قد يبدو من الغريب أن تكون إحدى السحالي السامة سببًا في اكتشاف مواد ساعدت لاحقًا في تطوير أدوية أصبحت من أشهر العلاجات المستخدمة في السكري والسمنة، لكن هذه هي بالفعل قصة سحلية وحش جيلا Gila monster التي تعيش في جنوب غرب الولايات المتحدة وشمال غرب المكسيك.
بدأت القصة عندما درس العلماء مكونات لعاب هذه السحلية، واكتشفوا مادة بروتينية أطلق عليها اسم إكسندين-4 Exendin-4، وهي مادة تشبه في طريقة عملها هرمون GLP-1 الموجود طبيعيًا في جسم الإنسان.
ووفقًا للمعهد الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى الأمريكي NIDDK، اكتشف الباحثون أن إكسندين-4 يستطيع تنشيط المستقبل نفسه الذي يعمل عليه GLP-1، لكنه يتميز بقدرته على البقاء في الجسم لفترة أطول بكثير من الهرمون البشري.
لماذا اهتم العلماء بلعاب السحلية؟
تعيش سحلية وحش جيلا في بيئة صحراوية، ويمكنها البقاء لفترات طويلة دون تناول الطعام، لذلك اهتم العلماء بكيفية تعامل جسمها مع فترات الصيام الطويلة.ووفقًا للمعهد الوطني للشيخوخة الأمريكي NIA، اكتشف الباحث جون إنج في عام 1990 مادة في إفرازات السحلية أثارت اهتمامه بسبب قدرتها على تحفيز خلايا البنكرياس على إنتاج وإفراز الإنسولين.
وعند دراسة المادة، وجد الباحثون أنها تشبه هرمون GLP-1 البشري، الذي يزداد إفرازه بعد تناول الطعام ويساعد الجسم على تنظيم مستوى السكر في الدم.
ما علاقة ذلك بأدوية إنقاص الوزن؟
كان اكتشاف إكسندين-4 نقطة مهمة في فهم كيفية الاستفادة من مسار GLP-1 علاجيًا.
فالهرمون الطبيعي GLP-1 لا يبقى في الجسم فترة طويلة، إذ يتحلل سريعًا، بينما يتميز إكسندين-4 بمقاومة أكبر للتحلل، وهو ما جعله نموذجًا مناسبًا لتطوير دواء يحاكي تأثير GLP-1.
ووفقًا لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، تم تطوير نسخة صناعية من إكسندين-4 عُرفت باسم إكسيناتيد Exenatide، وحصلت على الموافقة الأمريكية عام 2005 لعلاج مرضى السكري من النوع الثاني.
كيف يعمل هذا النوع من الأدوية؟
تعمل أدوية ناهضات مستقبل GLP-1 من خلال محاكاة بعض تأثيرات هرمون GLP-1 الطبيعي.
ووفقًا للمعهد الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى NIDDK، يساعد تنشيط هذا المسار على زيادة إفراز الإنسولين عندما يكون مستوى السكر مرتفعًا، وتقليل إفراز الجلوكاجون، كما يبطئ إفراغ المعدة.
لكن هناك تأثيرًا آخر مهمًا بالنسبة إلى علاج السمنة، وهو التأثير على الشهية وتناول الطعام.
وتوضح مراجعة علمية منشورة في PubMed أن تنشيط مستقبلات GLP-1 يمكن أن يؤدي إلى زيادة الشعور بالشبع وتقليل الشهية، وهو ما ساهم في انتقال أبحاث هذه الأدوية من علاج السكري إلى علاج السمنة.
هل أدوية السمنة الحالية مصنوعة من لعاب السحلية؟
لا وهذه نقطة مهمة جدًا أدوية GLP-1 المستخدمة حاليًا ليست مستخرجة من لعاب السحلية، وإنما طُورت لاحقًا باستخدام المعرفة التي توصل إليها العلماء من دراسة إكسندين-4، وأصبح لكل دواء تركيب كيميائي وتصميم دوائي خاص به.
وكان الإكسيناتيد أول دواء من هذه الفئة يعتمد على اكتشاف إكسندين-4، ثم ظهرت أدوية أخرى تعمل على مسار GLP-1، وبعضها يجمع بين أكثر من مسار هرموني.
ووفقًا لمراجعة منشورة في National Library of Medicine، تطورت هذه الفئة على مدار السنوات، لتشمل أدوية أحدث مثل ليراجلوتايد، وسيماجلوتايد، وتيرزيباتيد، مع اختلاف تركيب وآلية كل دواء.
من علاج السكري إلى علاج السمنة
المثير في هذه القصة أن الهدف الأول لم يكن ابتكار دواء لإنقاص الوزن.
بدأت الأبحاث بهدف فهم تنظيم السكر وعلاج السكري من النوع الثاني، ثم لاحظ الباحثون أن تنشيط مسار GLP-1 يمكن أن يؤثر أيضًا على الشهية وكمية الطعام ووزن الجسم.
ووفقًا لمراجعة علمية منشورة في دورية Toxicon، أظهرت التجارب السريرية على الإكسيناتيد تحسنًا في التحكم في مستوى السكر لدى مرضى السكري، مع حدوث انخفاض في الوزن لدى بعض المشاركين.
ومع تطور أبحاث GLP-1، أصبح فقدان الوزن أحد الاستخدامات العلاجية الرئيسية لهذه الفئة من الأدوية.
هل يعني ذلك أن السحلية اخترعت أدوية السمنة؟
ليس بالمعنى الحرفي.
الأدق علميًا أن نقول إن مادة اكتشفها العلماء في إفرازات سحلية وحش جيلا ساعدت في فتح الطريق أمام تطوير أول دواء من فئة ناهضات مستقبل GLP-1، ثم تطورت الأبحاث لاحقًا إلى أدوية أكثر حداثة لعلاج السكري والسمنة.
وتوضح المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية NIH أن اكتشاف إكسندين-4 كان أحد الأمثلة المهمة على كيفية انتقال المعرفة من دراسة الحيوانات إلى تطوير أدوية للبشر.