يشهد علاج مرض السكر خلال عام 2026 تطورات متسارعة، مع اتجاه الأبحاث نحو حلول لا تكتفي بخفض مستوى السكر في الدم، وإنما تستهدف أسبابًا ونتائج مرتبطة بالمرض، مثل مقاومة الأنسولين والسمنة وفقدان الكتلة العضلية، وبينما تقترب بعض التقنيات من تغيير طريقة تعايش المرضى مع السكري، تفتح أبحاث أخرى الباب أمام علاجات أكثر طموحًا قد تغير مستقبل المرض.
ومن أبرز التطورات الحديثة الأنسولين الأسبوعي، إلى جانب مركبات تجريبية تستهدف حرق الدهون وزيادة استهلاك الطاقة، فضلًا عن الأبحاث المتعلقة بالخلايا الجذعية والأنظمة الآلية لإعطاء الإنسولين.
علاج تجريبي جديد للسكري والسمنة يحفز حرق الدهون ويحافظ على الكتلة العضلية
في اتجاه مختلف عن أدوية إنقاص الوزن المعروفة، اكتشف باحثون في جامعة كاليفورنيا في بيركلي مركبًا جزيئيًا يُعرف باسم TOFA، أظهر في تجارب على الفئران قدرة على تعزيز استهلاك الطاقة وحرق الدهون مع الحفاظ على الكتلة العضلية، وفقاً لموقع Berkeley.
ويختلف هذا النهج عن أدوية GLP-1 مثل سيماجلوتيد وتيرزيباتيد، التي تعمل بدرجة كبيرة من خلال تقليل الشهية وبالتالي خفض كمية الطعام والسعرات الحرارية التي يتناولها الشخص.
كيف يعمل مركب TOFA؟
يحمل المركب الاسم العلمي 5-tetradecyloxy-2-furoic acid، وينتمي إلى مركبات تثبط إنزيم أسيتيل-كوا كربوكسيلاز (ACC)، وهو إنزيم يشارك في تصنيع الدهون داخل الجسم.
لكن الباحثين وجدوا أن TOFA يمتلك تأثيرًا إضافيًا يتمثل في تنشيط مستقبلات خلوية تعرف باسم PPARα وPPARδ، وهي مسارات تساعد على تشغيل جينات مرتبطة بامتصاص الدهون واستخدامها لإنتاج الطاقة.
وفي التجارب الحيوانية، أدى هذا التأثير إلى زيادة استهلاك الطاقة بنحو 18%، من دون زيادة النشاط البدني أو ارتفاع ملحوظ في درجة حرارة الجسم.
فقدان الدهون مع الحفاظ على العضلات
عندما أعطي المركب للفئران البدينة، لاحظ الباحثون انخفاضًا في الدهون وتحسنًا في عدد من المؤشرات الأيضية، مع عدم وجود فقدان ملحوظ في الكتلة العضلية.
كما ارتبط العلاج بتحسن حساسية الأنسولين وتنظيم الجلوكوز وانخفاض الدهون الثلاثية وتحسن مؤشرات مرتبطة بمرض الكبد الدهني.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع تزايد الاهتمام بمشكلة فقدان الكتلة العضلية المصاحب لبعض أساليب إنقاص الوزن، إذ لا يكون كل الوزن المفقود من الدهون.
هل يصبح TOFA بديلًا لأدوية GLP-1؟
لا تشير النتائج الحالية إلى أن المركب الجديد سيحل بالضرورة محل أدوية GLP-1، وإنما تطرح احتمال استخدام آليتين مختلفتين معًا مستقبلًا.
ففي التجارب على الفئران، أدى الجمع بين TOFA وأدوية مثل سيماجلوتيد وتيرزيباتيد إلى نتائج أفضل في وزن الجسم ومستويات الجلوكوز والإنسولين والدهون الثلاثية مقارنة باستخدام أي من العلاجين منفردًا.
والفكرة هنا أن كل علاج يستهدف جانبًا مختلفًا: أدوية GLP-1 تقلل الشهية وتناول الطعام، بينما يحاول TOFA زيادة استهلاك الطاقة وحرق الدهون.
ليست فكرة استهداف إنزيم ACC جديدة، فقد درست هذه الفئة من المركبات منذ سنوات ووصلت بعض الأدوية إلى مراحل متقدمة من التطوير.
لكن أحد التحديات الرئيسية كان احتمال حدوث ارتفاع في الدهون الثلاثية مع بعض مثبطات ACC، وهو تأثير غير مرغوب فيه خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من عوامل خطر لأمراض القلب والأوعية الدموية.
ويأمل الباحثون أن يساعد التأثير المزدوج لـTOFA، أي تثبيط تصنيع الدهون وتنشيط مسارات حرقها، في التغلب على بعض هذه المشكلات، لكن ذلك لم يُثبت بعد في البشر.
