محمود عبد الراضى

زمن الـ 15 ثانية.. عندما فقد النص عيونه

الأربعاء، 26 أغسطس 2026 12:42 م


نحن الجيل الذي سَقَطَ سَهْوًا من ثقب "السحب إلى الأعلى"، لم نعد نعد الساعات، بل نعد الثوانى، ولم تعد عيوننا تعانق الصفحات، بل باتت تلتهم الومضات.

في هذا المدى المزدحم بالصخب، أصبحت الكلمة تئن، والورق يستغيث، بينما الأصابع تمارس رقصتها الميكانيكية فوق زجاج الشاشات البارد، لقد استبدلنا بالعمق طفوًا سطحيًا، وبناء المعنى دهشة خاطفة لا تلبث أن تتلاشى قبل أن تُولد.

كانت القراءة، فيما مضى، سفرًا بلا حراك؛ غوصًا يُربك الروح ويثري عقل الشباب، حيث يستغرق الفكر في فك شفرات السطور، وتفكيك العبارات لتركيب الرؤى.

كان الكتاب يسير بنا إلى أنفسنا، واليوم تسير بنا مقاطع الفيديو القصيرة إلى لا شىء، لقد أخذت منّا "الخوارزميات" أثمن ما نملك: الصبر على الفهم، والقدرة على التأمل، وشغف التفكير المعمق.

كيف تحوّل عقل الشاب من "مُنقّب عن الحقيقة" إلى "مستمرئ للسرعة"؟

إنها خديعة الإمتاع المباشر، مشاهد تتوالى في خمس عشرة ثانية، تمنح المخ جرعات مجانية وسريعة من البهجة، لتسلب منه في المقابل لياقة الذهن وصبر البحث.

غدا التحليل لدى الشباب تهمة ثقيلة، والنص الطويل قيدًا لا يُطاق، أصبحنا نرى المشهد ولا نفهمه، نلتقط القشور ونظن أننا ملكنا اللباب، فنخرج من جولات السحب اليومي بأذواق مشتتة، وأفكار مبتورة، وذاكرة تتآكل كالهباء.

لقد فقدنا متعة السفر بين الفواصل، ودهشة الانتقال بين الفصول، سُرقت منا القدرة على السؤال الأهم: "لماذا؟"، بعدما اكتفينا بـ "ماذا حدث الآن؟".

أضحى التفكير التحليلي، الذي صنع الحضارات وشكّل الوعي، ضحية لمشهد خاطف يُنسى بمجرد التمرير للمشهد الذي يليه.

إننا لا نخسر مجرد عادة قرائية عابرة، بل نفقد بالتدريج القدرة على صنع المعنى، فالكلمة التي لا نمنحها وقتًا لتستقر في عقولنا، لن تمنحنا أفقًا لنرى من خلاله العالم.

فهل من مَفَرٍّ من سجن الثواني المعدودة، لنعود من جديد إلى دفء السطور الصامتة، ونقيس عمق عقولنا بحجم ما نتأمل، لا بعدد ما نمرر؟.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة