فقد عينه وشاهد ثلاثة من أصدقائه يرحلون أمامه.. أيمن أبو حليمة يعمل بعين واحدة لتأمين دواء ابنه.. أحد أطفاله أُصيب بحروق من الدرجة الثالثة.. بينما يكافح طفله الآخر مرضًا جلديًا يحرمه من النوم واللعب

الإثنين، 24 أغسطس 2026 07:00 م
فقد عينه وشاهد ثلاثة من أصدقائه يرحلون أمامه.. أيمن أبو حليمة يعمل بعين واحدة لتأمين دواء ابنه.. أحد أطفاله أُصيب بحروق من الدرجة الثالثة.. بينما يكافح طفله الآخر مرضًا جلديًا يحرمه من النوم واللعب أسرة أيمن أبو حليمة

كتب أحمد عرفة

لم يكن أيمن أبو حليمة يعرف أن طريق عودته من جنوب غزة إلى شماله سيغير حياته إلى الأبد، كان يحاول العودة خلال الحرب، كما حاول كثيرون البحث عن طريق يعيدهم إلى أماكنهم وبيوتهم، لكن الرحلة انتهت بالقرب من نتساريم بقذيفة دبابة، سلبته عينه في لحظة، وسلبته معها جزءا من حياته التي لم تعد كما كانت.

فقدان العين

في المكان نفسه، وبينما كان أيمن يحاول النجاة، ارتقى ثلاثة من أصدقائه أمام عينيه، لم تكن صدمة فقدان عينه وحدها هي التي بقيت معه، فقد شاهد أصدقاءه يسقطون أمامه، وتحولت لحظة عابرة من الطريق إلى ذكرى ثقيلة ترافقه أينما ذهب.

منذ ذلك اليوم، لم يعد أيمن يرى العالم بالعينين اللتين عرفهما قبل الحرب، فقد إحدى عينيه على الفور، لكنه حمل في ذاكرته مشهدا آخر أكثر قسوة حيث ثلاثة أصدقاء كانوا معه، ثم لم يعودوا، ومع ذلك، لم تتوقف الحياة عند تلك اللحظة.

كان عليه أن يعود إلى أسرته، ويحاول أن يكون أبا رغم إصابته، ويواجه مسؤولياته في وقت كانت فيه الحرب تضيق على الجميع سبل الحياة، لم تمنحه الإصابة فرصة طويلة للراحة، لأن هناك أطفالا يحتاجون إلى الطعام والدواء، وأسرة تنتظر منه أن يؤمن احتياجاتها، لكن الحرب لم تكتفِ بما أصاب أيمن.

في الأيام الأولى للحرب على غزة، أصيب ابنه خلال استهداف المستشفى المعمداني، وتعرض لحروق من الدرجة الثالثة في أنحاء جسده، طفل صغير وجد نفسه أمام ألم يفوق عمره، بينما وجد والده نفسه أمام مسؤولية جديدة، كيف يؤمن العلاج لطفل أصيب بحروق بالغة في وقت أصبحت فيه أبسط الاحتياجات الطبية صعبة المنال؟ لم يكن أمام أيمن كثير من الخيارات.

محاولة العمل

إصابته لم تمنعه من محاولة العمل، والحاجة لم تسمح له بأن يتوقف طويلا عند آلامه، اضطر إلى العمل في محل تجاري، لا لأن جسده كان قادرا على تحمل كل ما تتطلبه الحياة والعمل، وإنما لأن الدواء والطعام لا ينتظران، ولأن أسرته تحتاج إلى من يحاول توفير ما تستطيع الحياة توفيره.

يعمل أيمن ليؤمن ثمن الدواء لابنه، وليحاول أن يوفر احتياجات أسرته، بينما يحمل هو نفسه إصابة سترافقه طوال حياته، يعمل بعين واحدة، وذاكرة مثقلة بما رآه، وأبناء يحتاجون إلى رعاية لا يستطيع أن يوفرها بسهولة، وفي الوقت الذي كان يحاول فيه أن يداوي آثار الحرب في أسرته، جاء طفله الثالث إلى الدنيا.

معاناة الأطفال

ولد الطفل خلال الحرب، في وقت لم تكن فيه ولادته بداية هادئة كما يتمنى الآباء لأطفالهم، جاء إلى الحياة وسط الخوف والنزوح والدمار، ثم بدأ هو الآخر رحلة مختلفة مع المرض.

يعاني الطفل من أمراض جلدية تظهر على شكل فقاعات، وهي مشكلة تجعل حياته اليومية شديدة الصعوبة، لا يستطيع أن يعيش طفولته كما يعيشها الأطفال الآخرون، فاللعب يصبح صعبا، والنوم لا يأتي بسهولة، والألم والحكة وما يرافقهما من انزعاج ينعكس على الطفل وعلى أسرته كلها.

