كان الوقت ضحى الأحد 24 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1516، حين التقى الجيشان المملوكى بقيادة السلطان الغورى، والعثمانى بقيادة سليم الأول، فى مرج دابق «شمال حلب السورية»، والتى يوجد بصحرائها قبر سيدنا داود عليه السلام، حسبما يذكر الدكتور أحمد فؤاد متولى فى كتابه «الفتح العثمانى لمصر والشام ومقدماته من واقع الوثائق والمصادر التركية والعربية المعاصرة له».
يذكر «متولى» أن الجيش العثمانى بلغ عدده نحو 60 ألفا، وجيش السلطان الغورى نحو 80 ألفا معظمهم من «المماليك الجراكسة» وقليل من العرب البدو، وبدأت المعركة ببروز قائد القلب فى الجيش المملوكى «الأتابكى سودون» للقتال، ومن بعده «سيباى» نائب الشام، واستهلت بهجوم خاطف عنيف زلزل أقدام العثمانيين، وأنزل بهم خسائر فادحة، حتى فكر السلطان سليم فى التقهقر، وطلب الأمان لكى يعيد ترتيب صفوفه، ويقال إنه قتل فى هذه الهجمة الكاسحة نحو عشرين ألفا من العثمانيين.
كان «خاير بك» أمير حلب من قيادات جيش الغورى، لكنه لعب دور الخيانة، ويذكر متولى، أنه فى اللحظة التى فكر فيها سليم الأول فى التقهقر، أشاع خاير بك أن السلطان الغورى أمر جلبانه بعدم القتال حتى يصدر أوامره إليهم، وحتى يقاتل القرانيص وحدهم، وهم المماليك القدماء، وبسبب هذه الشائعة فترت همة القرانيص إذ رأوا فيها خطة دنيئة من جانب السلطان أراد بها أن يكونوا الطعمة الأولى لنيران العثمانيين انتقاما منهم لما ارتكبوه فى حقه سابقا، وقال القرانصة بعضهم لبعض: «نحن نقاتل بأنفسنا مع النار، وأنت - أى السلطان - واقف تنظر إلينا بالعين الشامتة، ما تأمر أحدا من مماليك يخرج إلى الميدان».
يضيف «متولى» أنه زاد من تثبيط عزائم الجنود مقتل «سودون الأتابكى»، كما قتل «سيباى»، وتلى ذلك فرار جنود الميمنة والقلب بعد قتل أميريهما، وفر خلال ذلك «خاير بك» بجنود الميسرة، وقبل أن يظهر «خاير بك» الهزيمة أشاع شائعة أخرى مؤداها أن السلطان الغورى نفسه قد قتل، قال: «الفرار، الفرار، فإن السلطان سليم أحاط بكم وقتل الغورى، والكسرة علينا»، فانهارت قوة المماليك، أما الغورى كان ثابتا فى مكانه، وحوله نفر قليل من مماليكه، وأخذ ينادى لوقف تيار الفرار، قائلا: «يا أغوات هذا وقت المروءة، هذا وقت النجدة، يا أغوات الشجاعة، صبر ساعة»، ولكن لم يستمع إليه أحد، وصاروا ينسحبون من حوله وهو يقول للفقراء: «ادعوا الله تبارك وتعالى بالنصر، فهذا وقت دعائكم»، وانطلقت فى قلبه جمرة نار لا تطفأ.
يذكر «متولى»، أن الأمير «تمرار الزرد كاش» خشى على السلطان الغورى فشق طريقه إليه، وأخذ العلم السلطانى فطواه وأخفاه خشية أن يستولى عليه العثمانيون، أو يعلموا مكان السلطان، وقال للغورى: «يا مولانا السلطان إن عسكر بن عثمان أدركنا، فانج بنفسك وادخل إلى حلب»، فوقعت هذه العبارة فى قلبه وقع الصاعقة، وأصيب فى الحال بفالج أبطل شفه، وأرخى حنكه» على حد قول ابن إياس، وطلب شربة ماء فأتوه بكأس ذهبية شرب منها، ولوى عنان فرسه ليهرب، ولكنه سقط عن فرسه بعد خطوات جثة هامدة من هول الهزيمة، ولما عثر على جثته قطعت رأسه، وقدمت إلى سليم.
يضيف «متولى»، أن بشائر النصر العثمانى لاحت فى عصر اليوم ذاته «24 أغسطس 1516» بعد ثمانى ساعات من بدء القتال تقريبا، وسرى خبر وفاة الغورى بسرعة بين العثمانيين، فنهبوا المعسكر المملوكى، وأقام سليم فى وطاق الغورى، واستولى على ما فيه من سلاح ومال وتحف وأرزاق، ونزل كل قائد من قواده فى وطاق أمير مملوكى، وكانت مغانمهم لا حصر لها، وكانت أشلاء القتلى والجرحى متناثرة فى أماكن عديدة، وبلغ عدد الأسرى أكثر من ألفين جمعوا وقطعوا رقابهم بالسيوف فى حضرة السلطان سليم، وأبقى على الخليفة العباسى وعلى قضاة مذاهب الشافعى والحنبلى والمالكى الذين كانوا فى جيش الغورى ووقعوا فى الأسر، واصطحبهم معه إلى مصر فيما بعد، أما قاضى المذهب الحنفى فتمكن من الفرار إلى مصر.
يرى الدكتور قاسم عبده قاسم، فى تقديمه ودراسته لكتاب «واقعة السلطان الغورى مع سليم العثمانى» لأحمد بن زنبل الرمال، أن معركة مرج دابق كانت المرآة التى عكست مدى تردى الأحوال فى دولة سلاطين المماليك، إذ كان الخلاف شديدا بين طوائف جيش السلطان قنصوه الغورى، ولعبت الخيانة دورها إلى جانب التشرذم والتنازع فى هزيمة المماليك، وسقوط السلطان نفسه صريعا تحت سنابك الخيل فى ميدان المعركة، واختفت جثة السلطان الصريع لتترك للمؤرخين مجالا مفتوحا للتكهن بمصيره.
ويذكر الدكتور عماد أبو غازى، فى كتابه «طومان باى - السلطان الشهيد»، أن أخبار هزيمة السلطان الغورى وتفاصيل المعركة لم تصل إلى القاهرة فور وقوعها، وظلت الأخبار غائمة لعدة أسابيع، وفى أواخر شعبان «922 هجرية» وصلت إلى القاهرة أخبار ما جرى فى مرج دابق بالتفاصيل.