دخل سبعة من أبرز المرشحين المحتملين لخلافة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أول مناظرة انتخابية تركز بشكل أساسي على الاقتصاد، وذلك قبل نحو ثمانية أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل ومايو 2027، وسط مخاوف متزايدة بشأن عجز الموازنة والدين العام الفرنسي.
وجمعت المناظرة، التي نظمتها حركة الشركات الفرنسية ميديف (Medef)، مرشحين يمثلون أطيافًا سياسية تمتد من اليسار الراديكالي إلى اليمين المتطرف، في مواجهة انتخابية مبكرة تعكس حجم المنافسة على قصر الإليزيه بعد انتهاء ولاية ماكرون.
ورغم اتفاق المشاركين على أن ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبات مالية واقتصادية كبيرة، فإنهم اختلفوا بشدة بشأن كيفية معالجة الأزمة، خصوصًا فيما يتعلق بخفض الإنفاق العام، والسيطرة على الدين، ومستقبل سياسات التقشف.
وتأتي المناظرة في وقت تواجه فيه فرنسا وضعًا ماليًا بالغ الحساسية؛ إذ أنهت البلاد عام 2025 بعجز في الموازنة بلغ 5.1%، بينما اقترب الدين العام من 3.5 تريليون يورو، بما يعادل نحو 115.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويجعل هذا الوضع مهمة إعادة ترتيب المالية العامة واحدة من أبرز الملفات التي ستحدد السباق الرئاسي المقبل، خاصة بعدما تسببت محاولات خفض الإنفاق وإقرار إجراءات تقشفية في الإطاحة برئيسي وزراء سابقين في عهد ماكرون.
لوبان تتعهد بخفض 125 مليار يورو
وكانت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، التي تتصدر استطلاعات الرأي، من أبرز المشاركين في المناظرة، حيث أعلنت أن حزبها سيقدم خطة لخفض التكاليف بقيمة 125 مليار يورو، متعهدة بالعمل على «سداد» ديون فرنسا.
وتحاول لوبان تقديم نفسها باعتبارها المرشحة القادرة على استعادة الانضباط المالي دون التضحية بما تعتبره حقوقًا اجتماعية واقتصادية للفرنسيين، في الوقت الذي تسعى فيه إلى توسيع قاعدتها الانتخابية قبل معركة الإليزيه.
لكن مقترحاتها تواجه منافسة قوية من مرشحين آخرين، خصوصًا في معسكر اليمين والوسط، حيث يحتدم الصراع على الناخبين الراغبين في تغيير سياسات ماكرون دون الذهاب إلى أقصى اليمين.
ميليشان يطرح تجميد الديون
في الجهة المقابلة، دافع جان لوك ميليشان، زعيم اليسار الراديكالي، عن مقترحه بإلغاء جزء من الدين الفرنسي بدلًا من اللجوء إلى إجراءات تقشفية قاسية.
وأعاد ميليشان خلال المناظرة طرح فكرة أن يتدخل البنك المركزي الأوروبي لتجميد جزء من ديون الدول الأعضاء، بدءًا من الديون التي تراكمت خلال فترة جائحة كورونا.
ويقول ميليشان إن البنك المركزي الأوروبي يمتلك نحو 18% من الدين الفرنسي، وبالتالي يمكنه، بحسب تصوره، تجميد هذه الديون بدلًا من مطالبة الحكومات الأوروبية بفرض مزيد من إجراءات التقشف على مواطنيها.
لكن الاقتراح أثار انتقادات حادة من خصومه السياسيين.
وقال إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق في عهد ماكرون، إن ما طرحه ميليشان «خطير جدًا»، في إشارة إلى المخاطر التي قد تترتب على إعادة هيكلة الدين الفرنسي بهذه الطريقة وعلى ثقة الأسواق في المالية العامة للبلاد.
كما انتقد رئيس الوزراء السابق غابرييل أتال، المنتمي أيضًا إلى تيار يمين الوسط، المقترح، لتتحول قضية الدين إلى واحدة من أكثر نقاط الاشتباك وضوحًا في المناظرة.
جلوكسمان يهاجم إرث ماكرون
أما النائب الأوروبي الاشتراكي الديمقراطي رافائيل جلوكسمان، فاستغل الجدل للهجوم على رئيسي الوزراء السابقين، ساخرًا من تلقي ميليشان «دروسًا حول الدين» من شخصيتين تولتا رئاسة الحكومة في عهد ماكرون.
وتكشف هذه المواجهة عن طبيعة السباق الرئاسي المقبل، الذي لا يدور فقط حول مواجهة اليمين المتطرف واليسار، بل يشهد أيضًا معركة داخل تيارات الوسط واليسار واليمين التقليدي للسيطرة على المساحة السياسية التي تركها ماكرون.
وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى سباق شديد التقارب، مع وجود لوبان في مقدمة المنافسة، بينما يتنافس ميليشان وفيليب وأتال وجلوكسمان على انتزاع أحد مقاعد الجولة الثانية.
معركة ما بعد ماكرون
وتحمل الانتخابات الرئاسية المقبلة أهمية خاصة لأنها ستحدد هوية الرئيس الذي سيخلف ماكرون بعد سنوات اتسمت بالاضطرابات السياسية والاحتجاجات الاجتماعية والتحديات الاقتصادية.
فالاقتصاد والدين العام لم يعودا مجرد ملفين تقنيين، بل تحولا إلى قضية سياسية مركزية يمكن أن تحسم مستقبل المرشحين. وبينما يدعو اليمين المتطرف إلى خفض الإنفاق واستعادة السيطرة على المالية العامة، يطرح اليسار حلولًا تقوم على إعادة هيكلة الدين ورفض التقشف، في حين يحاول مرشحو الوسط تقديم أنفسهم كخيار أكثر تحفظًا واستقرارًا.
وبذلك كشفت أول مناظرة اقتصادية عن ملامح معركة انتخابية مبكرة ستزداد سخونة خلال الأشهر المقبلة، فيما تبحث فرنسا عن خليفة لماكرون قادر على التعامل مع جبل من الديون وعجز مرتفع واقتصاد يواجه ضغوطًا متزايدة.