الفقر مرض يمكن علاجه والقضاء عليه، أما الإرهاب فهو أورام سرطانية قاتلة ومدمرة، ويمكن لدولة فقيرة أن تبدأ من الصفر وتصعد، لكن الدولة إذا انتشرت فيها أورام التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، انهارت مؤسساتها ودُمر اقتصادها وضاعت مقدراتها، وانهار استقرارها وأمنها، ويقع الشعب بين شقىّ الرحى، الموت أو الهجرة واللجوء، هذه حقائق دوّنها التاريخ فى سجلاته بوضوح، ورأينا دولا فقيرة كيف صارت دولا عظمى بالعمل والاجتهاد والصبر، مثل الصين والهند وماليزيا وسنغافورة وكوريا، وفى المقابل، هناك دول غنية سقطت فى مستنقع الفوضى وتراجع التنمية وتدهور الأمن والاستقرار، بعد سيطرة التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، والنماذج كثيرة، ولا تحتاج إلا لنظرة حولنا.
وهنا تكمن المفارقة الواضحة والتى كثيرا ما يتم تجاهلها، عن عمد، أو نتيجة وعى زائف، وهى أن الفقر مشكلة اقتصادية يمكن التعامل معها وفق سياسات وخطط قوية واضحة، فى الزراعة والصناعة والاستثمار والتعليم والبنية التحتية وخلق الوظائف وتطوير دولاب العمل الإدارى، أما انهيار الدولة، فهو مشكلة أكثر تعقيدا، لأنه يعنى سقوط القدرة على حماية المؤسسات واحتكار السلاح وإدارة الموارد وتقديم الخدمات، ومن ثم عدم القدرة على إنفاذ القانون، وعندما تتحول الدولة إلى ساحة مفتوحة للتنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، يصير الاقتصاد ذاته رهينة للمعركة، وتصبح كل محاولة للإصلاح معرضة للانهيار بسبب العنف وغياب الأمن وسيطرة الإرهاب والبلطجة.
وإذا حاول البعض من الذين يرفضون الحقائق، التشكيك فى هذا الطرح، فنضع أمامهم الأرقام الدولية الكاشفة والمؤكدة لهذه الحقائق، وبصور أكثر قسوة من أى تحليل سياسى، فالبنك يوضح أن ما يقرب من 75% من اقتصادات الدول التى سيطرت عليها التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، صارت أكثر هشاشة طوال أكثر من عقد، كما تشير تقديرات البنك الدولى إلى أن الصراعات عالية الشدة ترتبط ارتباطا وثيقا بانخفاض تراكمى فى نصيب الفرد من الناتج المحلى بنحو 20% بعد 5 سنوات مقارنة بما كان متوقعا قبل اندلاع الصراع.
الأخطر، أن محاولة الربط بين الفقر الذى يؤدى إلى العنف، صار مفهوما خاطئا أثبتته السنوات الماضية، وتحديدا منذ ما يطلق عليها اصطلاحا «ثورات الربيع العربى» وأن الحقيقية المؤكدة أن العنف نفسه يصنع الفقر ويعيد إنتاجه بكل قوة، فالبنك الدولى أيضا كشف حقيقة جوهرية مفادها أن نسبة الفقر فى الاقتصادات التى تعانى الهشاشة والصراع تجاوزت 40% خلال العقد الماضى، بينما استطاعت الدول التى خرجت من هذه الهشاشة أن تخفض معدلات الفقر بأكثر من النصف.
وبمعنى آخر، فإن الدولة عندما تنجح فى ترسيخ الأمن والاستقرار، وتحمى مؤسساتها، وتمتلك القدرة على إنفاذ القانون، تستطيع الحد من الفقر، والقضاء عليه، أما عندما تعجز الدولة نفسها عن ترسيخ الأمن والأمان والاستقرار وعدم القدرة على حماية مؤسساتها، والفشل فى إنفاذ القانون، فإن الفقر سيقفز إلى أرقام مفجعة، ويصبح جزءا دائما من الصراع.
وكما أوضحنا سلفا، أن النماذج الآسيوية تقدم الدليل الأوضح على أن قلة الموارد ليست حكما بالانهيار، دول مثل بنجلاديش وفيتنام بدأت من مستويات دخل متواضعة للغاية، لكنها استطاعت عبر نشر الأمن والأمان، وترسيخ الاستقرار وبناء المؤسسات وتوسيع قاعدة الإنتاج وجذب الاستثمار وتطوير التعليم والصناعة، أن ترتقى تدريجيا إلى مستويات أعلى فى التنمية، ومن ثم فإن الفكرة هنا ليست أن قضية الفقر سهلة أو أن التنمية سريعة، وإنما القضية الجوهرية تتمثل فى أن الدولة المستقرة تستطيع أن تواجه الفقر باعتباره ملفا سياسيا واقتصاديا قابلا للإدارة، حتى لو استغرق علاج الأمر عقودا.
