لم يكن الفيديو الذي تم تداوله مؤخرا لرجل يعتدي على فردي أمن في أحد المجمعات السكنية، والذي تطاول عليهما قولاً وفعلاً، ملوحاً ومهدداً بسلاح أبيض - لم يكن هو الحالة الأولى التي تجرح عيوننا ومشاعرنا، ففي شهر رمضان الماضي تعرض فرد أمن آخر للضرب والركل والإهانة من أحد السكان وهو يقرأ القرآن في نهار الشهر الفضيل، وليس هاذان الحادثان الصادمان للمجتمع يختلفان عما يتم تداوله باستمرار، بل أصبحنا كثيراً ما نشاهد تكرار مثل هذه الاعتداءات غير الإنسانية في أمور عديدة ومجالات وأماكن مختلفة، كما لو أن هؤلاء المعتدين قد أيقنوا أنه لا رادع لهم في الدنيا ولا في الآخرة.
أما الآخرة فهي بيد الله وحده، عنده سبحانه وتعالى تُرد المظالم، وعنده الرحمة والعدل والمساواة، وأما في الدنيا فالدولة بمؤسساتها واحترام القانون هما الضابطان الوحيدان لإقامة واستقرار الحد الأدني من العدل الذي يحمي الفقراء والضعفاء من بطش الجبارين، والحقيقة أن الدولة بمؤسساتها بهذا الشكل أصبحت مهمتها غاية في الصعوبة، في مجتمع يسعى سعياً حثيثاً إلى الطبقية والاستقواء والتعالي والتنكيل بالضعفاء، والعودة إلى عصور لفظتها الإنسانية منذ عقود، لتُرسي قواعد الحرية والعدالة الاجتماعية، وهي المفاهيم التي استقرت الدول على اتخاذها كمبادئ راسخة لبناء مجتمعات راقية، وأصبح رقي الشعوب وتحضرها يقاس بتمسكها بهذه القيم والمبادئ التي تساوي بين المواطنين، وتقتص لمن يخرج عنها.
حتى أن معظم الثورات التي قامت في العصر الحديث والمعاصر كانت من أجل العدالة و الحرية والمساواة، منها الثورة الفرنسية والثورة الروسية والثورة الأمريكية، وحتى الثورة المصرية التي قامت في 23 يوليو 1952، كانت العدالة الاجتماعية هي من أبرز أهدافها، بما تشمله من القضاء علي الإقطاع وسيطرة رأس المال، وفي سبيل ذلك كانت المساهمات الفكرية والأدبية والسياسية والتعليمية والفنية، كل مؤسسات الدولة عملت على ترسيخ هذا المفهوم ، ومن أجله أصبح التعليم مجاني واتخذت الدولة من الاشتراكية شعاراً لها، وسواء نجحت الحكومات المتعاقبة أو لم تنجح فقد ظل المجتمع يحافظ على الكثير من قيمه.
ثم حدثت التطورات السياسية والاجتماعية المتلاحقة، والتي بلغت ذروتها في 25 يناير 2011، التي قلبت المجتمع المصري رأسا على عقب، ومنذ ذلك الحين وعلى مدى خمسة عشرة عاماً أصبحنا في كل يوم نرى من عجائب الزمان مالا يصدقه عقل، من سوء أخلاق وقبح وانتهاك للقيم والأعراف، والاستهانة بكل شيء وأي شيء، وقد زاد الطين بلة التطور الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى أداة جهنمية تضر أكثر مما تفيد، وتهدم أكثر مما تبني، وتفسد أكثر مما تصلح. حتى بات التسابق لتصوير الوقائع المخزية والحوادث والمشاجرات ومظاهر الفحش أمر يصعب السيطرة عليه، ويتجاوز الرغبة في الإنقاذ أو الإصلاح بما يتنافى مع أي دين أو خلق، وبالتالي أصبح دور الأسرة والمؤسسات التعليمية وحتى الجهات الرقابية أمراً غاية في الصعوبة، والسيطرة على مثل هذه الجرائم الأخلاقية والتربوية يحتاج معجزة، والمعجزة تحتاج سن قوانين رادعة، ووقفة جادة نحاول بها الإمساك بما تبقي لدينا من قيم نبيلة.