في ظل أزمات إقليمية متشابكة وتطورات متسارعة، يبرز الدور المصري كأحد محاور التحرك السياسي والدبلوماسي في المنطقة، مستندًا إلى مزيج من الاتزان الاستراتيجي والقدرة على إدارة العلاقات مع أطراف متعددة. ويرى خبراء وأساتذة في العلاقات الدولية أن تحركات القاهرة في ملفات غزة والأمن الخليجي والبحر الأحمر تعكس توجهاً يقوم على الجمع بين الوساطة، وحماية المصالح الوطنية، ودعم الحلول السياسية، مع الحفاظ على قنوات التواصل والحضور في المحافل الدولية.
التوازن والواقعية يعززان مكانة مصر ودورها إقليميًا ودوليًا
من جانبها أكدت دكتورة نهى بكر أستاذ العلاقات الدولية إن السياسة المصرية الحكيمة، القائمة على التوازن والواقعية وحماية المصالح الوطنية، أسهمت بشكل واضح في تعزيز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا، وجعلتها لاعبًا رئيسيًا وفاعلًا في المنطقة، لا يمكن تجاوز دوره في القضايا المصيرية. مشيرة إلى أن القاهرة لم تتحرك بردود فعل فقط، بل بادرت إلى طرح المبادرات وصياغة الحلول، كما ظهر في جهود الوساطة بشأن غزة، ودعم مسارات التهدئة ووقف إطلاق النار، والتعامل مع أزمات ليبيا والسودان، وملف سد النهضة، وأمن البحر الأحمر.

الدكتورة نهى بكر استاذ العلاقات الدولية
مصر نجحت في الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة
وتابعت "بكر" تصريحها لـ" اليوم السابع"؛ مصر نجحت في الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة: فمن جهة عززت قدراتها العسكرية والاقتصادية وتحالفاتها الإقليمية، ومن جهة أخرى وظفت دبلوماسيتها الثقافية والدينية والتعليمية لترسيخ حضورها العربي والأفريقي. ضيفة أن انفتاح مصر على القوى الكبرى، وعلاقاتها المتوازنة مع واشنطن وموسكو وبكين والاتحاد الأوروبي، وانضمامها إلى تجمعات مثل بريكس، منحها هامشًا أوسع للحركة، وجعلها جسرًا بين الشرق والغرب، وبوابة رئيسية للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وأكدت الدكتورة نهى بكر أستاذ العلاقات الدولية أن مصر اليوم ليست طرفًا في الأزمات فحسب، بل صانع قرار ومقترح حلول. وهذا هو جوهر السياسة الحكيمة التي تحفظ لمصر مكانتها وتجعلها فاعلًا رئيسيًا في المنطقة. واستدامة هذا الدور يتم من خلال تحالفات عربية وأفريقيةعميقة.
الاتزان الاستراتيجي يعزز الدور المصري في إقليمًا
أكدت مونيكا وليم باحثة علاقات دولية: إن الحديث عن دور الدولة المصرية وفاعلية مؤسساتها التي تمتلك خبرة تراكمية واستباقية ازاء التطورات الإقليمية والتي تتكامل مع طبيعة السياسة الخارجية المصرية التي تقوم على ثوابت راسخة، في مقدمتها الحفاظ على الدولة الوطنية، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها، والتمسك بالقانون الدولي، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، إلى جانب حماية الأمن القومي المصري والعربي. والأهم أن الاتزان الاستراتيجي المصري لم يعد مجرد نهج نظري، ولكن أصبح ممارسة عملية يمكن أن نلمس ثمارها في قدرة الدولة المصرية على التحرك داخل أكثر الملفات الإقليمية تعقيدًا، وفتح قنوات الاتصال، واحتواء التصعيد، والتأثير في ترتيبات ما بعد الأزمات.
القضية الفلسطينية النموذج الأوضح
وتابعت "مونيكا" تبقى القضية الفلسطينية النموذج الأوضح لذلك حتي في وقت انكفاء العالم علي اشكاليات إقليمية ودولية كالحرب الأمريكية الإيرانية . حيث يعكس استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئيس محمود عباس في سبتمبر 2026، في إطار التشاور المستمر حول تطورات القضية الفلسطينية، تمسك مصر بمركزية القضية وبالحفاظ على إطارها السياسي، وليس التعامل معها من مجرد أزمة إنسانية أو أمنية. كما أن أحد أهم ثمار التحرك المصري منذ بداية الحرب تمثل في مواجهة محاولات تهجير الفلسطينيين قسراً ومنع تصفية القضية الفلسطينية، والدفع باتجاه بقاء الحل السياسي قائماً على إقامة الدولة الفلسطينية.

مونيكا وليم باحثة علاقات دولية
الدور المصري انتقل إلى معركة أكثر تعقيدًا تتعلق بمن يدير غزة؟
وأضافت الباحث في شؤون العلاقات الدولية: من هنا يجب فهم ما تحقق في ملف غزة. فالدور المصري لم يعد يقتصر على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، وإنما انتقل إلى معركة أكثر تعقيداً تتعلق بشكل “اليوم التالي” من يدير غزة؟ من يسيطر على السلاح؟ كيف تدخل قوة الاستقرار؟ كيف يبدأ الإعمار؟ وكيف يتم الانسحاب الإسرائيلي؟ ولذلك فإن حصر السلاح لا ينبغي قراءته كبند منفصل، وإنما كجزء من هندسة أمنية وسياسية متكاملة، تقوم على انتقال السيطرة الأمنية إلى إطار فلسطيني، بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الحكم والأمن وترتيبات الداخل الفلسطيني بفضائله.
