فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قدرها 890 مليون يورو على شركة جوجل بسبب انتهاكات لقواعد مكافحة الاحتكار الرقمية في الاتحاد الأوروبي، إلا أن العقوبة جاءت أقل بكثير من الغرامات التي اعتادت بروكسل فرضها على الشركة الأمريكية خلال العقد الماضي، كما أن الإعلان عنها لم يحظ بالضجة التي صاحبت قضايا مكافحة الاحتكار الكبرى السابقة.
وتأتي هذه الغرامة ضمن تطبيق قانون الأسواق الرقمية الأوروبي (DMA)، الذي دخل حيز التنفيذ قبل نحو ثلاث سنوات، ويضع مجموعة من القواعد الملزمة أمام شركات التكنولوجيا العملاقة التي يصنفها الاتحاد الأوروبي باعتبارها "حراس بوابة" للسوق الرقمية، بهدف الحد من قدرتها على فرض شروطها على المنافسين والمستخدمين.
وبإضافة الغرامة الأخيرة إلى العقوبات السابقة، يصل إجمالي الغرامات المفروضة بموجب قانون الأسواق الرقمية إلى نحو 1.6 مليار يورو، وهو رقم يبدو محدودا مقارنة بالعقوبات التاريخية التي فرضتها المفوضية على شركات التكنولوجيا الكبرى بموجب قوانين المنافسة التقليدية.
وعلى سبيل المقارنة، أيدت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي مؤخرا غرامة قدرها 4.1 مليار يورو ضد جوجل في قضية تعود إلى عام 2018 وتتعلق بإساءة استخدام المركز المهيمن في السوق، في وقت كانت فيه بروكسل تعتمد بصورة أكبر على العقوبات المالية الضخمة كأداة رئيسية للضغط على شركات التكنولوجيا.
من الغرامة إلى تغيير السلوك
ويرى مؤيدو النهج الجديد داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن الهدف الأساسي من قانون الأسواق الرقمية ليس جمع أكبر قدر ممكن من الغرامات، وإنما إجبار الشركات على تغيير سلوكها وممارساتها بما يتيح منافسة أكثر عدالة داخل السوق الأوروبية.
وقال ألكسندر دي ستريل، المدير الأكاديمي لبرنامج الأبحاث الرقمية في مركز التنظيم في أوروبا، إن الهدف من القانون هو "تغيير السلوك، وليس زيادة الغرامات إلى أقصى حد"، مشيرا إلى أن تقييم فاعلية القانون لا ينبغي أن يعتمد فقط على قيمة العقوبات التي تفرضها المفوضية.
وبحسب هذا التصور، فإن بروكسل لم تتراجع عن أهدافها المتعلقة بالحد من هيمنة شركات التكنولوجيا، وإنما غيرت الأدوات التي تستخدمها لتحقيق هذه الأهداف، مع استمرار التركيز على قضايا مثل جمع البيانات، وتفضيل الشركات لخدماتها ومنتجاتها على حساب المنافسين، وقواعد متاجر التطبيقات، وآليات عمل محركات البحث وأنظمة تشغيل الهواتف الذكية، لكن هذا التحول لا يحظى بإجماع داخل قطاع التكنولوجيا الأوروبي.
ويرى منتقدون أن انخفاض الاعتماد على الغرامات قد يعني تراجعا في الضغط الذي كانت تمارسه المفوضية على الشركات العملاقة، خصوصا أن الشركات الأوروبية الأصغر لا تزال تجد نفسها في مواجهة منصات تملك موارد مالية وتقنية هائلة.
وقال فيليكس ستيما، المنسق المقيم في برلين لمبادرة البحث المحايد، وهي تجمع لشركات رقمية أوروبية يضم منصات مثل Adevinta وGetYourGuide، إن هناك مؤشرات على تراجع اهتمام الشركات الأوروبية بالمفوضية وتراجع ثقتها بها باعتبارها جهة تحكيم محايدة.
