تسعى اليونان إلى استثمار موجة الاهتمام العالمي التي أحدثها فيلم «الأوديسة» للمخرج البريطاني كريستوفر نولان، وتحويل الضجة المحيطة بالعمل السينمائي إلى دفعة جديدة لقطاع السياحة اليونانية، خاصة أن جزءًا كبيرًا من أحداث الفيلم جرى تصويره في مواقع يونانية مرتبطة بالأساطير القديمة.
وأعاد الفيلم المقتبس من ملحمة «الأوديسة» لهوميروس، تسليط الضوء على الشخصيات والأساطير اليونانية القديمة، وهو ما دفع مسؤولين في الحكومة وقطاع السياحة إلى التحرك سريعًا للاستفادة من الاهتمام المتزايد بالثقافة والتاريخ اليونانيين.
رئيس وزراء اليونان يتواصل مع كريستوفر نولان
وبحسب تقرير نشرته «بوليتيكو»، سارع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى عقد اجتماع عبر الفيديو مع كريستوفر نولان، لشكره على ما وصفه بمساهمة الفيلم في تحفيز الاهتمام العالمي بالثقافة اليونانية القديمة.
واستغل ميتسوتاكيس اللقاء للتأكيد على أهمية تصوير الفيلم في اليونان، خاصة أن عدداً من المواقع السياحية والطبيعية الشهيرة في البلاد ظهرت ضمن مشاهد العمل.
ومن بين هذه المواقع كهف نيستور، وشاطئ فويدوكيليا، وقلعة ميثوني، وأكروكورينث، وهي أماكن تراهن السلطات اليونانية على تحويلها إلى نقاط جذب للسياح المهتمين بفيلم نولان وملحمة هوميروس.
وقال رئيس الوزراء اليوناني إن الإنتاجات السينمائية الكبرى يمكن أن تربط بين التراث الثقافي اليوناني والإبداع المعاصر، وهو ما يمنح بلاده فرصة لتقديم تاريخها وأساطيرها لجمهور عالمي جديد.
«طريق الأوديسة».. اليونان تحول الفيلم إلى برنامج سياحي
ولا تكتفي اليونان بالترويج للمواقع التي ظهرت في الفيلم، إذ تعمل السلطات على إنشاء مسارات سياحية مستوحاة من رحلة بطل الملحمة أوديسيوس.
وأطلقت المنظمة الوطنية اليونانية للسياحة رحلة صحفية إلى جزيرة إيثاكا، التي ترتبط في الأسطورة بأوديسيوس، الشخصية الرئيسية في «الأوديسة» التي تحكي رحلة عودته الطويلة إلى وطنه بعد حرب طروادة.
وأسفرت الرحلة عن تقرير موسع نشرته مجلة «لو فيجارو» الفرنسية في 162 صفحة تحت عنوان «على خطى أوديسيوس»، في محاولة لتعريف جمهور أوروبي بالمواقع المرتبطة بالملحمة والأسطورة.
وفي منطقة البيلوبونيز، يجري الإعداد لمسار سياحي جديد يحمل اسم «طريق الأوديسة - بيلوبونيز هوميروس»، ومن المتوقع أن يكون جاهزًا بحلول نوفمبر المقبل.
ويعمل المسؤولون في المنطقة حاليًا على تجهيز اللافتات والموقع الإلكتروني الخاص بالمسار، لمساعدة السياح على التعرف على المواقع المرتبطة بأساطير هوميروس ومشاهد الفيلم.
من أسطورة أوديسيوس إلى «السياحة السينمائية»
وقال نائب الحاكم الإقليمي للسياحة في منطقة البيلوبونيز، ثاناسيس ميشيلونجوناس، إن الهدف هو الربط بين ملحمة هوميروس وفيلم نولان، إلى جانب وصل مواقع التصوير السينمائي بمواقع أخرى في المنطقة ترتبط بالأساطير اليونانية.
وتشمل الخطة مواقع مرتبطة بحكايات أسطورية، من بينها جزيرة كراناي، التي تقول الأسطورة إن باريس الطروادي اصطحب إليها هيلين بعد مغادرتها إسبرطة، كما تشمل جزيرة بيفنوس الصغيرة، المرتبطة بأسطورة زيوس وليدا.
وقال المسؤول اليوناني إن بلاده تريد الاستفادة من «الضجة» التي أحدثها الفيلم، مع إقراره بأن حجم التأثير الفعلي على السياحة لا يزال غير واضح.
لكن ما وصفه بـالتغطية الإعلامية التي تقدر قيمتها بالملايين يمثل في حد ذاته مكسبًا ترويجيًا لليونان، خاصة أن البلاد لا تحتاج إلى إنفاق المبالغ نفسها للحصول على هذا الظهور العالمي.
خبراء يحذرون من «موجة مؤقتة»
ورغم التفاؤل اليوناني، يحذر بعض الخبراء من التعامل مع نجاح الفيلم باعتباره ضمانًا لاستمرار تدفق السياح إلى البلاد.
وقال أنجيلوس شانيوتيس، أستاذ الدراسات التاريخية في معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون، إن اليونان بحاجة إلى التفكير فيما هو أبعد من المكاسب السريعة التي يمكن أن يحققها فيلم سينمائي ضخم.
وأشار إلى أن السينما سبق أن ساهمت في جذب الانتباه إلى اليونان، مستشهدًا بأفلام قديمة مثل «الفتى على الدولفين» و«هيدرا» عام 1957، لكنه أكد أن التأثير السياحي للأفلام غالبًا ما يكون قصير الأجل.
ويرى شانيوتيس أن الحفاظ على الاهتمام بالثقافة والتاريخ والآثار اليونانية يحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى، تشمل تطوير برامج الدراسة المرتبطة بالتراث اليوناني، وتعزيز العمل الأثري، وتحسين طريقة عرض المواقع الأثرية والمتاحف أمام الزوار.
وبذلك، تبدو أثينا أمام فرصة مزدوجة: استغلال النجاح العالمي لفيلم «الأوديسة» في جذب السياح الآن، وفي الوقت نفسه تحويل الاهتمام المؤقت بأساطير هوميروس إلى اهتمام مستدام بتاريخ اليونان وثقافتها وآثارها.