وبالنظر لبعض الدول العربية، قبل 2011 كانت تعانى مشكلات حقيقية، لكنها لم تكن منهارة، إنما النموذج الليبى يقدم حالة قوية للتأكيد على أن الفقر لا يسقط الدول، وإنما الإرهاب الأسود هو الذى يدمر الدول، ففى ليبيا الشقيقة، لم تعد المشكلة مجرد تغيير سياسى أو أزمة اقتصادية، فهى دولة غنية، لكن عقب الثورة فى 2011 تحول الأمر إلى صراع على الدولة نفسها، وعلى من يمتلك السلاح والموارد والمنافذ والسيطرة على المؤسسات، فكانت النتيجة أن دولة غنية جدا بالنفط، صارت غير قادرة على تحويل مواردها إلى استقرار وتنمية مستدامة، ووفق تقديرات البنك الدولى فى دراسات سابقة للوضع الليبى، إن تكلفة إعادة النهوض بالبنية الأساسية فى ليبيا تتجاوز 200 مليار دولار، ويستغرق 10 سنوات على الأقل، وهى أرقام تكشف حجم المفارقة بين ثروة البلد، وحجم الضرر الذى يخلفه الصراع والإرهاب والميليشيات المسلحة!
ولن نتحدث عن النموذج السورى، الأكثر وضوحا والمعبر عن الفارق بين الدولة الفقيرة والدولة التى دمرها الإرهاب والميليشيات المسلحة، ولن نتحدث عن النموذج اليمنى والسودانى، وهى نماذج دُمرت فيها كل وسائل الحياة، لا تعليم ولا بنية تحتية ولا شبكات كهرباء واتصالات، ولا تعليم ولا صحة، بجانب اندثار الأمن والأمان والاستقرار، وتحول الصراع إلى حرب مفتوحة تحصد الأرواح، وإنما نلفت الأنظار إلى أطماع الأعداء الذين استباحوا الأرض والعرض بشكل وقح.
الأمم المتحدة لها تشخيص جيد لهذه الإشكالية، عندما أكدت أن خبرات المنطقة العربية أثبتت أن الحرب والصراع الأهلى أديا فى عدد من الدول إلى عكس مكاسب التنمية، وإلى أزمات إنسانية واسعة، وأن تحقيق التنمية المستدامة يحتاج إلى السلام والأمن والاستقرار باعتبارها شروطا أساسية وليست ترفا سياسيا.
ومن هذا المنطلق، فإن الإرهاب والميليشيات المسلحة لا يحتاج إلى أدلة كثيرة بأنها أخطر من الفقر من زاوية قدرة الدولة على التعافي، فالفقر يستنزف الموارد، لكنه لا يمنع بالضرورة الدولة من إصلاح التعليم أو بناء الطرق أو جذب الاستثمار، أما السلاح خارج الدولة فيمنع المستثمر من الاستثمار، والطبيب من العمل، والمدرسة من الاستمرار، والمواطن من الحركة، والحكومة من فرض القانون، وتتحول الموارد المحدودة إلى إنفاق أمنى، بينما تتراجع الصحة والتعليم والبنية الأساسية، والبنك الدولى يؤكد أن الصراعات المستمرة تعطل الإنتاج والاستثمار وحركة الأشخاص والبضائع، وتحول الموارد العامة من التنمية إلى الإنفاق الطارئ والأمنى.
إذن الدرس الأهم هو أن الفقر يمكن محاربته، والبطالة يمكن خفضها، والاقتصاد يمكن إصلاحه، والموارد يمكن تنميتها، والدولة تستطيع أن تتدرج من الفقر إلى النمو إذا بقيت مؤسساتها قادرة على العمل، لكن عندما يدخل السلاح خارج الدولة، ويتحول الإرهاب إلى بنية منظمة، وتصبح الميليشيات صاحبة قرار مستقل، وتتفتت السيادة، فإن المشكلة تنتقل من سؤال التنمية إلى سؤال البقاء.
ولذلك فإن حماية الدولة من التفكك ليست دفاعا عن الفقر أو عن الجمود، بل هى الشرط الأول حتى يصبح الإصلاح الاقتصادى ممكنا.