ويرى ستيما أن الغرامات قد تتحول بالنسبة للشركات العملاقة إلى مجرد تكلفة إضافية لممارسة الأعمال، بدلا من أن تكون رادعا حقيقيا لتغيير السلوك.
من ناحية أخرى، ترفض المفوضية الأوروبية المقارنة بين الغرامات الحالية والعقوبات السابقة، وتؤكد أن قيمة كل غرامة تتحدد وفقا للإطار القانوني والظروف الخاصة بكل قضية.
وقال المتحدث باسم المفوضية، ريكاردو كاردوسو، إن مقارنة الغرامات بين شركات مختلفة أو بين أدوات قانونية مختلفة ليست ذات جدوى، مؤكدا أن المفوضية تختار الأداة التي تراها مناسبة لكل حالة.
"قرارات تحديد المواصفات".. أداة بروكسل الأكثر هدوءا
ومن أبرز الأدوات التي بدأت المفوضية الاعتماد عليها ما يعرف بـ"قرارات تحديد المواصفات"، وهي إجراءات فنية تحدد للشركات ما يجب عليها فعله حتى تمتثل لقواعد الاتحاد الأوروبي، دون أن تتضمن بالضرورة حكما رسميا بوقوع مخالفة أو فرض غرامة مالية.
وخلال يوليو الماضي، استخدمت المفوضية هذه الآلية لإجبار جوجل على مشاركة بيانات البحث مع منافسين، كما دفعتها إلى فتح نظام تشغيل أندرويد أمام مساعدين منافسين في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتعتبر هذه الإجراءات جزءا من نهج تنظيمي أكثر هدوءا، إذ تسعى بروكسل إلى تغيير طريقة عمل المنصات بدلا من الاكتفاء بمعاقبتها بعد وقوع المخالفة.
وكان ترامب قد هدد بفرض رسوم جمركية جديدة على أوروبا ردا على الغرامة المفروضة على جوجل، إلا أن هذه التهديدات لم تتحول حتى الآن إلى إجراء فعلي.
ويرى باري لين، من معهد الأسواق المفتوحة، أن جوجل لا تحظى بتأييد واسع داخل الحزب الجمهوري، وهو ما قد يفسر جزئيا محدودية التداعيات السياسية للقضية حتى الآن.
الشركات الأوروبية تبحث عن تعويضات خارج بروكسل
لكن بالنسبة للشركات الأوروبية التي كانت تأمل في أن يؤدي قانون الأسواق الرقمية إلى استعادة جزء من الحصة السوقية التي استحوذت عليها شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، فإن أدوات الامتثال والحوار قد لا تكون كافية.
فحتى شركات أوروبية بارزة مثل GetYourGuide وAllegro لا تزال أصغر بكثير من المنصات الأمريكية التي تعتمد عليها في الوصول إلى العملاء وجذب الزيارات. وتؤكد المفوضية، في المقابل، أنها لم تتخل عن صلاحياتها العقابية، وأنها ستواصل فتح إجراءات عدم الامتثال عندما تقتضي الظروف ذلك.
إغلاق قضايا آبل وجوجل بهدوء
وبدأت المفوضية إنهاء مجموعة من القضايا التي فتحتها في إطار الموجة الأولى من تطبيق قانون الأسواق الرقمية، من بينها التحقيقات المتعلقة بجوجل وآبل.
وأعلنت بروكسل أنها ستغلق أكبر قضية معلقة لديها بموجب القانون ضد شركة آبل دون فرض عقوبة جديدة، بعدما عدلت الشركة الشروط التي تفرضها على مطوري التطبيقات داخل الاتحاد الأوروبي.
وشملت التغييرات إلغاء رسوم مرتبطة بعمليات تثبيت التطبيقات، وهي الرسوم التي كانت محور شكاوى منذ عام 2024.
وتنهي موافقة المفوضية على هذه التغييرات إجراءات المتابعة التي بدأت بعد فرض غرامة قدرها 500 مليون يورو على آبل بسبب انتهاك قواعد "مكافحة التوجيه"، التي تهدف إلى السماح لمطوري التطبيقات بإبلاغ المستخدمين بوجود خيارات دفع أو عروض خارج متجر التطبيقات.
