستقبل، تضمنت ضرورة "توطين الاستراتيجيات" عبر صياغة حلول ريادية مبنية على فهم عميق للاحتياجات المحلية، والعمل على "قابلية التوسع الإقليمي" من خلال توحيد المعايير والتشريعات للسماح للشركات الناشئة بالانتقال بين الأسواق العربية بيسر وسهولة. كما دعا المؤتمر إلى إنشاء "صندوق عربي لدعم المؤسسات الناشئة" يساهم في سد فجوة التمويل في المراحل المبكرة، وتفعيل دور "رأس المال البشري" عبر برامج إعادة تأهيل شاملة للقوى العاملة لمواكبة متطلبات الاقتصاد الرقمي.
إن الرسالة التي بعث بها مؤتمر القاهرة هي أن المؤسسات الناشئة ليست مجرد كيانات اقتصادية صغيرة، بل هي الرهان العربي الرابح في سباق التحول الرقمي العالمي. ومع وصول حجم استثمارات رأس المال الجريء المتوقع إلى مستويات قياسية في عام 2026، يبدو أن المنطقة العربية قد حزمت أمرها لتكون مركزا عالميا للابتكار، مدفوعة بديموغرافيا شابة، وبيئة تشريعية متطورة، وإرادة سياسية تدرك أن وظائف المستقبل لن تخلق في المكاتب التقليدية، بل في ثنايا الأكواد البرمجية والتطبيقات الذكية التي تصيغها عقول الشباب العربي اليوم.