لكن لفهم قيمة هذا الاختراق المصري، يجب وضعه في سياقه السياسي والأمني الحقيقي. ففي اللحظة التي يجري فيها التفاوض حول حصر السلاح وإعادة تشكيل المشهد الأمني في غزة، صدرت عن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تصريحات دعا فيها إلى قتل عشرات الفلسطينيين كل ليلة، في مشهد يعكس التناقض الحاد بين مسار الوساطة وبين الخطاب المتشدد داخل إسرائيل.
وأضافت "وليم" مصر لا تعمل كوسيط محايد تقليدي ، لها مصلحة مباشرة في إنهاء الحرب ومنع إعادة إنتاجها، وتمتلك في الوقت نفسه الموقع الجغرافي والأدوات الأمنية والسياسية والعلاقات التاريخية التي تجعل تجاوزها في ترتيبات غزة أمراً بالغ الصعوبة، وهنا يتحول التنسيق العربي إلى تأثير فعلي.
مصر لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره ملفاً خارجياً بل امتداداً للأمن العربي والمصري
وأضافت "وليم" يمتد هذا المفهوم إلى الخليج. فمصر لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره ملفاً خارجياً عن أمنها القومي، ولكن باعتباره امتداداً مباشراً للأمن العربي والمصري. وقد ظهر ذلك بصورة شديدة الوضوح عقب استهداف عدد من دول الخليج؛ ففي 19 مارس 2026 تحرك الرئيس السيسي في جولة شملت الإمارات وقطر، ثم في 21 مارس زار البحرين والسعودية، في رسائل تضامن ودعم مباشرة لدول مجلس التعاون في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها.
وتابعت: ثم جاءت زيارة 14 يوليو إلى قطر والبحرين، حيث توجه الرئيس إلى قطر ثم انتقل إلى البحرين، وأكد في المنامة دعم مصر لأمن البحرين واستقرارها ورفض الاعتداءات التي تعرضت لها. كما واصلت مصر اتصالاتها مع بقية دول الخليج، ومنها الاتصال بأمير الكويت في 28 يوليو، الذي جدد خلاله الرئيس إدانة الاعتداءات الإيرانية على الكويت والتأكيد على رفض المساس بسيادتها وأمنها. وهنا تحديدًا تظهر قيمة السياسة المصرية كونها لم تتعامل مع الاعتداءات باعتبارها مناسبة للتصعيد المضاد، وإنما جمعت بين التضامن مع الدول العربية، والدفاع عن سيادتها، والدفع في الوقت نفسه نحو خفض التصعيد. أي أن حماية الأمن العربي بالنسبة لمصر لا تعني بالضرورة الانخراط في الحرب، وإنما تعني منع اتساعها وحماية الدول العربية من تداعياتها.
وأكدت الباحث في شؤون العلاقات الدولية: هذا الحراك الخليجي يرتبط مباشرة بغزة وبأمن البحر الأحمر والملاحة وقناة السويس؛ لأن أي توسع للصراع في الخليج يمكن أن يمتد إلى مسارات الطاقة والتجارة والملاحة، ويخلق دوائر جديدة من عدم الاستقرار. ولذلك فإن التحرك المصري يحمل رؤية أوسع للأمن الإقليمي، ترى أن أمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط والقضية الفلسطينية ملفات مترابطة وليست أزمات منفصلة. مشيرة أنه في الوقت نفسه، تتحرك مصر على المستوى العربي ومتعدد الأطراف لبلورة موقف أكثر تماسكاً، مستفيدة من حجمها وثقلها وموقعها التاريخي وعلاقاتها المتوازنة مع أطراف دولية وإقليمية متعددة. وهذه هي نقطة القوة الأساسية في الدبلوماسية المصرية قدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة دون التخلي عن ثوابتها، وعلى نقل الموقف العربي إلى المنابر الدولية، وفي الوقت نفسه استخدام المؤسسات متعددة الأطراف لدعم القانون الدولي وحماية المصالح العربية.
وأكدت "مونيكا وليم" فإن التأثير المصري لا يقوم فقط على امتلاك أدوات القوة التقليدية، وإنما على قوة الجمع بين الجغرافيا والدبلوماسية والوساطة والتنسيق العربي والعمل متعدد الأطراف. وما حدث في غزة، وما ظهر في التحرك تجاه الخليج بعد استهداف دوله، يؤكد أن مصر لا تتحرك فقط لإدارة الأزمات، وإنما تسعى إلى التأثير في شكل الترتيبات التي تأتي بعدها. ومضيفة؛ هنا تكمن قيمة الاتزان الاستراتيجي المصري مصر لا تنخرط في الاستقطاب من أجل الاستقطاب، ولا تتعامل مع الملفات الإقليمية باعتبارها أزمات منفصلة، وإنما تتحرك لحماية مصالحها وأمنها القومي والعربي، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف. ولذلك أصبحت مصر رقم في معايدة إقليمية لا يمكن تجاوزها في قضايا غزة والأمن الخليجي وخفض التصعيد، ليس فقط بسبب حجمها، وإنما بسبب قدرتها على تحويل هذا الحجم إلى تأثير سياسي ودبلوماسي فعلي.