بالنسبة إلى أيمن، لا يكفي أن يرى طفله يتألم، الأصعب أن يعرف أن ابنه يحتاج إلى علاج، ثم لا يستطيع الوصول إليه، فالطفل الذي كان من المفترض أن ينشغل بألعابه، ويركض ويضحك ويكتشف الأشياء من حوله، يجد نفسه أسيرا لفقاعات جلدية تنغص عليه يومه وليله، وحتى النوم، تلك اللحظة التي يستريح فيها الأطفال ويستعيدون طاقتهم، لم تعد سهلة بالنسبة إليه، وتستيقظ الأسرة على ألمه، وتنام على القلق عليه.

أسرة أيمن أبو حليمة
أسرة أيمن أبو حليمة

 

ولا يقتصر المرض على جسد الطفل وحده، فهو يدخل إلى تفاصيل حياة الأسرة كلها، الأم والأب يراقبان حالته، يحاولان التخفيف عنه، يبحثان عن أي وسيلة تساعده، بينما يبقى السؤال الأصعب حاضرا: متى يحصل على العلاج؟ حتى الآن، لم يحصل الطفل على العلاج الذي يحتاج إليه، وفق رواية أسرته، لتبقى معاناته مفتوحة من دون نهاية واضحة.

هكذا، يجد أيمن نفسه أمام ثلاث حكايات من الألم داخل أسرته، إضافة إلى إصابته الشخصية، عين فقدها في الطريق، وذاكرة تحمل وجوه ثلاثة أصدقاء رحلوا أمامه، وابن يحمل آثار حروق بالغة في جسده، وطفل ثالث جاء إلى الدنيا في زمن الحرب ويصارع مرضا جلديا يحرمه من النوم واللعب.

ومع ذلك، لا يملك أيمن خيار الاستسلام، يخرج إلى عمله في المحل التجاري، ويحاول أن يعود في نهاية اليوم بما يكفي من المال لشراء الدواء وتأمين الطعام، وكأن إصابته الشخصية يمكن أن تنتظر، وكأن حزنه على أصدقائه يمكن تأجيله، وكأن خوفه على أطفاله لا مكان له وسط قائمة الاحتياجات اليومية، لكن الإنسان لا يستطيع أن يؤجل ألمه إلى الأبد.

وراء العمل الذي يقوم به أيمن، هناك رجل فقد عينه، وأب يحمل في داخله خوفا دائما على أبنائه، وإنسان رأى أصدقاءه يموتون أمامه، ثم اضطر بعد ذلك إلى أن يواصل حياته وكأن عليه أن يكون قويا طوال الوقت، ربما لا يرى الناس في أيمن أثناء عمله سوى رجل يحاول كسب رزقه، لكن خلف هذه الصورة قصة رجل أعاد ترتيب حياته بالقوة، لا لأنه اختار ذلك، وإنما لأن الحرب لم تترك له خيارا آخر.

هو لا يعمل من أجل الرفاهية، ولا يبحث عن حياة أفضل بمعناها البعيد، إنه يعمل من أجل أشياء شديدة البساطة، دواء لابنه، علاج لطفله، وطعام لأسرته، وقدرة على إبقاء البيت قائما رغم كل ما أصابه.

أما طفله الثالث، فيحمل قصة أخرى من قصص الأطفال الذين ولدوا في الحرب ولم يعرفوا من الحياة سوى القليل من الألم، لم يختر أن يأتي إلى عالم مضطرب، ولم يختر المرض الذي يحرمه من النوم واللعب، لكنه يدفع ثمن ظروف لا يد له فيها.

وفي الليل، حين يهدأ كل شيء قليلا، ربما يعود أيمن إلى ذاكرته، إلى الطريق قرب نتساريم، إلى لحظة فقدان عينه، وإلى أصدقائه الثلاثة الذين رحلوا أمامه، ثم يعود إلى حاضره، إلى أطفاله، إلى ابنه المصاب بالحروق، وإلى طفله الذي يئن من مرض جلدي لم يجد له علاجًا، وإلى مسؤولية الأسرة التي لا تسمح له بأن ينهار.

بين الماضي والحاضر، يعيش أيمن، عينه التي فقدها تروي قصة إصابته، وملامحه تحمل أثر ما شاهده، ويداه اللتان تعملان كل يوم ترويان قصة أب يحاول أن يحافظ على أسرته واقفة، وأخذت الحرب منه عينا وأصدقاء، وأصابت أحد أبنائه، ووضعت طفلا آخر في مواجهة المرض منذ ولادته، لكنها لم تستطع أن تنتزع منه رغبته في حماية أطفاله، ولهذا يواصل العمل، والبحث عن الدواء، كما يواصل حمل أطفاله، حتى حين يكون هو نفسه بحاجة إلى من يحمله.

أيمن أبو حليمة ليس مجرد رجل فقد عينه في الحرب، إنه أب يحاول أن يرى بعين واحدة طريقا للخروج بأسرته من الألم، بينما يقف خلفه كل ما فقده، وأمامه أطفال ينتظرون منه أن يواصل السير.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة