تواجه أنظمة السجون في أوروبا أزمة اكتظاظ غير مسبوقة، دفعَت العديد من الحكومات إلى البحث عن حلول خارج حدودها، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تعاني منها المؤسسات العقابية في القارة. وتتصدر السويد هذا التوجه بتوقيع اتفاق مع إستونيا، يُقضى بنقل مئات السجناء إلى سجون إستونية لمدة خمس سنوات، مقابل أكثر من 30 مليون يورو سنوياً، بهدف تخفيف الضغط عن سجونها التي تشهد تزايداً في أعداد النزلاء نتيجة تصاعد جرائم العصابات وتشديد السياسات الجنائية.
وتستفيد إستونيا من الاتفاق عبر استغلال طاقتها الاستيعابية الفائضة، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو نصف زنازينها شاغرة، إضافة إلى العائد المالي الذي يوفر فرص عمل وينشط الاقتصاد المحلي في المناطق التي تقع فيها هذه المنشآت. ولم تعد السويد وحدها في هذا المضمار، إذ سبق أن لجأت دول أخرى مثل بلجيكا والنرويج والدنمارك إلى ترتيبات مماثلة، بينما تدرس فرنسا وهولندا والمملكة المتحدة وفنلندا خيارات مشابهة، مع استمرار أزمة الاكتظاظ وارتفاع تكاليف تشغيل السجون.
نسبة الإشغال 100% وفرنسا تصل 137%
وتكشف إحصاءات مجلس أوروبا أن نحو ثلث أنظمة السجون الأوروبية تعاني من الاكتظاظ، حيث تتجاوز نسبة الإشغال 100% في نحو نصف دول الاتحاد الأوروبي، وتصل فى فرنسا إلى ما يقارب 137%، مع أكثر من 6 آلاف محتجز ينامون على مراتب أرضية، ويعزو خبراء هذه الأزمة إلى عوامل عدة، أبرزها تشديد العقوبات، وزيادة فترات الاحتجاز الاحتياطي، والسياسات العقابية المتصاعدة، رغم تراجع معدلات العنف في أوروبا خلال العقد الماضي.
جدل
أثارت فكرة استئجار السجون في الخارج جدلاً واسعاً بين منظمات حقوق الإنسان وخبراء العدالة الجنائية، الذين يحذرون من أن نقل السجناء إلى دول أخرى قد يعيق برامج إعادة التأهيل، ويزيد من معاناة النزلاء وعائلاتهم بسبب صعوبة الزيارات وانقطاع الروابط الاجتماعية، التي تعد عنصراً أساسياً في إعادة الاندماج بعد الإفراج. كما تطرح الاتفاقيات إشكاليات قانونية تتعلق بالمسؤولية القانونية عن السجناء، ومستوى الرقابة على ظروف الاحتجاز، ومدى تطابقها مع معايير حقوق الإنسان الأوروبية.
وتشير مبادئ "قواعد نيلسون مانديلا" وقواعد مجلس أوروبا إلى أن السجناء لهم الحق في التواصل الشخصي مع عائلاتهم، وهو ما تصعبه مسافات الترحيل، كما هو الحال بالنسبة للسجناء الدنماركيين الذين سيواجهون رحلة تزيد عن 2100 كيلومتر لزيارة أقاربهم في كوسوفو.
الحلول البديلة لأزمة السجون
في مواجهة هذه الأزمة الهيكلية، يرى خبراء ومؤسسات حقوقية أن الحل المستدام لا يكمن في زيادة عدد الزنازين أو استئجارها في الخارج، بل في إصلاح شامل لأنظمة العدالة الجنائية، والتحول نحو عقوبات بديلة أكثر فعالية وإنسانية. وتشير بيانات مجلس أوروبا إلى ارتفاع استخدام العقوبات المجتمعية البديلة للحبس بنسبة 2.7% بين 2024 و2025، حيث يخضع أكثر من 1.4 مليون شخص لبرامج المراقبة الإلكترونية، والأشغال المجتمعية، والإفراج المشروط، والإقامة الجبرية، وغيرها من التدابير التى تتيح للمدانين البقاء فى المجتمع مع الخضوع للرقابة.
ويدعو تحالف "RESCALED" الأوروبي إلى استبدال السجون الكبيرة بمنازل احتجاز صغيرة ومتكاملة مع المجتمع، تركز على إعادة التأهيل والدمج الاجتماعي، وقد حظيت هذه الرؤية بدعم رسمي من وزراء عدل الاتحاد الأوروبي في يونيو 2024، الذي أقر بأن الاحتجاز فى مرافق صغيرة الحجم يمكن أن يسهل إعادة التأهيل ويحد من العودة إلى الجريمة.
ويُعتبر النموذج النرويجي أحد أنجح النماذج في هذا المجال، حيث أدى التحول نحو العدالة التصالحية وإعادة التأهيل إلى خفض معدل العودة إلى الجريمة من 60-70% في التسعينيات إلى نحو 25% حالياً، وهو معدل أقل بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي. كما تسعى ألمانيا في هذا الاتجاه من خلال إلغاء تجريم بعض السلوكيات، مثل استخدام الحشيش ، وإصلاح عقوبات عدم دفع تذاكر النقل العام، للحد من دخول السجون للجرائم البسيطة.
ويرى مراقبون أن لجوء الحكومات الأوروبية إلى السجون المستأجرة يعكس أزمة هيكلية أعمق، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من تدويل إدارة السجون، وسط تساؤلات متزايدة حول الأبعاد القانونية والإنسانية لهذه السياسة. ويؤكد خبراء مثل كاثرين هيرد من معهد أبحاث الجريمة والعدالة بلندن أن الحل الحقيقي يكمن في مراجعة سياسات فرض العقوبات، وليس في ترحيل السجناء إلى الخارج، محذرة من أن "نقل السجناء إلى سجون مستأجرة هو مجرد مراوغة سياسية لتجنب مواجهة جذور الأزمة"، وتظل التحديات قائمة أمام تحقيق إصلاح شامل، إذ تفضل الرأي العام غالباً النهج العقابي الصارم، ويجد بعض السياسيين في التشدد مع الجريمة وسيلة أسهل لاستمالة الناخبين، بدلاً من تبني حلول إنسانية طويلة الأجل.