«14 أغسطس يوم فض اعتصام رابعة واحد من أسعد أيام الإخوان.. فيه ذكرى كربلائية سعت إليها سعيا حثيثا حتى حققت ما تتمناه».. بهذه الكلمات يصف عمرو عبد الحافظ، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، الطريقة التي تعاملت بها جماعة الإخوان الإرهابية مع أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، معتبرًا أن الجماعة نجحت في تحويل ما جرى إلى رمز دائم تستدعيه في خطابها حتى اليوم.
ويقول عبد الحافظ إن بداية اعتصام رابعة كانت مرتبطة بشكل مباشر بمحاولة حشد التأييد للرئيس الإخواني محمد مرسي، في مواجهة الحشود التي طالبت برحيله وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، إلا أن عزل مرسي لم يضع حدًا للاعتصام، رغم أن الهدف الأول الذي تأسس من أجله كان قد انتهى.
من منع العزل إلى محاولات فاشلة
بحسب عبد الحافظ، أعادت جماعة الإخوان صياغة هدفها بعد عزل مرسي، فتحول الاعتصام من محاولة لمنع عزله إلى محاولة لإعادته إلى السلطة، وفي الوقت نفسه بدأت الدولة تنفيذ خارطة طريق جديدة، بينما أصرت الجماعة على رفض الواقع السياسي المستجد، وتمسكت باعتبار مرسي الرئيس الشرعي.
ويرى الباحث أن رابعة لم تعد مجرد موقع لاعتصام سياسي، وإنما تحولت إلى عنوان للمواجهة مع الدولة، بعدما سعت الجماعة إلى تكريس وجود سياسي موازٍ، والتعامل مع الاعتصام باعتباره مركزًا يمكن من خلاله منافسة السلطة القائمة على مستوى الاعتراف السياسي.
ويشير إلى أن الإخوان لم تكتفِ برفض القيادة السياسية الجديدة، وإنما لم تعترف بأي سلطة تشريعية سوى مجلس الشورى، الذي كان يرأسه القيادي الإخواني أحمد فهمي، في إطار محاولة، وفق رؤيته، لمزاحمة السلطة القائمة سياسيًا والسعي إلى الحصول على اعتراف سياسي ودولي موازٍ.
السلاح.. نقطة التحول الأخطر
ويؤكد عبد الحافظ أن التحول الأكثر خطورة تمثل في تدعيم الاعتصام بقوة مادية، لافتًا إلى حشد الأسلحة داخل رابعة استعدادًا لمواجهة الجيش والشرطة، معتبرًا أن دخول السلاح على خط الأزمة نقلها من نطاق الاحتجاج السياسي إلى محاولة فرض أمر واقع بالقوة ومواجهة مسلحة لثورة 30 يونيو.
ويقول إن وجود كيان سياسي يحتفظ بقوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة يمثل خطرًا بالغًا على مفهوم الدولة ذاته، موضحًا أن أي دولة لا يمكن أن تسمح بوجود كيان موازٍ ينازعها سلطتها السياسية أو يمتلك قوة مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية.
وبحسب عبد الحافظ، فإن الجماعة دفعت أنصارها إلى مواجهة وصفها بأنها «صفرية» وغير متكافئة، ثم وقفت بعد ذلك، على حد تعبيره، «تبكي قسوة الفعل وتحشد مزيدًا من الدعم»، بعدما وصلت المواجهة إلى نهايتها.
لماذا وصفها الباحث بـ«الكربلائية»؟
يرى عبد الحافظ أن جماعة الإخوان استطاعت تحقيق أحد أهدافها الرمزية من أحداث رابعة، وهو صناعة ذكرى ذات طابع «كربلائي» تحولت إلى جزء ثابت من خطابها، وأصبحت الجماعة تستدعيها بصورة متكررة للحفاظ على رواية المظلومية وتعزيز التعبئة داخل أنصارها.
لكن الباحث يفرّق بين النجاح في صناعة الرمز وبين تحقيق الهدف السياسي. فالإخوان، بحسب رؤيته، كانت تريد من استمرار الاعتصام والضغط على الدولة الوصول في النهاية إلى إعادة محمد مرسي إلى الحكم، وهو ما لم يحدث.
«استقرت دولة 30 يونيو.. وبقيت الجماعة في الهامش»
ويخلص عبد الحافظ إلى أن جماعة الإخوان «حققت أمنيتها» من زاوية صناعة ذكرى رابعة وتحويلها إلى رمز تتغنى به حتى اليوم، لكن هذه «الكربلائية» لم تحقق المطلوب منها سياسيًا.
ويؤكد أن مصير الاعتصام كان في النهاية إلى الزوال، سواء من خلال الاستجابة لمطالب إنهائه أو الوصول إلى المواجهة، إلا أن الجماعة رفضت الانفضاض وأصرت على استمرار الاعتصام، لينتهي الأمر بفضه.
وبعد مرور السنوات، يرى عبد الحافظ أن النتيجة الأبرز تكمن في مفارقة واضحة: تمكنت الإخوان من تثبيت رابعة كرمز في ذاكرتها السياسية، لكنها لم تتمكن من تحويل هذا الرمز إلى طريق للعودة إلى السلطة؛ فاستقرت دولة 30 يونيو، بينما بقيت الجماعة في الهامش وفشلت في كل شيء.