تشهد أمريكا اللاتينية خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من الاستقطاب السياسى والدبلوماسى غير المسبوق، مع تصاعد الخلافات بين عدد من حكومات المنطقة وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فى وقت تستعد فيه عدة دول لإنتخابات حاسمة قد تعيد رسم خريطة التحالفات السياسية في القارة، وتحدد ملامح العلاقة مع واشنطن للسنوات المقبلة. فما الذي يحدث في البرازيل والأرجنتين وكولومبيا، وكيف تؤثر سياسات ترامب في إعادة تشكيل المشهد السياسي اللاتيني؟.
البرازيل: أزمة دبلوماسية وسيادة مهددة
تتصدر البرازيل المشهد بعد تفجر أزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع واشنطن، حيث امتنعت حكومة الرئيس لولا دا سيلفا حتى الآن عن منح الموافقة الرسمية لتعيين السفير الأمريكي الجديد الذي رشحه ترامب.
وتعتبر برازيليا أن طريقة الإعلان عن الترشيح خالفت الأعراف الدبلوماسية الراسخة، بينما يرى مراقبون أن الأزمة تعكس خلافات أعمق تتعلق بالسيادة الوطنية ومستقبل العلاقات بين أكبر اقتصادين في نصف الكرة الغربي. كما تزامن الخلاف مع توترات تجارية وسياسية متزايدة قبل الانتخابات الرئاسية البرازيلية المقررة في أكتوبر المقبل، حيث يسعى اليمين البرازيلي للاستفادة من هذا التوتر لتأجيج المشاعر المعادية للاشتراكية، بينما يتمسك لولا بخطاب الاستقلال الوطني والتنمية الذاتية.
الأرجنتين: مواجهة مفتوحة بين ميلي ولولا
في الأرجنتين، تتجه الأنظار إلى المواجهة المتصاعدة بين الرئيس الليبرالي المتطرف خافيير ميلي ونظيره البرازيلي لولا دا سيلفا. فقد وصلت العلاقات بين أكبر اقتصادين في أمريكا الجنوبية إلى أسوأ مستوياتها منذ سنوات، بعد تبادل الانتقادات الحادة والمواقف السياسية المتعارضة. فرغم أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تزال قوية، فإن الخلافات الشخصية والأيديولوجية بين الزعيمين ألقت بظلالها على التعاون الإقليمي، وأثارت مخاوف من انعكاسها على مستقبل تكتل ميركوسور التجاري، الذي يشكل العمود الفقري للتكامل الاقتصادي في المنطقة. وفي خطوة أثارت جدلاً داخلياً وخارجياً، واصل ميلي تبني سياسات أكثر تشدداً في ملفات الهجرة والأمن، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى مقارنة توجهاته بسياسات ترامب، خاصة فيما يتعلق بالحدود والهجرة غير النظامية. وتجد هذه السياسات دعماً لدى قطاعات اليمين في المنطقة، بينما تواجه انتقادات حادة من المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان التي تعتبرها انتهاكاً للقيم الديمقراطية.
كولومبيا: عودة إلى الواقعية الاقتصادية
أما في كولومبيا، فتدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أوصلت اليميني المتطرف أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى سدة الحكم. وتشير التوجهات المعلنة من الإدارة الجديدة إلى إعادة صياغة شاملة للسياسة الخارجية على أسس اقتصادية وتجارية بحتة، والابتعاد عن الاعتماد على الاعتبارات الأيديولوجية التي ميزت مرحلة الرئيس السابق جوستافو بترو. كما برزت دعوات داخلية لإعادة تقييم العلاقات مع حكومات يسارية في المنطقة، وخاصة كوبا ونيكاراجوا وفنزويلا، في مؤشر على تغير محتمل في موازين القوى السياسية داخل أمريكا اللاتينية. ويرى المحللون أن كولومبيا الجديدة تسعى إلى تعزيز العلاقات مع واشنطن، والانفتاح على الأسواق العالمية، بعيداً عن خطاب المواجهة الذي ميّز الفترة السابقة.
بيرو: سيدة القصر الأولى
ولا تقتصر التحولات الحالية على هذه الدول فقط، إذ تشهد القارة بأكملها إعادة تموضع سياسي متسارعة. ففي بيرو، تولت كيكو فوجيموري الرئاسة لتصبح أول امرأة تصل إلى هذا المنصب عبر الانتخابات، في خطوة اعتبرها محللون جزءاً من الميل المتزايد نحو الحكومات المحافظة في عدد من دول المنطقة. وتعهدت فوجيموري بمواصلة سياسات النمو الاقتصادي ومكافحة الفساد، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين على حد سواء، في محاولة للاستفادة من التنافس العالمي بين القوتين العظميين.
ترامب في قلب الأزمة
ويرى خبراء أن العامل الأمريكي أصبح حاضراً بقوة في معظم الملفات السياسية بأمريكا اللاتينية. فبينما تسعى بعض الحكومات إلى تعزيز التعاون مع واشنطن، تنظر حكومات أخرى بعين الريبة إلى ما تعتبره تدخلاً أمريكياً في الشؤون الداخلية للدول اللاتينية، خاصة في الملفات الانتخابية والتجارية. وقد أدى ذلك إلى انقسام واضح بين معسكرات سياسية مختلفة، بعضها قريب من ترامب وحلفائه، وأخرى تتمسك بخطاب الاستقلال السياسي والاقتصادي عن الولايات المتحدة. وأكدت تقارير صحفية أن إدارة ترامب تمارس ضغوطاً غير معلنة على حكومات المنطقة لتغيير سياساتها تجاه قضايا حساسة، مثل الطاقة والهجرة والتجارة، مما زاد من حدة الاستقطاب.
مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة في البرازيل ودول أخرى، يتوقع مراقبون أن تزداد حدة الاستقطاب خلال الأشهر المقبلة. وبين صعود اليمين المحافظ، واستمرار نفوذ التيارات اليسارية في بعض العواصم، تبدو أمريكا اللاتينية مقبلة على مرحلة جديدة من المنافسة السياسية الحادة، ستكون نتائجها مؤثرة ليس فقط على مستقبل القارة، بل أيضاً على شكل العلاقة مع الولايات المتحدة في عهد ترامب.