علا رضوان

الأوديسة : هل يعود المحارب حقاً.. أم شبح طروادة حكم عليه بالتيه ؟

الإثنين، 03 أغسطس 2026 07:44 م


حين يتصدى كريستوفر نولان لملحمة بحجم «الأوديسة» في فيلم المعروض حاليا The Odyssey .فإنه لا ينشغل بتقديم استعراض تاريخي متخفٍّ خلف صراع بين الآلهة والوحوش كما جرت العادة في الإنتاجات الهوليودية الضخمة، بل عمد إلى تجريد النص الهوميروسي من قشوره الكلاسيكية ليُعيد بناءه كدراما  نفسية تُفكك مفهوم العودة لا كغاية جغرافية أو  نقطة وصول لمكان ، بل كمأزق وجودي حاد.


نجح كرستوفر نولان في جعل السؤال المطروح على الشاشة يتعلق بكيف يقطع أوديسيوس المسافات نحو إيثاكا، بل بمدى جدوى هذا الوصول أصلاً إذ يتجاوز الشريط السينمائي الفكرة المبتذلة للصراع مع الأقدار الظاهرية والألهة .ليجعل من أمواج البحر والمخاطر المترامية مجرد معادل موضوعي للصدمة النفسية واغتراب المحارب القديم بعد أهوال حرب طروادة وجدوها من اصله . وهل كانت الحرب لغايه ام كانت انتقام وتعذيب لأثنا التي دفعت ثمن لخطئ لم ترتكبه .فكانت تظهر له بوجه امراة قامت بدورها Zendaya ولم تتركه حتي  اعترف بأنه سقط في هاوية حرب لم تميز بين صغير وشيخ وامراة. يصيغ نولان بؤرة الدراما حول فخ الذاكرة والتلاعب بالزمن غير الخطي، ليتحول "الوطن" من جغرافية ثابتة إلى أمل واهم، ويصبح التساؤل النقدي الأكثر إلحاحاً: هل يعود الإنسان حقاً كما غادر، أم أن الحرب تقتطع من ذاته الأولى ما يجعل العودة مجرد وهم مُجسد؟ يتساوي فيه الحضور مع الغياب


هل دفع البطل ثمن حربه وسقوطه يتجلى هذا الطرح العميق عبر تجسيد Matt Damon لشخصية أوديسيوس، حيث يبتعد تماماً عن كليشيهات البطل المفتول الذي لا يُقهر. يقدم Matt وجهاً مركباً لبطل تلتهمه الصدمة وسنوات الضياع؛ فهو القائد صاحب الحيلة الذي كلفه كبرياؤه التيه، وهو في الوقت ذاته الإنسان الهش المنهك الذي تكسو ملامحه آثار الخوف وتأنيب الضمير. تنجح لقطات الكاميرا القريبة في اقتناص أدق حركة في عينيه وتعبير وجهه، لتعكس صراع رجل يستميت كي لا تبتلعه العزلة وتُمحى هويته تماماً قبل بلوغ البر.


وعلى الجانب الآخر، تجيء بينيلوبي بصوت Anne Hathaway لتتجاوز دور الزوجة المنتظرة على هامش الملحمة. تقدم Anne تجسيداً درامياً شديد التكثيف والصلابة، تعكس من خلاله صراعاً لا يقل ضراوة عن أمواج البحر؛ صراع الحفاظ على البيت ومواجهة الطامعين وإدارة ثقل الوقت والغياب. اتسم أداؤها بهدوء مهيب ونظرات تتأرجح بين الأمل والإنهاك، مما جعل منها الركاز العاطفي الأهم للمشهد الدرامي.


في حين يمنح  Tom Hollandلشخصية تيليماخوس بعداً يلامس فكرة البحث عن الهوية والمعنى؛ فالابن الذي نشأ في ظل الغياب الأسطوري لأبيه ينتقل عبر محطات الفيلم من التردد والضعف الإنساني إلى استعادة المبادرة، ليغدو خطه الدرامي مرآة كاشفة لأنسجة العائلة التي تمزقت تحت ثقل الانتظار.


بصرياً، يطوع نولان تقنيات كاميرات IMAX والميزانسين ليضع المشاهد في قلب التيه، حيث تحضر الإضاءة الباردة والمساحات الشاسعة لتكرس شعور العزلة وضآلة الإنسان أمام قدره. يتضافر شريط الصوت بنبضاته الحادة وأصوات البحر المتداخلة مع أنفاس البطولات، ليصبح الصوت بطلاً درامياً يفرض التوتر ويتسلل إلى أعماق التجربة، مكرساً صياغة سينمائية واعية لطبيعة النفس البشرية عندما تخوض حربها الخاصة مع الزمن والذاكرة. ولكنه امر لا مفر منه للحفاظ علي ماتبقي لديه . ايثكا والعرش والزوجة والوريث .




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة