قصة كل عام، مع إعلان نتائج الثانوية تبدأ المناقشات حول الاختيارات وصورة المستقبل، والطريق الذى يمكن للطالب أن يسلكه، وهو يعلم أنه يقوده إلى مستقبل مضمون، سنويا يغادر مئات الآلاف الثانوية إلى الجامعة، ويغادر مئات الآلاف الجامعات إلى المجتمع، وكل منهم يكون لديه حلم أو تصور، فهل تمكن مقارنة أحلام طلاب الثانوية بواقع خريجى الجامعات بكلياتها وتخصصاتها؟، هناك أكثر من 745 ألف طالب امتحنوا الثانوية العامة نجح منهم 590 ألفا، ينتظر كل منهم أن يجد مكانا فى الجامعة.
صحيح أن مكتب التنسيق يوفر عدالة نسبية فى توزيع أماكن بالجامعات، ومن يحصل على مجموع أعلى من حقه أن يختار الكلية التى يريدها، فى الماضى القريب كان الأمر أكثر بساطة، كليات القمة الطب والصيدلة والأسنان والهندسة، وبالنسبة للأدبى كانت اللغات والإعلام والسياسة والاقتصاد، وخلال عقود أخيرة كانت علوم الحاسب والاتصال والكمبيوتر، وحاليا الذكاء الاصطناعى، وأضيفت مؤخرا التمريض والعلاج الطبيعى، وبعض تخصصات التربية النوعية، أو غيرها. نحن نتحدث عن أغلبية الطلاب الذين يتجهون للجامعات الحكومية، هناك بالطبع الجامعات الخاصة والمسارات المتعددة التى تمثل نسبة، لكن تظل الجامعات الحكومية هى النسبة الأكبر.
خلال عقود، كانت كليات «القمة»، الطب والصيدلة والهندسة وطب الأسنان، وتظل موجودة ويحتاج خريجوها للمزيد من الدراسة والتخصص، وقد يواجهون تعثرا فى الحصول على فرص عمل، أو ينتهى المطاف بوظائف لا يحبونها ولا ترضى حاجاتهم المادية والمعنوية، ويواصلون حياتهم بالقصور الذاتى، هناك تخصصات ظهرت فى السنوات الأخيرة تتعلق بإدارة الأعمال والتسويق والسوشيال ميديا، تتطلب تدريبات ليصبح ممارسها قادرا على شق طريقه، وأيضا البيزنس أو افتتاح وإدارة مشروعات أيضا تخصصات تجمع بين الدراسة والخبرة والتعلم.
هذه السنوات تشهد مناقشات أوسع مما كان فى السابق حول التعليم العالى واختيارات الطلاب وكيفية التوجه للمستقبل بشكل يضمن عملا ودخلا. فى أجيالنا لم تكن الخيارات بهذا الاتساع، بل كانت اختيارات محدودة، جامعات عامة، وتخصصات محددة، وبقيت كليات القمة محصورة فى عدد محدود، لكن مع اتساع الجامعات الخاصة أصبحت الاختيارات أكثر والفرص مفتوحة، لكن الحيرة أكبر.
أغلبية طلاب الثانوية ينتظرون مكاتب التنسيق، سواء أصحاب المجاميع المرتفعة أو المتوسطة، وهم الأغلبية، ومهما حاولنا أن نشرح لهم أن المستقبل تجرى صناعته بالاختيارات، أو بالمهارات التى يفترض أن يكتسبها الشاب طوال رحلته، فهناك فرص يمكن استغلالها من خلال تدريبات أو كورسات أو مناهج «أونلاين»، لا ترتبط بعمر أو دراسة، لكنها تمهد الشاب لفهم أكثر لظروف السوق والعمل. التنسيق يتيح القبول أمام الجميع على أساس المجموع، بينما هناك تخصصات فى التعليم لا يحتاجها سوق العمل، ويتكدس خريجوها بعشرات الآلاف بلا عمل، بينما هناك تخصصات فنية وعلمية وصناعية يحتاجها السوق، وتضطر بعض الهيئات أو الشركات الكبرى للاستعانة بالأجانب لشغلها.
سوق العمل لا علاقة له بالتخصصات أو الأعداد، هذه التفاصيل يعرفها الكل ويشاهدونها ويتجاهلونها ويسيرون فى طريق يرسمه السياق العام، وتغيب فيه الاختيارات المضمونة نحو المستقبل، ومن يستطيع التكيف وعمل تغيير مسار، أو تدريبات يمكن أن ينجح فى شق طريقه، بينما يتعثر من يبقى واقفا عند التخصص، وهذا الأمر ليس مقصورا علينا فقط بل هو فى كل دول العالم، حيث لا يرتبط العمل بالتخصص، ويحدث تغيير مسار لكثيرين يتركون تخصصاتهم ليفتتحوا مشروعاتهم الخاصة.
ظلت «كليات القمة» على مدى عقود ترتبط بكليات الطب والصيدلة والأسنان والهندسة، مع الزمن جرت تغييرات على تخصصات الاتصالات أو التقنيات الحديثة، وكليات التمريض والعلاج الطبيعى والطب المعاون والتخصصات الفنية المرتبطة بهذه القطاعات، والصناعات، وهى تخصصات تتيح فرصا، وبالتالى حتى أصحاب التخصصات لا يعملون فى تخصصاتهم، الطبيب يمكن أن يتجه للسياحة، والمهندس إلى التجارة، والمحاسب إلى الكمبيوتر، وأغلب النماذج البارزة فى عالم البيزنس والعمل الحر لم يرتبطوا بتخصصاتهم الدراسية، وهو أمر يتطلب نقاشا وربما مؤسسات محلية تسهم فى نشر التفكير العملى، وتقدم فرصا للتدريب وتنمية القدرات بما يسهل الاختيارات أمام الشباب.
نحن أمام نظام تعليم يحتاج إلى مزيد من المرونة، خاصة أن العولمة، واختلالات السكان فى العالم تتيح فرصا للهجرة أمام أجيال من الشباب، وتجعل بعض التخصصات عابرة للدول، وهو ما يجعل فرص التنقل قائمة، لكن بالطبع هذه السياقات تتطلب شرط اللغة، أو التدريبات والمهارات المرتبطة بالسياقات العالمية.