الأنسولين الأسبوعي.. 52 حقنة بدلًا من 365
وفي تطور آخر شهدته 2026، دخل الأنسولين إيكوديك (Insulin Icodec) مرحلة جديدة من الاستخدام في الهند باعتباره أنسولين قاعديًا يمكن إعطاؤه مرة واحدة أسبوعيًا للبالغين المصابين بالسكري من النوع الأول أو النوع الثاني.
ويعني ذلك نظريًا الانتقال من نحو 365 حقنة سنويًا إلى 52 حقنة فقط، وهو ما قد يقلل العبء المرتبط بالحقن اليومية ويساعد بعض المرضى على الالتزام بالعلاج.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن بعض المرضى يؤخرون بدء العلاج بالأنسولين بسبب الخوف من الحقن أو صعوبة الالتزام بالجرعات اليومية.
ماذا أظهرت الدراسات؟
أظهرت برامج الدراسات السريرية أن الأنسولين الأسبوعي يمكن أن يوفر سيطرة فعالة على مستوى السكر لدى المرضى المناسبين للعلاج، مع تحسن في مستويات HbA1c واستمرار السيطرة على الجلوكوز طوال الأسبوع.
لكن الأنسولين الأسبوعي ليس علاجًا يشفي السكري؛ فهو طريقة أكثر راحة لإعطاء هرمون الإنسولين للمرضى الذين يحتاجون إليه.
هل يمكن للخلايا الجذعية أن تحقق الشفاء؟
من أكثر المجالات التي تثير اهتمام الباحثين حاليًا العلاج بالخلايا الجذعية وزراعة خلايا البنكرياس.
والهدف هو توفير خلايا قادرة على إنتاج الإنسولين لتعويض الخلايا التي فقدها المريض، وهو اتجاه يحمل أهمية خاصة لمرضى السكري من النوع الأول.
لكن هذا المجال لا يزال في مرحلة التطوير، وهناك تحديات كبيرة يجب التغلب عليها، من بينها استمرار عمل الخلايا المزروعة، وحمايتها من هجوم الجهاز المناعي، وضمان سلامتها على المدى الطويل.
لذلك، فإن الحديث عن علاج نهائي للسكري بالخلايا الجذعية في الوقت الحالي سابق لأوانه.
وهل يمكن الوقاية من النوع الأول قبل ظهوره؟
أحد التطورات اللافتة هو الانتقال من علاج المرض بعد ظهوره إلى محاولة تأخير ظهوره لدى الأشخاص المعرضين بشدة للإصابة بالنوع الأول.
ومن الأمثلة على ذلك teplizumab، الذي يمكن في حالات محددة أن يؤخر الانتقال من المرحلة المبكرة للمرض إلى السكري من النوع الأول الظاهر سريريًا.
وهذه الاستراتيجية لا تعني شفاء النوع الأول، لكنها تعكس تغيرًا مهمًا في طريقة التعامل مع المرض: محاولة التدخل قبل أن تفقد خلايا البنكرياس المنتجة للإنسولين وظيفتها بدرجة كبيرة.
هل ينتهي مرض السكري قريبًا؟
رغم كل هذه التطورات، فإن الإجابة العلمية حتى الآن هي: ليس من الممكن القول إن السكري سينتهي خلال سنوات قليلة.
لكن الاتجاه العام أكثر تفاؤلًا من أي وقت مضى فالتطورات الحالية تتحرك في عدة مسارات متوازية:
-تقليل عدد حقن الإنسولين من يومية إلى أسبوعية لدى المرضى المناسبين.
-استخدام أنظمة آلية تضبط جرعات الإنسولين اعتمادًا على أجهزة قياس الجلوكوز المستمر.
-تطوير أدوية أكثر قوة لعلاج السكري والسمنة.
-البحث عن علاجات تحرق الدهون مع الحفاظ على العضلات.
-تطوير الخلايا الجذعية وخلايا البنكرياس المنتجة للإنسولين.
-محاولة تأخير أو منع ظهور النوع الأول لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.
القفزة الأكبر مستقبلًا قد لا تكون في اكتشاف دواء واحد يقضي على السكري، وإنما في تغيير طبيعة المرض نفسه: علاج يستطيع استعادة إنتاج الإنسولين، أو جهاز يدير مستويات السكر بصورة آلية، أو مجموعة علاجات تمنع المضاعفات وتعيد التوازن الأيضي لفترات طويلة.
أما مركب TOFA، فعلى الرغم من نتائجه الواعدة في الفئران، فما زال بعيدًا عن أن يصبح علاجًا متاحًا للمرضى؛ إذ يجب أولًا إثبات سلامته وفعاليته لدى البشر عبر مراحل التجارب السريرية.