وكانت آبل تواجه في حال عدم الامتثال غرامات دورية يمكن أن تصل إلى 5% من متوسط إيراداتها العالمية اليومية.
أما ملف شركة ميتا فما زال مفتوحا، إذ قدمت الشركة في نوفمبر الماضي خيارا ثالثا للمستخدمين الذين لا يرغبون في الإعلانات المخصصة بالكامل ولا يرغبون أيضا في دفع رسوم مقابل استخدام خدماتها.
وتراقب المفوضية مدى فاعلية هذا الخيار، لكنها لم تعلن حتى الآن ما إذا كانت ترى أن التعديلات التي أجرتها ميتا كافية.
أرقام تكشف تغير طريقة الإنفاذ
وبعد نحو عامين ونصف من تطبيق قانون الأسواق الرقمية، فرضت المفوضية غرامات على ثلاث شركات، كما فتحت سبعة إجراءات لعدم الامتثال، أغلقت اثنين منها مؤخرا في قضايا تخص جوجل، بينما تتوقع آبل إغلاق إجراء آخر خلال الأسابيع المقبلة.
وبحسب تحليل أجراه أنسلم كوسترز من مركز السياسة الأوروبية، ارتفع عدد قرارات المفوضية وأحكامها المتعلقة بقانون الأسواق الرقمية بنسبة 18% بعد عودة ترامب إلى الرئاسة في يناير 2025، في حين انخفضت قرارات الإنفاذ الرسمية بنسبة 37%.
كما تراجعت ورش العمل التي تجمع أصحاب المصلحة بفرق التحقيق في المفوضية، وهي إحدى القنوات التي يستخدمها أصحاب الشكاوى للتواصل مع المسؤولين، من 12 ورشة إلى أربع فقط. لكن المفوضية ترى أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة مستوى نشاطها الحقيقي.
وتشير بروكسل في هذا السياق إلى مجموعة من الإجراءات التي بدأت منذ نوفمبر، من بينها ملفات مرتبطة بسياسات جوجل لمكافحة البريد العشوائي وتأثيرها على ظهور محتوى الناشرين، وترخيص بيانات البحث للمنافسين، والإعدادات الافتراضية في نظام أندرويد.
كما تستشهد المفوضية بتغييرات أخرى جاءت نتيجة حوارات تنظيمية مغلقة، بينها قرار هادئ اتخذته مايكروسوفت العام الماضي يتعلق بإعدادات المتصفح الافتراضية.
الشركات تتجه إلى المحاكم الوطنية
وفي الوقت الذي أصبحت فيه بروكسل أكثر اعتمادا على الحوار والامتثال، بدأت الشركات التي تتحدى ممارسات عمالقة التكنولوجيا في اللجوء بصورة أكبر إلى المحاكم الوطنية داخل دول الاتحاد الأوروبي.
ففي أغسطس 2025، أصدرت محكمة إقليمية ألمانية في مدينة ماينز أمرا إلى جوجل بالتوقف عن تفضيل خدمة Gmail أثناء إعداد نظام أندرويد، مستندة بشكل مباشر إلى قواعد قانون الأسواق الرقمية.
وفي فرنسا، رفعت شركة Liligo، التابعة لمجموعة eDreams ODIGEO، دعوى أمام محكمة الأنشطة الاقتصادية في باريس في أكتوبر الماضي، تتعلق بما وصفته بتفضيل جوجل لخدماتها في مجال الرحلات الجوية. كما يدرس عدد من أصحاب الشكاوى في دول أوروبية أخرى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بتنفيذ الأحكام أو الحصول على تعويضات عن أضرار سابقة.
ولا يرى خبراء أن ازدياد الدعاوى القضائية الخاصة يمثل بالضرورة تهديدا لقانون الأسواق الرقمية، إذ يمكن أن تسهم القضايا التي ترفعها الشركات أمام المحاكم الوطنية في دعم إجراءات المفوضية وتعزيز تطبيق القانون.