مريم عبدربه.. يتيمة في العشرين هزمت سرطان العظم وبترت ساقها وتفوقت في الثانوية.. فقدت والدها وبيتها في الحرب.. وجدت نفسها وأسرتها بين خيام النزوح وتواجه قسوة الفقر والحرمان.. وتتمسك بالأمل في حياة أكثر رحمة

الأربعاء، 26 أغسطس 2026 11:00 م
مريم عبدربه.. يتيمة في العشرين هزمت سرطان العظم وبترت ساقها وتفوقت في الثانوية.. فقدت والدها وبيتها في الحرب.. وجدت نفسها وأسرتها بين خيام النزوح وتواجه قسوة الفقر والحرمان.. وتتمسك بالأمل في حياة أكثر رحمة مريم عبدربه

كتب أحمد عرفة

 

في العشرين من عمرها، تحمل مريم عبدربه حكاية طويلة من الألم والصبر، بدأت منذ سنوات حين وجدت نفسها في مواجهة مرض سرطان العظم، لتخوض معركة قاسية لم تكن تعرف إلى أين ستقودها.

 

هزيمة السرطان

كانت رحلة العلاج طويلة ومرهقة، خاضت خلالها مريم محاولات متتالية للعلاج والعلاج الكيماوي، وتمسكت بكل فرصة تمنحها الأمل في الشفاء، لكن محاولات العلاج لم تحقق النتيجة المرجوة، حتى لم يعد أمام الأطباء سوى القرار الأصعب، بتر ساقها من فوق الركبة، لتفقد مريم إحدى قدميها وهي لا تزال في مقتبل العمر.

كان والدها حاضرا في كل تفاصيل تلك الرحلة، لم يكن مجرد أب يرافق ابنته إلى المستشفيات، بل كان رفيقها وسندها في السفر والعلاج، يمدها بالقوة عندما تشعر بالانكسار، ويحاول أن يزرع في قلبها الأمل كلما اشتد عليها الألم.

مريم عبد ربه
مريم عبد ربه

 

تفوق دراسي

وبعد رحلة طويلة مع المرض، استطاعت مريم أن تتماثل للشفاء وتكمل علاجها، لم تسمح لفقدان ساقها بأن يكون نهاية أحلامها، بل قررت أن تعود إلى حياتها وأن تخوض امتحانات الثانوية العامة متحدية المرض وآثاره الجسدية والنفسية، وبإرادة استثنائية، حصلت على معدل 89.1 % في الثانوية العامة، لتثبت أن فقدان ساقها لم يستطع أن يهزم طموحها، وسنوات المرض والعلاج لم تنجح في إطفاء رغبتها في مواصلة حياتها وبناء مستقبلها، لكن ما إن بدأت تستعيد شيئا من الأمل حتى جاءت الحرب لتنتزع منها أغلى ما كانت تملك.

 

استشهاد الأب

ارتقى والدها، الرجل الذي رافقها في أصعب مراحل حياتها، وكان سندها الأول خلال رحلة المرض والعلاج، لم يكن فقده بالنسبة إليها مجرد رحيل أحد أفراد الأسرة، بل كان صدمة قاسية هزت كيانها، لأنها فقدت الشخص الذي كان حاضرا إلى جوارها عندما كانت تحارب المرض وتتعلم كيف تعيش من جديد بعد فقد ساقها.

تقول الحكاية إن مريم لم تجد وقتا كافيا لتلتقط أنفاسها من صدمة فقد والدها، حيث سرعان ما واجهت الأسرة مأساة أخرى، بعدما دمر الاحتلال منزلها، واضطرت إلى النزوح مع والدتها وشقيقاتها الأربع وشقيقها الأصغر، الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره.

انتقلت الأسرة إلى مخيم لرعاية الأيتام، بحثا عن مكان يحميها من قسوة الحرب، لكنها وجدت نفسها أمام حياة جديدة لا تشبه الأمان الذي كانت تبحث عنه، خيمة أصبحت المأوى الوحيد، لكنها لا تقي الأسرة حرارة الصيف القاسية ولا برد الشتاء، ولا تمنح أفرادها سوى مساحة محدودة يحاولون داخلها ترتيب ما تبقى من حياتهم.

وفي هذه الظروف، وجد الطفل الصغير نفسه أمام مسؤوليات أكبر بكثير من عمره، بدلا من أن يحمل حقيبته المدرسية ويلعب مع أقرانه، أصبح يساعد في حمل المياه وإشعال النار ومواجهة تفاصيل يومية قاسية فرضتها ظروف النزوح والفقر، أما مريم، التي استطاعت أن تواجه سرطان العظم، وتتحمل العلاج الكيماوي، وتتعايش مع فقدان ساقها، وتنجح في الثانوية العامة، فقد وجدت نفسها أمام اختبار جديد لا يتعلق بالمرض هذه المرة، وإنما بفقدان الأب والبيت والأمان.

داخل الخيمة، تتغير تفاصيل الحياة، الحرارة القاسية تجعل البقاء أكثر صعوبة، والبرد يضاعف المعاناة، والفقر يحرم الأسرة من أبسط الاحتياجات، وفي كل زاوية من المكان تبدو آثار النزوح واضحة، بينما تحمل مريم في داخلها حزنا مضاعفا، حزن فتاة فقدت والدها الذي كان سندها، وحزن أسرة فقدت منزلها واضطرت إلى البحث عن مأوى وسط ظروف بالغة القسوة.

ورغم كل ذلك، لا تزال مريم تحاول التمسك بما تبقى من أحلامها، حيث أثبتت خلال سنوات المرض أنها قادرة على مواجهة ما يبدو مستحيلا، وتستطيع تحويل الألم إلى دافع للاستمرار، واليوم، تحتاج إلى فرصة جديدة حتى لا تكون كل الانتصارات التي حققتها مجرد ذكريات في حياة أثقلتها الحرب.

قصة مريم ليست فقط قصة فتاة فقدت ساقها بسبب السرطان، أو فتاة يتيمة فقدت والدها في الحرب، بل قصة إنسانة قاومت المرض، وتمسكت بالتعليم، وحققت نجاحا دراسيا رغم كل ما مرت به، ثم وجدت نفسها وأسرتها أمام واقع النزوح والفقر وفقدان المنزل، قصة فتاة في العشرين من عمرها تحمل آثار معارك متتالية، معركة مع المرض، ومع فقدان أحد أطرافها، ثم معركة الفقد والحرب والنزوح، وبينما تحاول مريم أن تحافظ على قوتها من أجل أسرتها، يبقى احتياجها واحتياج أسرتها إلى الدعم الإنساني أكبر من قدرتهم على الاحتمال.

في مخيم الأيتام، تقف مريم وأسرتها أمام حياة قاسية، لكن قصتها تظل شاهدا على قوة الإرادة في مواجهة المحن، وعلى أن الإنسان قد يخسر الكثير، لكنه يستطيع أن يتمسك بالأمل.

مريم التي هزمت السرطان ونجحت في دراستها رغم فقدان ساقها، تحتاج اليوم إلى من يساندها في معركة جديدة، بعدما فقدت والدها وبيتها وأمانها، وأسرتها تحتاج إلى يد إنسانية تمتد إليها، وتمنحها ما يساعدها على تجاوز قسوة النزوح، حتى تتمكن من مواصلة حياتها، وتستطيع هذه الأسرة أن تستعيد شيئا من كرامتها وأملها في غد أفضل.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة